حرف الراء وأختها

زياد علي

بطاقة تعريف..

الاسم: زياد علي بعيج

تاريخ الميلاد: 23/8/1949

مكان الميلاد: طرابلس / ليبيا

مجالات الكتابة: القصة- النقد- المقالة- التحقيقات

تعريف قصير: ليسانس حقوق – جامعة القاهرة 1976، ماجستير حقوق – جامعة القاهرة 1978، دكتوراه الدولة – جامعة محمد الخامس المغرب 1997، مارس فن الرسم والمسرح، وهو حالياً رئيس تحرير مجلة الفصول الأربعة، وصحيفة الدعوة الإسلامية.

 

إصدارات

1-الثقافة والجريمة /86

2-الجذع المتوحش- قصة/86

3-لا يقهر الزمن إلا الكلمة/87

4-والكلمة أطول عمراً/ 87

5-عقوبة الإعدام بين الإبقاء والإلغاء/ 89

6-الطائر الذي نسى ريشه- قصة/ 89

7-إضافات نقدية في شعر عبد العزيز المقالح (مشترك)

8-الفكر السياسي والقانون عند الشوكاني/ 99

9-لا تحرج الموت الجميل- قصة/98

 

المخطوطات:

1-حرية الفكر حق من حقوق الإنسان، دراسات.

2-دراسة عن الأديب عبد الله القويري، دراسة.

3- دراسة عن الشاعر مظفر النواب، دراسة.

 

 نماذج من إبداعه..

عمي جميل

 

إنها محاولة لرصد ملامحه بعد هذه السنوات.. وجه أبيض ناعم قليل الشعر، تميزه ابتسامة باهتة، ربما السبب في ذلك العيون التي لا ترى هذا العالم، والتي تتفق مع الجفون على حماية آلة التصوير من الأتربة وتقلبات الزمن، فيكون انشداد الجفن سبباً في هذه الملامح التي يكتسبها الوجه البعيد عن الخشونة.

ويؤكد ذلك الصوت النسائي الناعم، والحركات التي لا تتوقف من اليدين مع ضرب كف بأخرى إضافة إلى تحريك الجسم وخاصة القاعدة والحاجبين، واستعمال قاموس خاص لا يتوفر على جملة واحدة عربية صحيحة بالكامل.. ليس هذا فحسب بل إضافة توابل للحديث متمثلة في أصوات لا معنى لها تطعم الجمل المشحونة بعبارات قدحية، هذه الملامح تتلاءم معها الملابس النسائية.

إن عمي جميل يحب النساء ويتحدث بصوتهن الناعم وينحاز إلى عالمهن على مستوى المضمون كما يحرص على ذلك شكلا.. يرتدي الكمجة والقفطان والحولي (الرداء)* ويترك زنوده عارية تسبح في بياضها إنه يستريح مع الأقمشة الملونة البراقة والشفافة مع الحرص على الحزام حول وسطه مثلما يحرص ألا تندلق على الأرض قطرة واحدة من الماء الذي يحمله من الحنفية العامة إلى البيوت. كانت (تنكات) مستطيلة من الألمونيوم قد تم تجهيزها بعد أن نفذ ما جلب فيها من وراء البحر وتم فتحها بالكامل من أعلى وثبتت لها قطعة خشب على شكل ما تحمل منها.

في العادة يضع قطعة الخشب على كتفه ويتدلى منها على مستوى الطرفين حبل ينتهي بخطاف حديدي. عندما يحني عمي جميل جذعه يعلق طرف الخطاف في يد سطل الماء ويتم ذلك بعد أن يشارك النساء في أحاديثهن التي لا تنتهي بجوار الحنفية حتى يأتي دوره. لم يكن يحب عالم الرجال، راحته كانت مع ثرثرة النسوة، يتمتع بالحديث مع استعمال الأيدي واللمس بها، وحين تنطلق ضحكته الناعمة يخيل للسامع إنه يستمع إلى فتاة بكر بخجلها، عندما كان لا يزال موجوداً في ذلك الزمن البعيد.

لم أسمع نبرات صوتية تشبه (صباح خيره) عندما يوزعه على الجيران.

كان يدخل البيوت ويجد متعته مع عالم الحريم، ولأنه بصير فلا أحد يهتم بحديثه مع النسوة.

أتذكره في مناطق معينة، عند حنفية مدرسة سيدي الحطاب القرآنية، وفي شارع سوق الحرّارة، أو عند جامع محمود وقوس المفتي، وكوشة الصفار، أحيانا يقترب من الأربع عرصات، ولكنها مرات نادرة التي عرج فيها على باب البحر. كان حضوره مرتبطاً بأغنية جميلة، نبتعد عنه قليلاً، ونصدح بها خاصة عندما نكون مجموعة، ننغمها ونغيظه بها، فتأتي شتائمه لتتداخل مع الكلمات:

جميل جميل... جميل يـبـي مرا

يبيها يبيها... ما يخدم غير عليها

هذا ما كنا نتغنى به، ولم نقف يومها لنسأل أنفسنا مثلما أسألها اليوم.

هل حقا عمي جميل كان يريد امرأة؟

هل كان يريدها للحد الذي لا يعمل إلا من أجل الحصول عليها؟

الحقيقة لم يكن يعرفها إلا عمي جميل.

هل حقق في شخصية الواحد اتحاد، الأنثى والذكر؟

هل.....؟

جميل جميل... جميل يبي مرا

يبيها يبيها... ما يخدم غير عليها

وتضيف ابنتي الآن عندما تتردد كلمات الأغنية

يبيها يبيها... ما يفكر إلا فيها.

 

* من أجزاء الثياب النسائية في ليبيا.

للأعلى

 

حكاية سـارق المعزة

 

1

دفعته الظروف إلى السرقة بعد أن أغلقت الدروب في وجهه، خاصة وأنه زوج جديد، وأمامه مطالب لم يكن يعرف كيف يتكيف معها، ومن حظه التعيس أن سكان القرية علموا بسارق المعزة، ضاقت الدنيا في وجهه بما رحبت.

فالناس كانت ناس

والقيم كانت قيم

ولم يجد أمامه إلا أرض الله الواسعة.. وعباد غير العباد.. ليحافظ على البقية الباقية من كرامته، فالجحيم كان بالنسبة إليه أن يواجه المجتمع الذي خانه.. لقد سقط وحكم على نفسه لأنه ما كان بإمكانه أن يحتمل حكم أهل القرية.

2

أكلت الغربة سنوات شبابه، دمرت طموحه، أجهضت مستقبله في أسرة صغيرة، وفي نسل من صلبه، عاش المنفى الاختياري.. وعذبه الحنين، ولكنه كان أهون من أن يواجه ما هو  أكثر قسوة، وهو تحطيم مشاعره أمام عيون الناس عندما تنظر إليه باحتقار، هذا البديل ما كان قادراً على مواجهته.. الموت أهون، ولكنه الضعف البشري، بعد أن أكلت الغربة شبابه، وتآمرت الدموع على البصر ضوء الحياة، وتحالف الزمن والقهر الداخلي والندم في التكالب على صحته.

وكان مع كل يوم جديد إلى الوراء.. هذا الوراء الجهنمي، الماضي الذي عذبه اشتياقه له، قاتله الذي يحتاجه..

3

بعد ما يقرب من ربع قرن انهار أمام الرغبة في مواجهة مصيره، كان هناك أمل.. ربما حلم في بناء حياته من جديد، وهذا ما راهن عليه عند عودته من غربته، من بلاد الناس، بلاد ليست بلاده، سافر إلى قريته.. ذهب إلى عين الماء التي كانت تجمع الجميع، كان يريد أن يستطلع، أن يعرف الأحياء من الأموات من تبقى من شهود الزمن الغابر، ومن غبر.. اقترب من بعض الصبايا وهن عائدات يحملن جرار الماء.. طلب منهن شربة ماء وقفن مندهشات من هذا الغريب، قدمت له إحداهن الماء.

وفيما هو يشرب ببطء كانت عيناه تتفرسان في الوجوه، ربما يستطيع أن يعرفهن بالدم، سألهن عن الأهل.

جاءت الإجابات تحمل الاعتزاز وبعض الغرور منهن مع اسم الوالد، إلا واحدة لم تنطق.. ابتعدت قليلاً مسربلة بحزن لا يحتمله جبل، بعار عاشرها كقدرها، تعلق قلبه بها سألها بلهفة وأنت بنت من؟

لم يسمع منها إجابة، وقف الصمت بينهما.

تبرعت بعض صويحباتها بالرد على استفساره بشكل عفوي إنها (بنت خانب المعزة!) صعقته جملة (بنت سارق المعزة)

التفت وكأن رصاصة إيطالية اخترقت قلبه، تمنى الموت لحظتها، خانه الموت بغيابه، دائماً لا يأتي في الوقت المطلوب، لعن نفسه لأنه كان يسبب للفتاة في كل يوم هذا الإحراج..

كم مرة قتل هذا الملاك.

4

في طريقه إلى لا مكان.. حيث لا هدف كان يتساءل:

لماذا حدث ما حدث؟

ها هي فلذة كبده تعيش عاره.. تعيشه بعد أن أورثها إياه.. إنه مجتمع له أعرافه القاسية وخطوطه الحمراء التي لا يسمح باجتيازها.

مجتمع يقول للضعيف.. يا كلب في وجهه، دون تجمل، لا يختلق له اسماً آخر.

قال لنفسه:

لم يعد لي مكان هنا

نفس ما قاله كفافي صاحب الإسكندرية

إنك حين دمرت حياتك هنا

فقد دمرتها في أي مكان آخر

وتقول لنفسك سأرحل إلى بلاد أخرى

إلى مكان آخر.. ولكن عارك يطاردك..

للأعلى

 

قائمة الحرف | القائمة الرئيسية