|
بقايا دمعة
انكمش في زاوية الجدار ضاماً رجليه بيديه إلى صدره، رافعا ركبتيه إلى
مستوى ذقنه كمن يتقي ضربات يوجهها له مجهول عيناه تدوران في
محجريهما تبحثان عن ما يجلب له الاطمئنان وسط هذه الأجواء
الجديدة الضاجة والصاخبة بكل غريب وجديد عليه.
أفاق من حالة الذهول التي تملكته
على صوت أخيه الأكبر الذي آتى به إلى هذا المكان واجبره على الركون في
هذه الزاوية وان لا يغادرها حتى يأتيه من
جديد.
تناهى إلى سمعه صوت أخيه وكأنه
يسمعه للمرة الأولى
وبنبرات غير نبرات صوت أخيه الذي تعود عليه قبل ولوجه هذه الحياة
الجديدة.
استنتج من نبرات صوت أخيه
وجوب الوقوف حالاً، تحامل على نفسه مجبرا جسده على الارتكاز فوق قدميه
المتأرجحتين، فقط عيناه هما الوحيدتان من جميع حواسه اللاتي
تمارسان مهامها بنجاح بحيث
لم
تكفان عن الدوران عن ما حولهما.. تراءت له الألوان بغير طبيعتها.. صور
الأشخاص رغم الفتها لعينيه
إلا
أن
مسحة
من
غرابة طالت تفاصيلها لتظهرها
بشكل
أوجس منه خيفة.
تعلقت عيناه بذلك الرجل المسن الذي
تعود على مشاهدته يجلس مع أبيه و بقية
الرجال قرب المسجد المجاور لبيتهم وتذكر
كيف أنهم لا يتحملون غياب هذا الرجل من دونهم جميعا وشعر رغم صغر سنه
أنه
يمثل الركيزة في تواجدهم وذلك عندما يعلو صخبهم وضحكهم بمجرد حضوره حتى
إن الكلام في حضوره يصبح حكراً عليه وحده.
ركز نظره على يديه
التي كثيراً
ما
ربتت على رأسه ومسدت خصلات
شعره ونقدته حبات الحلوى اللذيذة.
كانت مشاعر الحب هي التي تملأ كيانه تجاه هذا الرجل منذ أول يوم شاهده
فيه، ولكنه الآن يرى صوره أفزعته غير تلك الصورة التي انطبعت في ذهنه
خصوصا
أن
يديه الآن تتقاذفان بحركة
سريعة عصا طويلة يلكز بها بين الحين والآخر احد
الأطفال ليجبره على العودة إلى ذلك
الصف
الطويل الذي لم يفهم الغرض من
إجبارهم الوقوف فيه بذلك الشكل.
بدأت عيناه في الاغروراق بالدموع وبدأت الصور
تتداخل أمام
ناظريه منقسمة إلى صور عديدة، لم يعد يتبين
ما
يحدث
أمامه وما يجب عليه إتباعه حتى فاجأته تلك العصا الطويلة بلكزة في
جنبه كادت أن
تسقطه أرضاً لولا انسناده على أحد الأطفال
أمامه.
تمالك نفسه قليلاً قبل أن تداعب مؤخرة رأسه صفعة قوية
تلاها
وابل
من
كلمات لم يستوعبها قاموس رأسه الصغير...حملته موجة الأطفال المتدافعين
تحت تهديد العصا الطويلة
لترمي
به
وسط حجرة واسعة الأركان،
حملق
في
أرجائها
بعينين تسدل عليهما
غشاوة الدمع
ستاراً من
الضبابية يمنع عنها الرؤية بوضوح.
أثار انتباهه طرق عنيف على باب
الحجرة توجه بنظره ناحية مصدر
الصوت
شاهد مقدمة العصا تنقر الباب بقوةََ ٍ وليخيم سكون مخيف على الحجرة
لم
يقطعه إلا
صوت صاحب العصا آمراً الجميع بالجلوس في المقاعد، تدافع الأطفال كل
منهم
إلى
أقرب
مقعد فقط هو ظل جامداً مكانه وكأن الأمر لا يعنيه.
انتشلته قبضة قوية مما هو فيه حاملة إياه إلى احد المقاعد
لتجبره على
الجلوس في احد جانبي
المقعد، زادت غيوم عينيه تلبدا ولتزداد معها صعوبة الرؤية لديه..
شعر بجلوس طفل إلى جانبه وبحركة
لا
إرادية
تراجع نحو الناحية الأخرى إلا أن تلك الناحية كانت محتلة من طفل أخر،
انحشر بين الاثنين، شعر بضيق في صدره و كأن الطفلين يتعمدان زيادة
آلامه.
أمرٌ واحد في كل ما يحدث له كان
يدعوه للتساؤل...
هو
صخب الأطفال ولعبهم ومرحهم وكأنهم تعودوا هذا
الأمر،
بدأت دموع عينيه في الانهمار لتبلل
ملابسه
التي كانت أكثر الأشياء التي سمع عنها توصيات من والدته.. هنا فقط
تبدلت
مشاعره
عندما خطرت على باله والدته.
توقف عن التفكير في كل تلك الأمور التي حدثت له طارداً كل إحساس بالخوف
اعترى كيانه، ولتنقشع كل الغيوم التي منعت عينيه من الرؤية، عاد لتأمل
المكان
بشكل مختلف، إحساس داخلي قوي يجبره على الوقوف داخل
المقعد و يدعوه
للخروج
من
باب الحجرة.
دفع الطفل الجالس إلى جواره بقوة موقعا إياه على أرضية الحجرة، مرق
كالسهم
من
الباب.. وجد نفسه وسط الفسحة الواسعة للمبنى صوب نظرة نحو الهدف
النهائي في تمرده المفاجئ، إنه ذلك الباب
الكبير الذي يتوسط سور المبنى الذي ادخله منه أخوه هذا الصباح.
ازدادت دقات قلبه
و
هو
يقترب
من
تحقيق هدفه، لمح عن بعد صاحب العصا
الطويلة يجلس في الحجرة الملاصقة للباب يطل
من
بابها على الفسحة الواسعة.
تردد قليلاً عند رؤيته للعصا وصاحبها ولكن تردده لم يصمد طويلاً أمام
إصراره الغريب، استجمع كل قوته
في
انطلاقه قوية
حاثا رجليه على الركض بكل ما أوتيا من قوةٍ، شاهد من بعيد صاحب العصا
يبتسم ابتسامة مؤكدة له أن لا فرار منه، بحركة مباغته لا يعرف من أين
تأت له افلت من بين يديه.
استرق نظرة للخلف
شاهد صاحب
العصا مكوماً على الأرض
وعصاه الطويلة ملقاة على بعد خطوات منه، واصل هروبه ناحية المنزل، شاهد
الباب مفتوحاً، اندفع بقوة من خلاله رأى أمه جالسة حيث تعود أن
يراها، شعر بان
كل
الأشياء
توافقت
مع
طبيعتها رمى بجسده في حضن أمه ماسحاً بقايا دمعة ترقرقت في عينيه.
طبرق
9-9 -2000 |