عبدالعزيز الروّاف

 

الاسم: عبدالعزيز عبدالرّوّاف

تاريخ/ مكان الميلاد: 1960 - طرق

دبلوم معلمين 1979

مجالات الكتاب: القصة القصيرة / المقالة

 

تعريف: نشر في العديد من الصحف المحلية.. عضو تحرير صحيفة البطنان.. من مؤسسي بيت البطنان الثقافي

 

مخطوطات:

- تهاويم / قصة قصيرة

 

نصوص مختارة

بقايا دمعة

 

انكمش في زاوية الجدار ضاماً رجليه بيديه إلى صدره، رافعا ركبتيه إلى مستوى ذقنه كمن يتقي ضربات يوجهها له مجهول عيناه تدوران في محجريهما تبحثان عن ما يجلب له الاطمئنان وسط هذه الأجواء الجديدة الضاجة والصاخبة بكل غريب وجديد عليه.

أفاق من حالة الذهول التي تملكته على صوت أخيه الأكبر الذي آتى به إلى هذا المكان واجبره على الركون في هذه الزاوية وان لا يغادرها حتى يأتيه من جديد.

تناهى إلى سمعه صوت أخيه وكأنه يسمعه للمرة الأولى وبنبرات غير نبرات صوت أخيه الذي تعود عليه قبل ولوجه هذه الحياة الجديدة.

استنتج من نبرات صوت أخيه وجوب الوقوف حالاً، تحامل على نفسه مجبرا جسده على الارتكاز فوق قدميه المتأرجحتين، فقط عيناه هما الوحيدتان من جميع حواسه اللاتي تمارسان مهامها بنجاح بحيث لم تكفان عن الدوران عن ما حولهما.. تراءت له الألوان بغير طبيعتها.. صور الأشخاص رغم الفتها لعينيه إلا أن مسحة من غرابة طالت تفاصيلها لتظهرها بشكل أوجس منه خيفة.

تعلقت عيناه بذلك الرجل المسن الذي تعود على مشاهدته يجلس مع أبيه و بقية الرجال قرب المسجد المجاور لبيتهم وتذكر كيف أنهم لا يتحملون غياب هذا الرجل من دونهم جميعا وشعر رغم صغر سنه أنه يمثل الركيزة في تواجدهم وذلك عندما يعلو صخبهم وضحكهم بمجرد حضوره حتى إن الكلام في حضوره يصبح حكراً عليه وحده.

ركز نظره على يديه التي كثيراً ما ربتت على رأسه ومسدت خصلات شعره ونقدته حبات الحلوى اللذيذة.

كانت مشاعر الحب هي التي تملأ كيانه تجاه هذا الرجل منذ أول يوم شاهده فيه، ولكنه الآن يرى صوره أفزعته غير تلك الصورة التي انطبعت في ذهنه خصوصا أن يديه الآن تتقاذفان بحركة سريعة عصا طويلة يلكز بها بين الحين والآخر احد الأطفال ليجبره على العودة إلى ذلك الصف الطويل الذي لم يفهم الغرض من إجبارهم الوقوف فيه بذلك الشكل.

بدأت عيناه في الاغروراق بالدموع وبدأت الصور تتداخل أمام ناظريه منقسمة إلى صور عديدة، لم يعد يتبين ما يحدث أمامه وما يجب عليه إتباعه حتى فاجأته تلك العصا الطويلة بلكزة في جنبه كادت أن تسقطه أرضاً لولا انسناده على أحد الأطفال أمامه.

 

تمالك نفسه قليلاً قبل أن تداعب مؤخرة رأسه صفعة قوية تلاها وابل من كلمات لم يستوعبها قاموس رأسه الصغير...حملته موجة الأطفال المتدافعين تحت تهديد العصا الطويلة لترمي به وسط حجرة واسعة الأركان، حملق في أرجائها بعينين تسدل عليهما غشاوة الدمع ستاراً من الضبابية يمنع عنها الرؤية بوضوح.

أثار انتباهه طرق عنيف على باب الحجرة توجه بنظره ناحية مصدر الصوت شاهد مقدمة العصا تنقر الباب بقوةََ ٍ وليخيم سكون مخيف على الحجرة لم يقطعه إلا صوت صاحب العصا آمراً الجميع بالجلوس في المقاعد، تدافع الأطفال كل منهم إلى أقرب مقعد فقط هو ظل جامداً مكانه وكأن الأمر لا يعنيه.

انتشلته قبضة قوية مما هو فيه حاملة إياه إلى احد المقاعد لتجبره على الجلوس في احد جانبي المقعد، زادت غيوم عينيه تلبدا ولتزداد معها صعوبة الرؤية لديه.. شعر بجلوس طفل إلى جانبه وبحركة لا إرادية تراجع نحو الناحية الأخرى إلا أن تلك الناحية كانت محتلة من طفل أخر، انحشر بين الاثنين، شعر بضيق في صدره و كأن الطفلين يتعمدان زيادة آلامه.

أمرٌ واحد في كل ما يحدث له كان يدعوه للتساؤل... هو صخب الأطفال ولعبهم ومرحهم وكأنهم تعودوا هذا الأمر، بدأت دموع عينيه في الانهمار لتبلل ملابسه التي كانت أكثر الأشياء التي سمع عنها توصيات من والدته.. هنا فقط تبدلت مشاعره عندما خطرت على باله والدته.

توقف عن التفكير في كل تلك الأمور التي حدثت له طارداً كل إحساس بالخوف اعترى كيانه، ولتنقشع كل الغيوم التي منعت عينيه من الرؤية، عاد لتأمل المكان بشكل مختلف، إحساس داخلي قوي يجبره على الوقوف داخل المقعد و يدعوه للخروج من باب الحجرة.

دفع الطفل الجالس إلى جواره بقوة موقعا إياه على أرضية الحجرة، مرق كالسهم من الباب.. وجد نفسه وسط الفسحة الواسعة للمبنى صوب نظرة نحو الهدف النهائي في تمرده المفاجئ، إنه ذلك الباب الكبير الذي يتوسط سور المبنى الذي ادخله منه أخوه هذا الصباح.

ازدادت دقات قلبه و هو يقترب من تحقيق هدفه، لمح عن بعد صاحب العصا الطويلة يجلس في الحجرة الملاصقة للباب يطل من بابها على الفسحة الواسعة.

تردد قليلاً عند رؤيته للعصا وصاحبها ولكن تردده لم يصمد طويلاً أمام إصراره الغريب، استجمع كل قوته في انطلاقه قوية حاثا رجليه على الركض بكل ما أوتيا من قوةٍ، شاهد من بعيد صاحب العصا يبتسم ابتسامة مؤكدة له أن لا فرار منه، بحركة مباغته لا يعرف من أين تأت له افلت من بين يديه.

استرق نظرة للخلف شاهد صاحب العصا مكوماً على الأرض وعصاه الطويلة ملقاة على بعد خطوات منه، واصل هروبه ناحية المنزل، شاهد الباب مفتوحاً، اندفع بقوة من خلاله رأى أمه جالسة حيث تعود أن يراها، شعر بان كل الأشياء توافقت مع طبيعتها رمى بجسده في حضن أمه ماسحاً بقايا دمعة ترقرقت في عينيه.

 

طبرق 9-9 -2000

للأعلى

 

ثلاث نساء

 

الأولى

هالها ما اكتشفت.. العيون الشبقة تترصدها.. رغبات جسدها الناضج تدعوها لولوج حياة أخرى.. رائحة الغنج تلفح أنفاسها.. شعرت أخيرا بأنها تطرق كيان الأنثى داعية كل الرجال لتأملها.   جميع مقومات حواء الظاهرة والباطنة تترآى لها راقصة حول كل بروز بجسدها... إنها بحاجة إلى من يكمل لها كل معطياتها الوافرة فيها كامرأة.. القلق البارد الساكن نفسها يحتاج إلى دفء رجولي.. هاجس الأنثى يلح عليها بقوة مذيباً قطع ثلج الحياء المترسبة في أغوار نفسها.

تتكاثر.. تتراكم.. تتخثر الأحزان لتنسكب دموعا من عينيها.. تدفعها تلك التفاعلات إلى البحث.. غاصت في أعماقها الموحشة.. فتشت في حناياها.. دققت في كل تفاصيلها.. فكرت في كل ما مر بها.. طفت إلى سطح الواقع لتوقن بعد هذا إنها بحاجة إلى روح تجعلها أنثى حقيقية.

 

الثانية

كنت دائما أشتهي امرأة تحبني.. تنثر عبق الأنثى على جدران حياتي.. اندلق التعب في كل عض و من جسدي بحثاً و تدقيقاً في وجوه وأجساد كل النساء.. انبثقت أمامي كزهرة ربيع في غير أوانه.. دعاني حقل الياسمين على صدرها للتمدد عليه.. هربت من همومي بقربها.. تماهت روحانا.. الذبول بدأ يرتسم بوضوح على خطوط ملامحي.. الانسحاق يملأ نفسي تراءت لي صورتها غريبة موحشة..أسنانها بارزة حادة.. شفتاها قاحلة.. عيناها يكسوهما الاحمرار بعد كل عناق..إنها تشرب ماء الحياة من جسدي.. وأستمر في الذبول بعد كل لقاء.. استنجدت بآخر ما تبقى من سريان للحياة في شراييني.. تحرك أخر خيط للتفكير في عقلي لم تسلبه مني.. فكرت وتدبرت ثم عقدت العزم.. أطبقت وأنا في حالة وئام مع كل جوارحي على بؤرة الحياة فيها.. تململت فواصلت الضغط.. بدأت تنسحق تحت وطأة قبضتي التي تخلصت من وهن الذبول.. حالة من الهدوء اجتاحت جسدينا همدت.. ارتخت أعضائها.. تركت المكان بهدوء.. ومنذ تلك اللحظة صرت اهرب من كل النساء.

 

الثالثة

نظرت إلى الساعة المتوقفة منذ أن تفتح جسدها الملتهب بين يداي.. أحاول لملمة الثواني النافقة.. تلف شعرها الغجري المبعثر بتعمد.. صدرها النافر استنزفت منه كل أسرار البهجة.. نسينا ما يحيط بنا.. دخلنا إلى جحيم الغياب.. كلما تقدمت ساعات الليل ازدادت رغبتنا في الاستمرار.. يزداد سطوع جسدي بفعل غسيل البهجة.. في أعماقي اشعر بجفاف.. الفرح ينتشر على جسدي ولكنه لا يترسب في أعماقي.. أشعر بضيق.. لحظات قاسية تتسرب إلى داخلي.. فتتملكني.. البهجة الخارجية لا تصل إلى اجتثاث الأحزان الراسبة في قاع جفاف الروح.. أحاول أن أصل إلى قرار.. أضغط بعنف على تفاعلات الألم.. أتخلى عن جسدها الفائق الاشتهاء.. انزع يداي المغروزتان في لجته.. أجد روحي تعالج خوفها الكئيب.. اكتشف زيف جسدها.. أنسل مودعا إلى ٍغير رجعة.

طبرق 1-6-2004

للأعلى


القائمة