|
عــبور
ألقت الدلو الجلدي في البئر.. وأنصتت ساكنة، طويلاً.. لكنها لم تسمع صوت
ارتطام الدلو بالماء.. ولا بصخر القاع.. أنصتت بخشوع ظل الدلو يهوي
بالبئر.
- جفت الآبار وصارت القيعان سحيقة.. قلبي يخبرني أن هنالك ماءً زلالاً،
هنالك في الأعماق.
تمتمت
وأنصتت لخطوات الدلو تتراكض على بساط الفراغ السحيق.. وفي الفراغ نبت
الضوء.. غلب القحط واخضرت صخور اليأس فشقت سنابل القمح قسوة الحجر
وصهلت في عنان السماء على إيقاع طبولٍ عرس بدوي.. حلقت عيناها
السوداوان كحلاً.. وخضبت أصابعها الحناء.. علقت على صدرها قلادة فضية
معطرة بعرق سواعد سمراء نصبت خيمة وأنارت فناراً.. تحلقت حولها شيوخ
القبيلة وفرسانها.. أكرموا الضيف وأشبعوا اليتامى وأنجدوا المستغيث..
تبادلوا في وطيس الهيجاء صفوف الصلاة وصبروا على طوى الصيام بجرعات
اللبن وحبات التمر الباسق يغرق في اخضرار جرديها قرص الشمس الملتهب
رويداً، رويداً.. فيتشتت النور في القيعان السحيقة..
-
وقلبي يخبرني أن هناك ماءً زلالا.. هنالك في الأعماق..
الفزّاعات
- كم
كانت أيامي ربيعية وجميلة..
ولم
أدر من أين أتت ريح الخريف بغتة.. فصار كل شيء يابساً في حقلي الذي خلا
إلا من قرقعة علب صفيح الفزّاعة التي فاجأتني هي الأخرى بظهورها..
الريح
تعوي وتصفر والفزاعة تميل معها..
كانت
لوحا خشب ثبتا بالمسامير.. ألبسوها قميصاً وبنطلون، ووضعوا حول معصمها
ساعة إلكترونية..
لوحا
خشب.. لا حياة فيهما ولا قلب لهما.. أما الرأس فقد كان سطلاً..
على
التل البائس جلست دهوراً.. بقلب موجوع أرقب حقلي الخرب، وفزاعتي التي
لا أجرؤ على الاقتراب منها.. أراها تتحرك، ولا تتحرك.:
- هذا
زمن الريح..
وأيام
ظهرت فزاعة أخرى.. أخرى لها شعر أشقر، بدت شرسة ومفجوعة.. علب الصفيح
تجلجل دون ريح.. وفي اليوم التالي فزاعة شقراء أخرى.. لم أكد أسمع لها
قرقعة.. بدت هادئة وثابتة.. أفزعتني
حقلي
يملئه السواد.. لم تعد تزورنا الشمس، والغربان استوطنت الأفرع
اليابسة.. تنوح على كثبان الرمال.. لكن الخراب أيضاً جلب معه بذور
الصبار التي ترعرعت وشمخت..
وأيامٌ أخرى.. ظهر فيها ما يشبه جبلاً عملاقاً.. فزاعة حمقاء وغبية..
علب صفيحها تقهقه.. وتقهقه.. الخامسة.. وثم.. وثم..
إلا
أني انتصبت.. أنفض الغبار العالق بعيداً
طين آدم
على
التراب..
رسمت
طفلة بإصبعها الصغير خطوطاً وخربشات.. تابعت حركة النمل والديدان
والخنافس عليه.
في
السماء..
طنت
نحلة وذبابة.. عصفورٌ يشدو.. حمامٌ يطير.
في
الأفق..
جارحٌ
يحلق بكبرياء..
أعملت
أصابعها تحاول اختراق كتيلات الطين والطمي لتصنع حفرة صغيرة.. رمت فيها
بذور لورد الأحلام.. أريج الغد الآتي..
-
عندما تكبرين: تصرين....، تصبحين....، وتعملين.....، وسأراك......،
وحينها سيكون كل شيء......، والعالم كله سيرقص على........
صرتِ
طفلة كبيرة.. تحاول أصابعها الرقيقة اختراق كتيلات الطين والطمي، لتحفر
حفرة صغيرة.. تبذر فيها بذور صبار الأحلام.. يرتشف قطرات الندى
الفالتة، تقاوم به العدم..
لا
تذبل زهور أحلام الطفولة.. ولن تذبل.. فقد صارت صباراً يعبق بسنوات
العمر، ولحناً يتلقفه العطش، فيشق قساوة الصمت..
أيام
ظهر فيها آدم يصحب حواء.. بأحلام ثمار الجنة وصبار الخطيئة الواقع..
يرتشف من قطرات ندى فالتة.. يدس يديه بين الطين.. يصنع حفرة صغيرة,..
يسكن فيها حلمه.. ينبت منها.. وفي أوان الذبول يعود إلى حفرته الصغيرة
يغفو..
|