إبتــــسام عبدالمولى

 

الاسم: ابتسام محمد عبدالرحمن عبدالمولى

تاريخ الميلاد:30.12.1967

المؤهل العلمي: بكالوريوس هندسة زراعية.. وتدرس حالياً للتحضير للماجستير.

مجال الكتابة: القصة القصيرة.

 

نشرت في صحيفة الجماهيرية، الشمس، مجلة فنون، مجلة المشعل.. ولها العديد من المقالات التي نشرت في كل من صحيفة الشمس، مجلة فنون، أمواج الخير.. أشرفت على الصفحة الزراعية في صحيفة البيان الأفريقي، وتشرف حالياً على الملف الثقافي في مجلة المشعل.. تعمل بمجلة (فنون) في مجال التصميم والتنفيذ والإخراج.

 

نصوص مختارة

الأرض لا تقبُر الجثث

 

حفيفُ الأشجار، وصوت الرياح أيقظه من غفلته.

تفَرس وجوه من كانوا معه خلف السور، فحزم كل حقائب الشوق لتسقط الذكريات بين كفيه واحدة  فواحدة، بينما ثلاثة حروف لملمت نفسها ترجت دفء قلبه فرقصت وغنت معها الرياح بأصواتها العالية " و.. ط.. ن... وطن ".

 

وميض البرق أفزعه، شل تفكيره لبُرهة، صمتُ الليل أيقظه من سكينته المؤقتة فصرخ بأعلى صوته: ـ

ـ أيها النائمون...

ـ أنا من خلعتُ موتي من بين ضلوعي، الأيام حَملتّ نعشي، وكساني الثرى من أخمص قدمي حتى ...

ـ أين أنت مني يا درب الشهداء.

 

انتزع قلبه من حناياه، نحت مكانه خارطة الوطن، لينسى ذاكرة السنين القابعة داخله، تأوه متألماً محدثاً نفسه : ـ

ـ انهم أجهضوا كل شواهدنا، وفصلوا بيني وبيني، وبيني وبين الأمم، لكنهم لن يفصلوا بيني وبين وطني.

 

تدثر غيث السماء وتلحف حروف الوطن وأدرك أن الأرضَ لا تقبُر الجُثثَ

 

11/8/2002

 

 

 

طائرةُ ورق

إهداء إلى الصديقة: هدى السراري

 

سرورها الطفولي الذي لون صوتها بظلال دافئة، حينما دس بيمناها خيط لطائرة ورقية ملونة، أوحى له بأنها ملكت الدنيا، لتحلق عالياً في نشوة، وتعانق السماء بطائرتها.

تلاعبت نسمات البحر بخصلاتها الفاحمة... بوله منحته طرفة عين  من عسل مصفى.. انفرجت أساريره فيما يفترش رمال الشاطئ، والمد يشاكسه.

 

تلمست طائرتها، بأنامل صغيرة لملمت خيطها الطويل، وهي تعدو راقصة ضمتها لصدرها... أغمضت عينيها لتجد نفسها تداعب سحابات متشكلة بأشكال تحبها.. لاحت غمازتيها، وهي تنساب بين تشكلات لحيوانات جميلة، نباتات بألوان زاهية، أشياء أخرى أعجبتها،  تحبو عليها حيناً وتقفز أحياناً أخرى، فيما طائرتها تتحد معها، تشاركها فرحتها.

باغتها شكل غريب لشبح كبير قاتم، لم تعرف أوله من آخره، تلحفها الفزع، ليستل منها صرخة مدوية، كسهم نافذ عكست مسارها لتجد شبح السحاب يحيط بها... أحست بقبضة لم ترها... انتُزعت منها طائرتها، فهوت بدونها للأرض، نادت أشكالها ونادت، لكن... لكن سكون الأموات تلبسهم.

 

ارتطمت بمياه البحر، فزعت أسراب النوارس،غادرت صفحة المياه، تجهمت وأدركت أن كل مباهج الفرح تلاشت ليحل محلها شعور بالتعفن والقذارة وكأنها مست بيدها شيئاً كريهاً.

 

اهتزت عندما أنتزعها صوته من تهيؤاتها، بنظرة للسماء لمحت طائرتها محلقة عالياً.

 

 

2002.9.24

للأعلى

 

حفيد الشمس

 

أرقه وسهاده، لم يكن لهما علاقة بالتعب أو المرض، ولا حتى بتعقيدات وهموم المجتمع المتعايش معه.. إنما لأن عبق الماضي يلاحقه بأطيافه وشواهده... وهو الذي ظن أنه قد تركه في رعاية قرص الشمس المولود وراء تلال الرمال الذهبية.

رمق المرآة جيداً، ابتسم بجفاء لصورته المنعكسة وخاطبها :

ـ لقد تجاوزتِ عقدك الرابع...

تملك صورته شعور مؤلم بتطفلها عليه، حينها أفصحت :

ـ برودة المكان جعلت منك لوح جليد يمكن لأي كان تشكيله..

 

صعق لهول ما سمع من كلمات، ليس لشيء إلا لأنها كانت من ذات لغته الأم، التي لم ينطق بها منذ أمد بعيد... تبددت الدهشة من عينيه، ليحل مكانها دفء قديم.. شعر بالوحشة، تهاوى مستنداً للجدار البارد.

غالب دموعه.. لأول مرة روحه يجرفها الإنهزام، باتئاد خطى نحو صندوق عتيق، أخرج زجاجة صغيرة مملؤة تراباً بلون التبر، حاذر في فتحها كي لا تنكسر فوهتها، نال مبتغاه.. تحسسها بأنفه، وكأنه يشتم رائحة عطر نقي باهض الثمن.

ضمها بشدة أوهنت فيه كل قدرة على مفارقتها.. رأى فيها أمه، وهي ترتدي ردائها المزركش، وتضع على رأسها  لفافة1 ذات لون أحمر ممزوج بالبني وهي تتوسله بأن يعود عن قراره، فيما تناوله كوب شاي أخضر.. حين أدارها لاحت صورة والده يحرك بأصابعه حبات الكاكاوية2 فوق جمرات الكانون3 ويصرح لوالدته بأن نزق الشباب يسيره، وبأنه نادم لا محالة..

تسلل من بينهما، ليجلس القرفصاء تحت سدة4 العنب التي طالما أحبها.. وقبل أن يعود عما عزم عليه، اغترف كمشة5 تراب لتذكره بهويته.

تمكن البرد من أوصاله.. سرت ببدنه قشعريرة أعادت حاضره من ماضيه.. ليجد نفسه مازال ماسكاً بزجاجة التراب، فيما أنيسه الوحيد صوت مذيع، يتكلم بلغة أجنبية.. هب واقفاً أخرس ذاك الصوت الغريب، بظهر يده مسح دموعه، و بدون إسهاب في التفكير عزم على الأمر..

استقرت خفقات قلبه.. تملكه شعور غريب هو مزيج من الخوف والحنين.. حزم خوفه، سافر لحنينه، ضم إرثه بين يديه..

قلبه كاد ينتفض من بين جوانحه، عندما وجد من أحبهم متلهفين لعودته وكلهم شوق لاحتضانه.

نام ملء جفنيه.. ورأى من بين أحلامه أن أوراق النجم6 الذابلة ما كان لها أن تغطي سنابل الشعير السامقة لأنها أرادت أن تلمس الشمس..

 

 

 

هامش :

1. لفافة : ما تلف به العجائز في ليبيا رؤسهن.

2. الكاكاوية  : الفول السوداني.

3. الكانون : إناء صغير توضع به جمرات يستخدم عادة للتدفئة أو لجلسة الشاي.

4. سدة : تعريشة.

5. كمشة : قبضة يده مملؤة تراب.

6. النجم : العشب أو المسطح الأخضر.

 

2002.10.07

للأعلى


القائمة