|
جنس
مسموح بالتداول
عندما
يوظف الجنس توظيفاً فنياً في الأعمال الأدبية وخاصة الروائية ويستند في
فنيته على حرية الإبداع فإنه يأخذ أحياناً أشكالاً أفضح بكثير من أفلام
الجنس التلفزيونية والسينمائية، وذلك لسرعة انتشارها وسهولة تداولها
...
ولا
فرق فيما ضمنه الكاتب الروائي في أعماله الروائية من إباحية مفرطة عن
المخرج الذي قام بإنجاز أفلام جنسية فاضحة، فكلاهما يحمل وجهة نظر تبيح
له -حسب اعتقاده- استغلال الجسد الأنثوي، وحتى الذكوري، إما للإثارة أو
لأمور دعائية واقتصادية، حتى لو تسترا بوجهة نظريهما بالتوظيف الفني
للأعمال الأدبية أو التلفزيونية.. ولا جدال في هذا الصنف من البشر
مادام لا ينتمي إلى مجتمعٍ عفيف تربطه قيم ومبادئ أخلاقية تحد من
تصرفات أفرادها ..
ولعل
رواية (قبل وبعد) لـ(توفيق عبد الرحمن) هي أبرز النماذج الروائية التي
أثارت ضجة بين الكتّاب والأدباء من جهة، والمسؤولين عن الثقافة والنشر
من جهة أخرى، في القطر الذي صدرت فيه الرواية المذكورة، فالكل أدلى
بدلوه، واغترف الكثير منهم أثناء نقاشاته ومحادثاته مياهاً قذرة عندما
هاجم كل من أساء إلى الرواية وكاتبها واتهموهم بالمصادرين للإبداع، أي
المصادرين (الجنس المنشور).
إننا
لو نظرنا إلى أغلب وسائل الإعلام، وخاصة الصحف والمجلات وصفحات
الإنترنت، التي تناولت هذه القضية بالتحليل والنقد المزعوم، فإننا سنجد
أنها استخدمت كل وسائل الإغراء لاستقطاب القارئ والمتلقي للدخول إلى
عوالم هذه البرامج والصفحات، لكي يتم الاعتراف بجديتها وأهميتها كوسيلة
تجارية حرة.. ولذلك لم تجد هذه الوسائل أفضل من استفزاز فضول المتلقي
بتلك الشارات والخطوط الحمراء.. تماماً كما يحدث لأفلام الجنس عندما
يكتب على أغلفتها تحذير (للكبار فقط) أو (لمعالجة الاكتئاب النفسي)
والتي جعلت من الكثيرين، كباراً ومصابين بالاكتئاب أيضاً.. لذلك حظيت
هذه الرواية المثارة (قبل وبعد) بنصيب وافر من الدعاية والنشر رغم ما
قيل عنها من أنها محظورة من النشر.
إنني
لا أشك في واقعية أغلب جوانب هذه الرواية والتي تصاحبك أحداثها
الإباحية حتى تنتهي من قراءتها وبأسلوب فني تميز به الكاتب في وصف جسد
المرأة والتركيز على مفاتنها بدقة متناهية وتصوير لحظات العطش الجنسي
التي داهمت ذلك المتقاعد.. ولكنها لم تجد أي اعتراض من أصحاب الشأن
الذين نقل الكاتب جزءاً من ماضيهم الذي تعرض للتشويه خلال هذه الرواية،
بل إنهم اعتبروها وسيلة لزيادة الشهرة التي لا تساوم.. وما حدث بخصوص
هذه الرواية من نقاش حاد وجدل وصف بأنه كبير وموضوعي، ما هو إلا من
صميم الدعاية التي هيأت الأجواء لانتشار هذه الرواية وما سيلحقها من
نماذج أخرى على شاكلتها..
وحتى
لو أن بعض المنحازين للرواية قد أهدوا بناتهم وزوجاتهم –كما قالوا-
نسخاً من هذه الأفلام الجنسية المقروءة فهذا لا يعني أن كل العقول
والآراء تسمح بالاستغناء عن معايير ومبادئٍ إنسانية أرفع بكثير من
تصرفات أقلاء الأدب.. ومهما صدر من أقوال لكاتب الرواية أو ممن تعاطف
معه فإن الأمر لا يعدو كونه دفاعاً عن انتشار الجنس وفتح شهية الكتّاب
لتغطية هذا الجانب، الذي ينعتوه بـ (فضاء الجسد) وتقديمه للقارئ
المتعطش أو الذي سيتقبل هذه النماذج الجنسية شيئاً فشيئاً حتى يصبح
الجنس مسموحاً بالتداول ولازمة من لوازم الأعمال الأدبية العصرية.. وفي
النهاية يجب أن نشير إلى أن هذه الرواية وما على شاكلتها قد أثارت
استفساراً مهما تمحور حول ما إذا كان مجتمعنا العربي ما يزال يحتفظ
بقيمه النبيلة، أم أن هذه القيم لم تعد إلا مبادئ بالية، وآن الأوان
للاستغناء عنها تدريجياً.
|