محمد الأصــفر

 

الاسم: محمد مفتاح الأصفر.

تاريخ الميلاد: 1960

مكان الميلاد: الخمس/ليبيا

يكتب السرديات المختلفة والقليل من الشعر..

 

بدأ الكتابة في 2-7-1999.. وكانت الانطلاقة من مدينة درنة.. نشر في عدة مطبوعات أدبية عربية وليبية مثل: أخبار الأدب المصرية والفصول الأربعة الليبية ومجلة الصدى والجيل.. عرضت له مسرحية بعنوان: شيع وطـي.

 

إصدارات:

- حجر رشيد- قصة قصيرة/ 2003

- الـمُــداسة- رواية/ 2003

- تقودني نجمة- رواية/ 2004

- نواح الريق- رواية/ 2004

- شرمولة- رواية/ 2005

 

- نشر له موقع بلد الطيوب، روايته "المداسة".. (اذهب للقراءة)

- كما نشر له ضمن مكتبة مجلة أفق مجموعته القصصية "حجر الرشيد".. وكذلك روايته "المداسة".

نصوص مختارة

تداعيات ناعسة

(قصة ليس بها قمامة(

 

هناك في البعيد أذكرها.. أذكرها كشهيق… أحسَّها كدق قلبي… تلازمني كأنا.. يحدث دائما في هذه الحياة أن يلعب الإنسان جيداً ثم يخرج من المباراة خاسراً بنتيجة ثقيلة.

أقف بين خشبتين.. أنا صغير والمرمى واسع.. والخصم يلعب ضدي بطريقة هجومية وخط ظهري ليس حليماً، طرده الحكم من أول تصد عنيف .

أقف وحيدا أتلقي القذائف وأحولها إلى ركنيات أو أعيدها إلى الملعب.. القذائف سريعة، وأنا أقفز كقرد هنا وهناك، والزمن الأصلي ما يزال والبدل الضائع أطول من برزخ مجهول وحامل الراية يتحدث مع الحكم الرابع وغير عابئ بمهمته في رصد حالات التسلل .

انتهى الشوط الأول بخسارتي بهدف من فراق، دخل مرماي سريعاً كفأر فار، سأغير مركزي وألعب قلب هجوم، علي أجترك من البعيد وألتقيك، فهدف اللقاء يحسب في قاموس العشق بهدفين.

ونحن نسير ثلاثتنا على شاطئ البحر…حفاة… أربع صبَّارات متمرسة تخز الرمل وورقتان طريتان تعتذران له… التقت نظراتنا وتهامسنا.

- كيف تعارفنا..

- وكيف التقينا..

- وكيف ولد منا هذا الطفل

- وكيف موج البحر

- موج البحر كمزاجك الخريفي يا حبيبة

- والسماء بغيومها كغموضك يا حبيبي

- موجك يرتطم بالصخر وينثر الرذاذ اليابس

- ومطرك يفك أبجدية الطين

والطفل بيننا يسير بمرح… محتارا في رفع اليد الممسكة بيمناه أم الممسكة بيسراه… نزيه.. فطري… لم يحتكم للنعومة… أحيانا قبلتنا تقتسم خديه.. فيثبت رأسه للأمام حتى نكف ..

ونسير ثم نعود ثم نسير وفي الطريق نقتسم رغيف الوجنتين ولا نمل ونجلس تحت المظلة الزرقاء نرشف قهوتنا، والطفل يلعب قربنا… يصنع جبالاً من الرمل يغرقها الموج فيصنع غيرها… يغرقها من جديد.

ويستمر في لعبة الرمل والموج… ويشاكس الموج ويبعد جباله عنه فيسقط موج السماء الغزير مفتتاً ما أبعد عن المد .

ونخاف عليه من تصاريف الرياح فنلبسه سترة وسروالاً ونتركه يدبر أمره مع الهجوميين .

نحن في المرميين تهاجمنا الكرات من مكان واحد… وطفلنا مهاجم من مكانين… لن نشير عليه… هو الذي اختار اللعب في فضاءات البين المبلل… وفي المساء نعود… نستحم.. ونجلس ثلاثتنا على الأريكة… النعاس يسدل جفني الصغير فيرحل مع الحلم مرمما جباله التي صنعها على الشاطئ وتفتتت… هو هانئ في نومه… لا يتقلب.. ذرات ساقيه مملحة مبللة… لا تقوى تيارات الهواء على حملها بعيداً عنه .

ونظرنا إلى بعض… قلت لها:

- قولي أي شي يا ضوضاء البلاغة .

قالت:

- ما أعذب أن تفتتنا المياه... وتفتتنا !

هناك في ذاك المرمى البعيد أذكرها… يقذفونها المسكينة بالكرات وهي تحولها إلى ركنيات وتعيد بعضا منها إلى مضمار الحياة.. وهم لا يكتفون ولا يخجلون… أين حبيبك؟ أين من راهنت عليه؟ أين آخر عنقود الأحباء ؟!

ويتقدمون ويدخلون مناطق الجزاء… وهى لا تترك المرمى… تدافع بشراسة بكل ثقة وتفاؤل بأنه سيعود.. مثل موج البحر الذي لم يخذل شاطئا ولو صخريا، مثل شروق شمس جائع للكسوف.. وتدافع بأظافرها ولا تترك مرماها… ولا تنسحب ولا تغضب وقاية من الطرد… وأقول… هذه هي الدنيا… نلتقي لنفترق… ونفترق لنلتقي… وأجمل اللحظات هي حياتنا بين اللقيا والفرقة فلنمط هذا الزمن القليل اللذيذ ..

كنا نحلم وما زلنا… قبل عودتنا من الشاطئ ركضنا ثلاثتنا.. الطفل يسبقنا، خطواته قصيرة، قدماه صغيرتان لكنه يسبقنا! أحلام الصغار أسرع وأخف .

سنصغر أكثر… ركض كلانا.. والطفل يحبو… ويسبقنا… حبوه قصير وسريع.. لن نصغر أكثر… كي لا ينهب الحلم.. سنكبر! والرجل يسبقنا وأخرى معه… وطفل أمامهما يوقظ جديه من نوم الأحلام الجميلة

 

للأعلى

 

جسر الرماد

 

دنوت من النافذة، فتحتها، لفحني الصهد الاستوائي، المعربد في وجه الماء، أغـلقـتها واستلقيت على السرير مستلذا بهواء التكييف البارد، قلمي بين أصابعي أدوّره، راصدا بقايا مـداد منحصر أسفـل أنبوب اليراع.. وقّاتتي الإلكترونية تقتطع بعض اهتمامي، فيما عيناي مسلطتان على أرقام الثواني المستحيلة إلى دقائق تطمر جـب المنتصف... دفعني القلق واحتساء الشراب بمفردي إلى مغادرة الغرفة، هبطت المصعد إلى آخـر درك، أمام الفندق عربات التوك توك*، استقللت واحدة إلى الباد بونغ *، ولجت المرقص، احتضنني الصخب، طفقت أرقص بجنون صحبة الهرج والمرج وموسيقى البوب، الفتيات البوذيات القصيرات يعج بهن المكان، الأنوار خافتة إلى أبعد حـد، خفت أن أتورط في ليدى بوي*، ضغطت زر الإضاءة، ما زالت الثواني تحث المسير تردم خانة المنتصف وتبدأ من جديد، أو لعلها تعود من حيث أتت ! أتجرع جرعة لا بأس بها، جرعة ملأ الفم، ماذا أفعل قـربة فمي واسعة من كثر الصياح !! لم أضيع الوقت، اتخذت وليفة مكتنزة في رشق، لا شيء ينم فيها على الذكورة، ناتئة من الخلف، ناهدة من الأمام، شعرها مسبسب طويل، شفتاها ممتلئتان، خصرها نحيل، فخذاها سيمزقان البنطلون، بشرتها ناعمة، صوتها رقيق، رائحتها ياسمين.. لم أعوّل على بصري وحدسي، جررتها إلى خارج المرقص، اشترينا علبة سجائر من بائع رصيف، وأدخلتها كشك هاتف عمومي لبرهة قصيرة، ثم قفلنا عائدين بعد أن تأكدت من نسبة الاستروجين بطريقة لمسية..! أتجرع باقي الكأس، تسكب لي آخر، أرشف منه ومن شفتيها ذات مـذاق الثوم.. أصعد ركح الرقص، أرقص بقوة، أقفز.. أنط.. أصرخ.. أجدب على طريقة الدراويش، أثناء الرقص يتلبسني جن الانطلاق، أنفث شحنات من مكبوتات أعماقي، أعيأ من الحركة، ينز عرقي مدرارا، تنشفه وليفتي بمنديل ورقي وتخرجني من ركح الرقص.. ننزوي في ركن قصي، أتجرع الكأس مجددا وفي دفعة واحدة، كأنني روسي مـحـبـط بردان، أطلب آخر وآخر.. بينما فـلـوتي تحتسي شوربة التوم يام * الحارة وتعمل عوديها في حبيبات الأرز.. يبتسم لنا بائع المكسرات الصغير، يملأ لنا صحنا من الفستق واللوز ويبيعنا عقدا من زهور الفل.. النادلة ترفع الأطباق، ووليفـتي تمسح شفتيها بمنديل وتعيد بعناية وضع أحمر الشفاه.. أشعلت سيجارتين، وامتصصنا.. وزفرنا.. وحشر كلانا سيجارته في مجرى المنفضة القريب منه، قطنتا السيجارتين خارج المنفضة، رأسا السيجارتين متلامستان داخلها، قبلة نارية تحترق..وتحترق.. التقت نظراتنا.. ابتسمنا.. ورفع كل منا سيجارته إلى فيه.. امتص.. وزفر.. امتص  وزفر.. وأعاد حشرها داخل الأخدود.. اسمها بدرية !! ليست بوذية كما ظننت، هي مسلمة من الجنوب التايلندى، اقترنت وفارقت بعد أن أنجبت طفلتين بعملية قيصرية.. رأسها متوسد صدري، ذراعها الأيسر يطوق عنقي، والأيمن أنامله تجوس في مناطقي السفلية، يميني حول خصرها، يساري أرفع بها بين حين وحين كأس الرشف... النشوة ستفجر دواخلي.. انتفضت فتزحزحت بدرية من الكرسي وأبعدت يمينها عن المكان بسرعة.. ابتسمنا.. وصدري يعلو ويهبط، وجمرتا السيجارتين تراجعتا، كلتاهما تقبعت بالرماد، رفعنا السيجارتين، وامتصصنا برهة قصيرة، فتوهجت الجمرتان مجددا والقطنتان فقدتا بعضا من بياضهما الناصع.. أعدنا السيجارتين إلى المجريين، الجمرتان متماستان، تفترسان بعضهما بنهم، مخلفتان هبو فضي مبقع بذريرات سوداء.. عاد رأسها إلى مرفئه وأذرعنا إلى مراعي حواسها، أمسكت خصلة من شعرها، لففتها حول أذني كحبل ميناء، عببت كأسا، وغيرت الوضع.. بوضع رأسي على وسادة صدرها الوثيرة.. ابتسمت لي وأمسكت بشعرة مني هامسة : حبالك قصيرة.. أين سأربطك يا وليفي ؟.. قد تجرفك مني الأمواج العاتية وقد تذروك الرياح العاصفة.. لم أجبها.. كنت منشغلا بسحب الدخان المنساقة إلى السقف حيث مروحة الطرد، كنت منشغلا بدقات قلبها الصاخبة.. -آه.. أجب.. ومسحت براحتها على صدري ووجهي وشعري.. وسادة حيّة ناعمة وعبق عطر بددا انشغالي وأجبراني على الكلام !! حكيت وحكت.. صارت كرة الخيبة بيننا لا تستقر، صدى موشوم يرفض التبدد أو الرحيل، كتلة هم وغم وضيق هائمة في الفضاء.. تقاسمتنا أوجاع الأمس وأحزان اليوم.. تعانقنا هنيهة وانـفـلت عويلنا الأسير.. فلفتنا النظر.. كانت موسيقى البوب الصاخبة قد توقفت واستبدلت بمعزوفة كلاسيكية هادئة، أوقفتنا نرقص متعانقين.. ظلت بدرية تهرش خدها المبلل على خشونة لحيتي الكثة فيما استسلمت أنا للذة ذاك الهرش الحميم !!.. انتهت وصلة الموسيقى وأكرمتنا بتجديد وانتهى التجديد.. وعدنا إلى طاولتنا بعد أن فض الإيقاع الصاخب لذّة الالتصاق.. تهالكنا فارغين خفيفين..كل منا يحملق في سيجارته المحشورة في الأخدود.. الجمرتان تحتضران على عتبتي القطنتين، الهواء بريء، القطنتان مائلتان إلى تحت، الجاذبية بريئة، بين الجمرتين جسر على هيئة أنبوب رماد.. وقفنا مشدوهين حذرين متجنبين لمس الطاولة، جسر الرماد مشيد من قبلة قد تقوضه أي هبّـة ولو كانت يسيرة.. خرجنا من المرقص متأبطين، نسيم الفجر عليل، ورذاذ مطر خفيف ينعش وجهينا المبللين.. والتوك توك ينهب لسان الإسفلت، ينعطف بشدة فنرتمي عكس الإتجاه ضاحكين.. السائق مرح يلتفت نحونا قائلا : مساج.. مساج.. تشيب.. تشيب.. تجيبه سبابتانا الرافضتان، وراحتا كل منا المتلاقيتان فوق الكتف وتحت الخد علامة للنوم !.. يصعد التوك توك جسرا ويهبط إلى منفذ فرعي يفضي إلى طريق غير ممهدة بمحاذاة مجرى تصريف، أعتقد أنه يختصر الطريق لتوفير رشفات من الوقود.. ينعطف بشدة، نرتمي عكس الاتجاه.. أيضا ضاحكين !! ويعيد المراودة كــّرة أخرى..

- مساج.. مساج.. قود مساج قود ليدى.. فيرى تشيب.. شو.. شو !!

- نو.. نو.. هوتيل.. إن ذا روم مساج توقـذر..!!

ويقهقه البوذي معيدا مطوية المساج الدعائية إلى جيب الباب.. يفاجئه قطيع كلاب يقطع الطريق، يتحاشاه صادما مصطبة الرصيف.. صرخت بدرية وضحكت أنا بينما لعن السائق الكلاب وأدار المقود إلى المسار القويم..! في الغرفة خلعت القميص، عـلـقـته على المشجب، وأعددت الشاي الليبي الثقيل، وعاء الشاي يفور، اصطكاك غطائه على محيط فتحته أسمعه بوضوح، بعض البخار يشق طريقه إلى فضاء الغرفة عن طريق خرطوم الصب، أتتبعه وهو يخالط هواء التكييف البارد.. بدرية منهمكة في إصلاح زينتها التي أفسدها البكاء وطول الهرش، صببت كأسين شاي، قدمت لها واحدا.. شكرتني بهزة رأس واستمرت في رسم وتظليل عينيها المشرقتين !! أنفخ كأسي راشفا مختلسا النظر إلى جسدها المكتنز وهي تجلس أمام المرآة.. شعرت بحملقاتي فأنهت زينتها والتفتت ناحيتي في فرح.. اقتربت وهي تنزع عنها بلوزتها، ولاح مشد صدرها شفافا كأنه لم يكن، يظهر بوضوح نفور حلمتيها البنيتين.. آه.. آه.. نهيد داخل نهد.. سيجارتان مطمورتا الجمرتان لفم واحد.. ماما لماذا فطمتيني قبل الأوان حرام عليك؟؟!!.. دار رأسي بلذة، نكسته قليلا.. أثر لجرح طولي هابط من تحت سرتها ليغيب تحت حزام البنطلون.. حملقت في جسدي بفضول.. وسألتني بهدوء..

- محمد ما هذا الكي المنتشر في بطنك وصدرك وجنبيك ؟؟!!

- لاشيء.. لا شيء.. طب عـرب.. طب عـرب.فقط..!!

- حمودى.. كيف طب عرب لم أفهم..!!

- حدث ذلك وأنا صغير.. أخبرتني أمي عن خالتي عن جدتي أنه لولاه لـمـت..!! بدرية لولا هذا الكي لما كنت معك الآن..!.... وتهارش الكي بالجرح والخدان باللحية الكثة، وأطلقنا العنان لكل النتوءات لتختبئ من أوجاع الأمس وأحزان الآن، وتعبر جسر الرمــــــاد الذي تـكـلـس !!

 

 

 

هوامش :

• التوك توك : دراجة نارية ملحق بها عربة لنقل الركاب.

• الباد بونغ : شارع مكتظ بالمراقص ودور اللهو.

• ليدي بوي : تعني شاب مخنث.

• الاستروجين : هرمون الأنوثة.

• التوم يام : أكلة تايلندية شهيرة.

• المساج : نادي للتدليك واللهو.

 

للأعلى


القائمة