غــازي القــبلاوي

 

الاسم : غازي عيسى القبلاوي

تاريخ الميلاد : 29-11-1975

مكان الميلاد : طرابلس/ليبيا

مجالات الكتابة : القصة القصيرة

تعريف قصير : بكالوريوس طب بشري، جامعة الفاتح/99، بداية الكتابة 1994. نشر نتاجه في الصحف المحلية والعربية.. هذا بالإضافة إلى ممارسته الترجمة عن الإنجليزية حيث قدم مجموعة من الترجمات لمجموعة من القصص والقصائد نشرت من خلال مجلة الفصول الأربعة، السؤال، الجماهيرية.

 

إصدارات:

-  (إلى متى ..؟) مجموعة قصصية.

نصوص مختارة

بــلا رأس

 

ما جعلني ابدي استغرابي هذا الصباح لم يكن الظلام الذي عمّ المكان.. ولم يكن فقدي لحاستي السمع والشم.. ولكن الذي استغربته إنني حين زحفت حتى وصلت أمام ما اعتقدت أنه المرآة وضغطت زر الإضاءة، لم أرى نفسي لم يكن هناك سوى الخواء،أمر محير!!.. سرت إلى باب المنزل لأخرج في صباح ولد ميتاً..بارد وكئيب..عتمة اليوم التي ألقت سدولها علىّ أعمتني..حاولت تحسس عيني ولكن لم يقابلني سوى الفراغ،عنق مستدق ومن بعده اللاشيء..متى أضعت رأسي؟!!. وما يثير استغرابي الحقيقي أنني وجدت نفسي أسير في الطريق دون أن أتعثر أو اصطدم بأي عائق ..ولكن متى وأين فقدت رأسي؟؟!!، إنني أشعر بالجوع دون فم ..أشعر برغبة بالثرثرة وسماع النكات البذيئة والبريئة.. ولكن كيف ومتى وأين فقدت رأسي…؟؟!!!

    فجأة تعثرت بشيء وكدت أسقط ..ما هذا الذي تعثرت به رحت أتحسسه..يبدو أنه رأس..من الذي استغنى عن رأسه؟..لا يهم طالما أن له عينين وأذنين وفم وأنف وهو كل ما أريد..لم أضعْ الوقت، ثبتّه فوق عنقي المستدق..انفجر النور في عينيّ وعدت مبصراً..عادت إلىّ حواسي..أخرجت لساني لألعق شفتيّ وأصوات ضجيج العالم المجنون تصل إلى داخل رأسي الجديد، قد تبدو الأشكال غريبة بعض الشيء ولكن لا يهمْ .. ما يهمني الآن أنني أملك رأساً..تابعت جولتي الصباحية لأكتشف أناس بلا رؤوس يتجولون هنا وهناك..أطفال نساء وشبان ، سائقي السيارات كلهم بلا رؤوس..ما هذا الجنون لا بد إنني اهلوس وربما كانت العلة في الرأس التي أضع..أسرعت الخطى عائداً لمنزلي..قرعت الجرس بعنف..فتحت لي زوجتي وكانت بلا رأس..أصابني الذعر..اندفعت إلى غرفتي..أغلقت الباب،أشعلت الضوء..لا بد من اكتشاف الحقيقة.. وقفت أمام المرآة ولم يكن هناك ما يدعو للاستغراب ففي المرآة وقفت صورتي وفوق عنقي رأسي الجديد..قد تبدو أذنايّ طويلتين بعض الشيء ولكن هذا ليس بالمهم فهي تفي بالغرض..رميت بجسدي على السرير واستغرقت في النوم لوقت لا أحصيه..استفقت على يد تهزني..كانت هناك تقف،زوجتي بلا رأس ..غرقت تحت الأغطية ولكنها أصرت على إيقاظي.. حاولت الصراخ وقلت ما يشابه " اغربي عن رأسي"..ولكن ما خرج من حلقي لم يكن سوى محض نهيق حاد عنيف..      ودعوت الله أن يحفظ رأسي وجميع الرؤوس..

 

21-1-2001

للأعلى

 

إلى متى.. ؟

 

لبكاء .. البكاء .. البكاء يملاء المكان ..يتردد داخل تلك الغرفة المظلمة المهترئة الجدران .. بكاؤها الحزين يأتي من ذلك الركن بجانب النافذة المكتسية بدبق سميك جعلت نور الشمس يدخل خافتاً ، باهتاً .. جو ينذر بالمطر..جالسة هناك كانت على ذاك الكرسي في انكفئتها الباكية دون أن تتعب.. تعزف نشيج يمزق القلب..بكاؤها ذاك ملاء الأرجاء وانعكس على جدران الغرفة الخالية المظلمة..بدت كالشبح في ملابسها الرمادية وهي تغطي وجهها بكفيها مستمرة في ذرف الدموع ..ملاء بكاؤها سمعي وطغى على عقلي ..راح يتردد..يتردد بعنف..ثم..

ذلك المشهد كان ولا يزال يتكرر في استمرارية لا نهائية منذ وقت طويل.. أقوم من النوم ولا يزال جزءٌ مني في النوم والأخر في اليقظة ويظل صدى البكاء يغمرني وعبق الغبار في تلك الغرفة يملاء أنفي ..يجعلني أشعر بالضيق وطبقة من العرق الثقيل على جبيني تلتصق بي.. تجعلني أشعر بالوهن والاشمئزاز ...

   كان المنظر لا يزال في عينيّ ..أراه في غرفتي المظلمة إلا من نور خافت يأتي من شرخ في النافذة أحال اللون إلى رمادية مظلمة مقبضة..بدا أنني لا أزال نائماً ، لم أكن أفرق بين لحظات اليقظة والمنام كنت كمن يأخذه النعاس؛جزء منه هنا والأخر ليس هنا...ثم أستفيق وتراني انتظر أن يكتمل مشهدٌ أخر من تلك المشاهد الني تطلع علىّ كل ليلة بعد معاناة شديدة في طلب النوم.. عندما استفقت أول مرة تساءلت عن ماهيته ..وماهيتها ،ثم نسيت. وعندما تكرر للمرة الثانية استغربت.. لكن الأمر لم يتوقف وأصبح يأتي كل ليلة ..إلى أن وصلت إلى درجة لم أعد أفرق بين إيقاظي ومناماتي ، بين الحقيقة والخيال ، وبقىّ سؤال واحد تمنيت بصدق أن أجد الإجابة عليه دونٌ عن بقية الأسئلة وهو ..إلى متى؟؟.

    بسطت كفيّ على وجهي محاولاً أن أستفيق كلية لأعود إلى الواقع ..جلست على السرير وغلالة من الضباب الرمادي تلفني من الداخل والخارج و صدى إلى متى؟ يتردد في كل الانحاء.فركت وجهي وعزمت على النسيان والاستيقاظ نهائياً ..مددت يدي لزر بجانبي لأضفي النور على المكان لأرى معالم الأشياء التي لا تتغير أبداً ..جلست على حافة السرير وقد بداء الضباب بالاندحار أمام الضياء.

    وقفت مترنحاُ ..سانداً نفسي على الجدار ..فرقعت مفاصلي ومشيت إلى أن وصلت إلى المرآة ونظرت إلى شخص طالما حاولت أن أعرفه وبدا لي على الدوام غريبا عني...

                                              ***   ***    ***

 - سيكون الغد جميلاً ..!!

    برقة خرجت تلك الكلمات من ثغرها الباسم .

 - هل سيكون ؟؟.

      أجبت بلا اكتراث.

 - بالتأكيد مادمنا سوياً سيكون ويكون أجمل وأجمل!!.أليس كذلك..

 - لا أدري ..هل سيأتي الغد الآتي أم...

 - لا تكمل بالتأكيد سيأتي..

     ترجمت عيناها الكلمات بأبلغ مما يقال باللسان. 

     نظرت إليها ورأيت رقة روحها ، غضة كالياسمين ..لا تحتمل اللمس أو الصدمات ...أنا اللاإنسان ..أنا شبه الشيء، الجالس أمام كل شئ..

    علت ضحكاتها وملاءت مسامعي..أمتدت ألسنة البخار المتصاعد من فنجان القهوة حاجباً معالم وجهها مفرقاً بيني وبينها ..وازداد الشرخ تصدعاً..وبدا أن الصورة ستتحطم .

                                            ***    ***     ***

     تحطمت المرآة ..حطمتها أم حطمها ذلك الذي كان بها ..وتناثرت قطعاً على الأرض وفوق المنضدة.

     غطيت وجهي بكفيّ لأستفيق من حلم اليقظة..كابوس اليقظة..جلست على الأرض متهالكاً مستنداً على نفسي المستندة علىّ .كسيحٌ يحمل كسيح..

    خرج ذلك السائل من مقلتيّ دون أن اُعلِمه بأن يخرج ..خرج ليفضحني ..مسحته بأطراف أكمامي. وقفت متثاقلاً . توجهت خارجاً من الحجرة إلى الحمام ..وقفت إمام حوض الماء في الظلام..اشعلت الضوء ..وأمامي وجدته يقف من جديد ، ذلك الغريب أم أنا الغريب..بدا وجهي متغضناً وشعري متهدلاً وغزا الشيب معظمه وتساءلت عن عمري يا ترى كم مضى منه وماذا حلّ بتلك السنون التي داس عليها الزمان بعنف فحطمها ولم يبقِ منها سوى رماداً علا شعري..انطفاء النور الذي كان في عينيّ وغاب الفرح من على شفتيّ ولم يبقَ مني إلا هذا الذي أجهله وأنكره واتبراء منه ولا مهرب..

     فتحت صنبور الماء  وانساب خيط قوي منه إلى الحوض..إلى البالوعة التي فتحت فاهها لتبتلعه دون أن تتعب من الشرب ..بدت وكأنها تكبر وتكبر وشعرت أنني أغرق فيها ..غمرتني ظلمتها ..مددت يدي لأغلق فمها وأمنعها من بلعي أنا أيضاً ..ورجعت لمكاني وبداء السائل يتجمع في الحوض ..رويداً على مهلٍ يرتفع ..وضعت رأسي تحت الماء المنساب علي بذلك اطرد النوم وأغسل ما علق بي من أشياء لا أعلم كيف وصلت وتشبثت بي.

      فركت شعري بهدؤ..ثم بقوة وقوة ..خدشت فروته دون أن أشعر بالألم ..حتى تعبت ووجدتني أعبّ الماء المتجمع في الحوض.

   توقفت وأنا ألهث تعباً..أغلقت الصنبور .. انزلقت قطرات الماء من وجهي والخصلات متساقطة في الحوض كالمطر الخفيف...

                                              ***   ***    ***

     ينهمر المطر خفيفاً رقيقاً على المكان.. وهي بجانبي نجلس على هذا الكرسي ..تنظر إلى المدى وإلى الأعلى ، ثم تلقى النظر إلىّ بعينين دفيئتين، تنتظر مني أن أقول شيئاً، وأنا لا أقول..

  - تكلم أرجوك ..لا تبق صامتاً هكذا..

 - ماذا تريدينني أن أقول ..

 - لا شئ فقط اجعلني استمع لصوتك الذي يسحرني :

" صوتك يهمي عليّ

  دفيئاً ..مليئاً .. قوىّ

   كصوت نبيّ.

   كصوت ارتطام النجوم

  كصوت سقوط الحليّ " *

  - كفى ..أنت تحبين هذا الشاعر الذي لا يروق للكثيرين .

 - أنا لا أحبه ولكن لديه أبيات رائعة أحبها لمعانيها الفريدة .

 - حسناً يكفي ذلك ..أرجوك ليست لديّ الرغبة في الحديث ،اتركيني في صمتي..

 - ماذا جرى لك .هل أنت محموم ؟؟..

 - لست كذلك ...اتركيني ...

     صرخت بصوت عالٍ ..أرعدت السماء وتحول المطر الخفيف من حولنا إلى عاصفة مفاجأة واشتدت الريح وتشرخت الصورة أمامي أو ما تبقى منها وانتثرت متحطمة إلى قطع دقيقة حملها الريح معه ..وألفيتني وحيداً أجلس، يبللني المطر..

                                              ***   ***   ***

       تساقطت القطرات منسابة من خصلات الشعر على وجهي بهدوء في الحوض صانعةً تموجات ..تتكبر..لتنتهي.

    انعكست صورتي على صفحة الماء ووجدتني أبدو أكثر غرابة عن نفسي.. بدت عيناي جاحظة واسناني مدببة وشعري...كنت مقرفاً .

    "كلا هذا ليس أنا " صرخت بهستيرية ..مددت يدي لأجعل الماء ينساب في البالوعة وراحت صورتي معه تتميع وتدور في دوامة كبيرة لتغرق في ذلك الذي فغر فاهه الأسود الكئيب ليبتلعني ..رحت أغوص في الماء لا أجد مخرجاً ..غارقاً في الظلام السرمدي اللانهائي.. 

 

12/12/1996

 

 

 

مقطع من قصيدة (شؤون صغيرة) للشاعر الكبير (نزار قباني)..ديوان حبيبتي 1961

للأعلى


القائمة