|
بقع ظامئة في حضني
1- هفيف النبض
انصهرت شمعة النور في بوتقة العتم.. في زمن تبلد فيه الاستغراب
وتطايرت فيه سموم خداعة تكتم أنفاس الاندفاق.
ترى كيف تعبر سائر المخلوقات عن ألمها؟!
أ بدموع؟.. أ بصراخ ؟!
أود استغراق مشاعر العصافير مثلاً!
لنفترض أنها قلقة.. حائرة!
هل ستجري أمورها على سجيتها؟!
أشعر أن دموعها مزيجا من أملاح السمفونيات الصاخبة.
أجوب غابات جعبتي.. أتفقد ثمار أفكاري.. أجدها عششت بحضن مزهر..
شمسه خصبة.. ربيعه أزلي ينهك أفواه الديدان.
- أين نحن ؟! ما الذي حدث ؟
كأننا لتونا التقينا.. افترقنا.. التقينا.. افترقنا..
كأننا بندول مشنوق في شروق وغروب أبدي..
هناك ثمة إرادة تبعثر كل حبوب القوى فوق أنوف الجبال القاحلة..
هل ستشمنا الجبال الزاعمة أنها لن تركع ؟!
وجدنا أنفسنا دون أن ندري منجذبين لأنين ناي.
أنين كرماد الأفئدة.
عفوية الوطأة تمحق عبثية الأحلام.
لا نملك سوى التفاعل مع ذاك النواح.. كما لو كنا أفاعي مسالمة..
ماذا لو وجهنا الناي صوب خرم غبائنا في طبقة الأوزون ؟
ما نقول وتقول العصافير بهذا الخصوص ؟
نعرف أننا نحيا على بركان مثقوب.
مزاجه مبهم.
كي يحيي أعلاما لا تهف ولا ترفرف !
2- هذه جديلتي
مهداة إلى الروائي التركي/ أرهان باموك
أزمان حبرها ملوث.. زرقتها ليست من البحر ولا السماء.. قلبك ورق
شفاف.. أخافه.. أفزعه.. لا..!
يا لذاذة التنقيب عن هدف لا مرئي.. يبلغني بؤرة اللا وصول!..
الانسياب لا التسيب مصعوق بالركاكة لا محال!..
ما عساني فاعلة؟ في عوالم يزدانها الجنون.. لا.. لا أحتمل تلويث
الشفافية.. حبيبي.. أدمي نقي؟!
تبغ سيجارتي فتته.. قلبي دبغته.. مشطتي أدردتها.. وأعدت لفّه
بورق قلبك الشفاف.. ثم أشعلت رؤوسنا.
أهمّ بتحويل أطرافي إلى مكوك.. زر الخيال ضغطته ، وإذ بي أتنصّف
سديم كثيف.. يلفظ اقترابات الوجود.. غادرت المكوك.. امتطيت سحابا
أعشى.. فاردة ذراعي أثقب الكُوى العمياء.. عجيب.. متجلدة لديهم
تخوم الاستفهام!
من مأتم الغيمات أخرج.. مطيتي شوكة رنانة.. أوصالها تهتز مدماعة..
سحابتي تركض والكوى تتسع.. ينبثق عنها لحن الأزل الغوير.. معزوفة
ناي تستمكث صدى الرهان وتشدّ مقامرة تجاوزت براثن الورق!..
الملتهبة.. تفرك عينها المرمدّة.. تغمرني بحذق مريب.
- أنت غارقة في زمن بين البين.
لكني في زمن لذيذ دافئ.. تماما. كمُسَيفة محصورة بين قبلة وشيكة.
همزت سحابتي بمهماز الخلاص.. هامة باستطلاع طلاسم الانفلات.
الأجفان مدهوشة تتساقط.. أطياف سراب تسبح في حلة أوهام.
سموت.. لا آبهة بالآتي !
حصيلة التفكر تهبط بخمائل الأفق.. تحفز جذوة برق للانبثاق.. يروق
لها تكديس الأنجم.
حلقة البحث ما أخضعتها المعايير.. المقاييس معطوبة.. أنهكتها
الطواعين.
وصلنا منطقة الوئام.. كلانا يدعك رواسب الكلس بيد من جص السلوى..
أمور ليست هينة في بادئها !
التففنا منجذبين لفوطة الأثير.. تعطرنا لفحات ونفحات النسيم.
- ما تفعلين أيتها المتجننة ؟!
قددت له من مطيتي قميصا ومن غيمة هارعة بزة وسروالا.
بقيت ربطة عنق !
خذ إليك جديلتي..
- ابتسامتك المضحوحكة.. علّة في اندفاع سيل.. !
بالنجم القطبي توجني. تلهفت متيقنة مروق موكب.. ومن الشفق اقتطفت
له وُرَيدَة حمراء!.. وبينما أغرسها بجيب بزته الفاحمة تسمر
الشغف حذاء الصواب.. وأينعت ثمار مستفهمة من تربة التفكر ناثرة
رذاذ أريجها الفواح!.. الأحمر لا يفارقنا..!
أحمر هنا متوهج.. يعانق باقات الألوان.. يعيش رومانتكية حالمة
على ضفاف الأشواق.
ترى ماذا عن.. أحـ.. مرنا.. ؟!
نميمة.. مواريث.. تفحّم.. محابر أخطبوطيات.. حتى الرخويات أغواها
الجليد.. أيعقل أنها مناجم الرماد ؟!.. ّحبّات مطر مدعوة للحفل..
نجوم راقصات على طبول الرعد وأنغام تعزفها العاتيات.. الملتهبة
تجفف.. حضرت متأخرة.. سريعا عادت لتبلغ أرخبيلها برائحة القرفة..
من الشهود هي أذن.. والسيد قمر صافحني برسالة نيزكية.
- أول عروس ستكونين على سطحي يا سيدتي.
كسوف وجل اعتراني.. فسطحه عذري.. لا سديم غليونات لا احتقان..
ضممت جراحي صارخة.. كلا لا أحتمل تلويثك أنت الأخر !
تركت كل شئ وتأوهت بحرقة. فالعقب الرابع أحاطت.. جمرته بأنسجة
السبابة والإبهام.
3- فصد
في زمن عتيق.. على ضواحي الشقاء.. شمالي مقاطعة الارتياح حيث
احتقنت أثداء البهجة.. اللبن دمّعته الأثداء.. أثداء زيت مشكاتها
لبن.. فم الثدى ضئيل.. ضئيل.. كيانه مدهش صغير.. أفواه ممتصة..
كبيرة.. كبيرة.. مستثنى منها أفواه دون أسنان.. سباباتهن..
إبهاماتهن.. ضغاطة على الحلمات. تجس هطول غيث سخّاء على وجه
الضيف البكّاء.. بعد غيوم عجاف.. وجه متغضن.. منفرد.. فاغر فاه..
غائص في الرجاء المطمئن. متجشئ... بعمق نوّام.. تنزوي هنالك
تداعب يسراها خصلات سبيبها المسترخي بين نهديها.. سائحة بسهول
التفكر.. تؤرجح مفتاحها المستطيل بحلقات السبابة والإبهام.. تطرق
بالوسطى.. حجرة خصوبتها صارخة.. تهم بتشريع قفص صدرها.. تطلق
صافرة الإنعاش.
تستنجد بزفير النباتات !
تفضل بالولوج.
تفتح علبة حمراء.. تغلقها.. تقذف بها.. تلتقفها.. تخرج منها
سيجارتين.. تتأملهما.. بعنف تلتقط قداحتها البرونزية المرصعة..
تلهبهما.. تلصقهما.. تتلذذ بالنكال.. يخلو بها على أسمال
الفائت..
كلما قدح برأسه كأس الهروب انتابها عبث الضجيج.
- يغالبني النعاس.
- أحضر لها ثديا زجاجيا.
الإقليد يبتسم فتغرد العصافير.. الرئتان تفيضان والصخرة يلظيها
اليباس فتتفتت..
في قرية من قرى الزمن الطازج في ضواحي بحيرات اليناعة في رحابة
مقاطعة الانطلاق..
جفت الأفواه.. تشققت الحلمات مرشرشة نزيزها على ارتواء خمّره
حليب النفوس في الأثداء..
أمي أين.. ؟
حبيبي أين.. ؟!
أين !؟
أين ؟! |