“نوتردام النيل” رواية التراث الأفريقي دون تقديس

MEO

تسرد الروائية الرواندية سكولاستيك موكاسونجا في روايتها “نوتردام النيل” بلغة شعرية صافية وشفافة تفاصيل الحياة في رواندا دون أن تفقدها طزاجتها، تسردها معجونة بتراث راسخ من العادات والتقاليد والأساطير، تسرد وحشية القهر والقمع.

رواية نوتردام النيل.
رواية نوتردام النيل.

موكاسونجا التي يقدمها المترجم لطفي السيد منصور للمرة الأولى في العربية، تنتمي إلى قبيلة التوستي التي تعرضت في أوائل التسعينيات لعملية تطهير عرقي من قبل قبيلة الهوتو، حيث قتل أكثر من مليون شخص في مائة يوم، من بينهم سبعة وعشرين من عائلتها كانوا قد ذبحوا في مقدمتهم أمها. 
ولدت موكاسونجا عام 1956 في رواندا، وفي عام 1960 انتقلت عائلتها إلى منطقة غير آمنة من رواندا، نياماتا في بوجيسيرا. وفي عام 1973، طردت من المدرسة وتم نفيها إلى بوروندي، وقد استقرت في فرنسا عام 1992 أي قبل عامين من عام التطهير العرقي للتوتسي من قبل الهوتو. وبعد ذلك باثني عشر عاما دخلت إلى عالم الكتابة بعملها الذي نشر في جاليمار كباقي أعمالها في سلسلة (continents noirs) “النيانزي أو الصراصير” الذي كان بمثابة سيرة ذاتية. 

وفي عام 2008 نشرت “امرأة عارية القدمين” ويعتبر هذا الكتاب تكريما لأمها ولكل الأمهات الشجاعات. وحصلت بها على جائزة (seligman) وهي جائزة ضد التمييز العنصري. ثم مجموعة “البطن النهم” (L’Iguifou) وهي مجموعة قصص رواندية تؤكد شعرية حقيقية: فمع كل صفحة ينفتح أفق من الألوان، الزهور، الأشجار، من العصافير، من الأحاسيس اللمسية؛ باختصار، مقتطفات من الجمال تقف أمام قسوة الإنسان لتحدث التوازن في هذا العالم بين الجمال والقبح وبين الإنسانية واللإنسانية.
يشير منصور في مقدمته للرواية الصادرة أخيرا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سلسلة الجوائز إلى أنها صدرت في عام 2012 لتتوج في نفس العام بجائزة أمادو كوروما وهي جائزة أدبية يمنحها المعرض الدولي للكتب والصحافة في جنيف باسم الكاتب الإيفواري أمادو كوروما وجائزة الروندو المرموقة. وينقل عن موكاسونجا قولها عن الرواية “كنت قد كتبت هذه الرواية؛ حتى لا أنسى. كنت أقول لنفسي ماذا لو استيقظت ذات صباح ووجدتني عاجزة عن حكي هذا التاريخ، سيكون كل هؤلاء الناس قد ماتوا بالفعل”. 

ويضيف معقبا “لكنها ماذا سجلت من هذا التاريخ وهذه القصة وهي التي طردت من المدرسة لأنها توتسي، والتي ماتت أمها ضمن قرابة الثلاثين من أهلها؟ هل كتبت مشاهد القتل والذبح لتغلف قلبها بالكراهية ولتغرقنا في هذه البحار الدموية التي مات فيها ما يقرب من مليون في مائة يوم؟ لا لم تفعل ذلك؛ لأن ذلك لن ينتج أدبا ولا حتى تأريخا. فالأدب لا ينتجه الدم ولا الكراهية والتأريخ ليس ابن الذاتية أحادية النظرة حتى وإن كانت من وجهة نظر المظلوم/المقتول/ المضطهد. لقد حاولت موكاسونجا ـ كما قالت ـ خشية أن تنسى الكارثة التي حلت برواندا وبعرقها وعائلتها أن تدونها، كما أظن أنها حاولت التطهر ـ مما تطهر وهي المقتولة لا القاتلة؟ ـ من الكراهية؛ الكراهية التي ستكون أشد فتكًا من الهوتو.

تدور أحداث الرواية في وحول ليسيه “نوتردام النيل” التي تطل على البحيرة والمنبع المفترض للنهر وتطفو فوق قمة صخرية ارتفاعها 2500 متر “أقرب ما نكون من السماء” كما تحب أن تذكر الأم الرئيسة. وهذه المدرسة الداخلية الكاثوليكية للبنات تشكل النخبة النسوية الجديدة لرواندا. ففيها نجد فخر ذرية الدبلوماسيين، والشخصيات الشهيرة والعسكريين من ذوي النفوذ وحيث الغالب الأعم منهم من الهوتو، بعضهم توتسي، قليلون للغاية أو حصة ضئيلة. وبالفعل تم تنفيذ نظام الكوتة وعلى نحو صارم بداية من سنوات السبعينيات، فنجد 90% من تلاميذها من الهوتو أو الغالبية العظمى للشعب و10 % فقط للتوتسي. 

ويلفت منصور إلى أن موكاسونجا عبر هذا السياق قدمت كتابة وصفية على نحو دقيق، شعرية ولاذعة في آن، تستنطق موكاسونجا من خلال عالم الليسيه توترات بلد في حالة معاناة. كما أنها تبنت السرد العليم حتى تتمكن من تناول جميع أدوار الموجودين في الليسيه سواء بنات أو مدرسين أو القس أو الأم الرئيسة.. وكذلك من هم على علاقة بكل هؤلاء الأشخاص لتشكل في النهاية أنطولوجيا للذاكرة. فالرواية على الرغم من حجمها الصغير إلى حدٍ ما، إلا إنها ترسم بمهارة فائقة وبلغة مشفاة غير مترهلة لوحة جدارية ضخمة لعدد كبير من الشخصيات والعادات والتقاليد والأساطير وجغرافيا المكان بتلالها وجبالها وأشجارها وحتى لمواسم المطر فيها.

ويرى منصور إن رواية “نوتردام النيل” تحكي التفاهات التي تشكل الدراما اليومية لهؤلاء المراهقات: منافسات البنات، اختيار أفضل كريم “مبيض”، ركوب دراجة بخارية مع صبي، أينبغي أم لا ينبغي السماح له بمداعبة نهديها؟ لقد قامت الكاتبة بتعرية كل المجتمع: الأم الرئيسة بكل صرامتها أو فلنقل قسوتها تغض الطرف عن  ذلك السفير الذي يأتي ليضاجع خطيبته في الليسيه وتحمل منه. والأب هيرمي نيجيلد القس المقيم الذي يستغل سلطته ليقيم علاقات مع البنات. والمدرسون سواء الفرنسيون أو البلجيك الذين يغضون الطرف عن أي شيء ـ حتى لو كان قتلًا أو إبادة ـ لتظل العلاقات السياسية على ما يرام. فساد السلطة العسكرية التي تفيد بناتها سواء بمراكز آبائهم أو بسيارت الجيش وإمكاناته. الرئيس الدكتاتور الذي يجب أن تعلق صورته حتى في أحقر دكان. 

ويوضح أن الرواية أيضا تناولت التراث الرواندي أو فلنقل الأفريقي دون تقديسه، فتقف عنده في حالة من النوستالجيا ودون سخرية منه لصالح الحداثة. فنجدها تضفر أسطورة إيزيس والملكات كانداس وأصول التوتسي وصانعة المطر والسحرة أو المشعوذين والأساطير حول أرواح الموتي بلغة فنية رائعة وشعرية فائقة عبر مشهدية دقيقة تجعلنا نرى، نحس، نشم، نمسك، نعايش هذه الحكاية/ التاريخ التي صارت بمثابة أسطورة تمجد الإنسان والإنسانية.
ويضيف “الحياة في هذه المدرسة الداخلية صارمة لأن هذه المدرسة هي حاضنة تفريخ النخبة النسوية الرواندية، كما أنها تمنح فرصة الحصول على زيجة رائعة “إنهن ليسوا مجرد زوجات صالحات، أمهات صالحات بل أيضًا مواطنات ومسيحيات صالحات، ولا تكون الأولى دون الأخرى”. نعم المدرسة صارمة لكن بنات المدرسة كما قلنا هن بنات كبار رجال الجيش ورجال الأعمال والنافذين في الدولة لذا نجدهن يصنعن قانونهن الخاص: واحدة تُدخل إلى المدرسة خطيبها بل، وتحمل منه، وأخرى تجعل من نفسها زعيمة فتشكل مجموعة من الشباب “الشبيبة” للقضاء على التوتسي خاصة البنات الموجودات في المدرسة؛ بينما الأم الرئيسة عاجزة، المدرسون عاجزون، حتى نوتردام النيل “مادونا رواندا” عاجزة لدرجة أن انكسر أنف التمثال وتهمشمت بعض أجزائه بل وسلطة الله نفسها عاجزة، بل غابت عن رواندا التي صارت مملكة الموت لا مملكة الرب: 
“لم أعد أريد البقاء في هذا البلد. رواندا، إنها بلد الموت. أتذكرين ما كنا نقوله عن التعاليم المسيحية: طوال اليوم، يجوب الله العالم، كل مساء، يعود إلى بلده، يعود إلى منزله في رواندا. حسنًا، فيما كان الله يتجول، استولى الموت على مكانه، عندما عاد، صفق الباب في أنفه. أقام الموت مملكته فوق بلدنا رواندا المسكين. لديه مشروعه: قرر أن ينجزه حتى النهاية. سوف أعود عندما تعاود شمس الحياة شروقها من جديد على رواندانا”.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى