مقطع من رواية حرب الغزالة

كهف الوحوش

عن بوابة الوسط

 

في طريق متعرج بين الصخور الشاهقة التي تشرئب برؤوسها إلى الأعلى، اصطحب ميهلا الفتاة هيريديس، وهو مطرق دون أن ينبس بشيء تاركاً للرؤوس الصخرية أن تتحدث عن عدالة السماء بعد أن ابتلعت الأرض أبناءها الصالحين وتركت الأشرار يعربدون فوق أديمها.

ليس المكان بعيداً عن سقيفة وان أميل لكنه يتوارى خلف متاهة مفتوحة، ينحدر منها واد تقطعه جداول صغيرة صافية كدموع لم تمتد إليها يد لتكففها، شعرت هيريديس بالرهبة أمام ذلك الحزن المهيب الذي يريق دموعه دون أن يقول شيئاً. فاستحت من شكواها التي بدت لها تافهة أمام هذا الاحتشاد الكوني. انحنى ميهلا وأخذ يبعد شقفا من حجر الصوان والمرو وصخور البازلت الحمراء والسوداء ويضعها جانباً، بعد قليل انفتحت كوة في الجدار لتكتشف هيريديس أنها أمام سقيفة كبيرة أكبر من كل السقائف التي رأتها سابقاً، يمتد عمقها في دهليز لا تبدو له نهاية، وحين دعاها للدخول، كانت المفاجأة عظيمة، فالسقيفة مليئة بنقوش خيالية لا يمكن أن تكون قد رقشت بيد غير يد الآلهة، قالت في نفسها، وشاهدت ميهلا يتلمس جدار السقيفة بشوق حميم ويمرر أصابعه المجروفة فوق خطوط اللوحات ثم يلثمها بشفتيه. لم يطل صمته كثيرا، إذْ قال وهو مازال ينظر باتجاه النقوش:

– تذكرين أنني أخبرتك عن ولدي الذي قتل في الحرب الأولى مع الماغيوم، كان اسمه أرمان، صبيا جميلا كالملاك عيناه كالبحيرة في الصباح وضحكته تغريدة بلبل. كان الولد الوحيد الذي تبقى لي بعد أن حصد السل أراوح ثلاث أطفال في سن دون العاشرة، ولد أرمان والريشة بين أصابعه. عشق الرسم ونقش لوحاته في كل مكان، كان مسالماً مرهفا لا يعرف إلا لغة الحب.. الحب الذي يجعل كل شيئ جميلا، لقد أراد أن يرسم العلامات الأولى للبشرية لتهتدي إلى ناموس الحب والرأفة والعدل والنقاء، وجزم أن هذا الناموس لا يمكن أن تقرأه إلا عيون تفتحت على مقامات الجمال، فانبرى ينثر على لوحاته، ألوان القرنفل والزعفران وطين الأرض وعصارة الأوراق اليانعة، لتنبض بالحياة والمرح في كل وديان الأكاكوس، وتتجلى شاهدة على روحه المفعمة بالحب، ثم اختار لاحقا هذا الكهف ليسطر فيه ملحمة لونية يخلد فيها رسالته إلى العالم و يكرس أبطالها لمواجهة الظلم والبغي والاعتداء.

سكت قليلا وسار باتجاه الجانب الأيمن من الجدار كانت هنالك لوحة تصور أماً جالسة على الأرض وتهدهد طفلا وليداً لا يبدو منه إلا ظهره وقدماه، لعله في هذه اللوحة أراد الاحتفاء بأمه، أو ربما بزوجته وطفله واسين، خمنت هيريديس، واجتاحتها عاصفة أمومية طاغية تنبثق خلجاتها من الجدار الصامت، لم يعلق ميهلا على لوحة الأم، بل تابع حركته البطيئة أمام الجدار حتى استقر أمام نقوش لعدد من الأبقار في غاية الدقة والجمال، يصور النقش الأول ثورا فتيا مرقشا بالأحمر يربض على كثيب عشبي ويضم قوائمه تحت بدنه، وفي منتصف اللوحة بقرة حمراء وامرأة تجلس على مسند خشبي وتحلب البقرة في وعاء كبير. هنالك في الجوار أيضا أبقار أخرى كثيرة متورمة الضروع تنتظر دورها في الحلب، وعجل صغير، خمنت هيريديس أنه لتحفيز الأبقار على در المزيد من الحليب. كما ظهرت صور ثيران تقلب الأرض استعدادا لزرع القمح، تابع ميهلا وهو يشير إلى لوحة المرأة الحلابة:

– كان يوقر شأن الماشية لأنها شريك الإنسان في رحلة المصاعب، فاحتفى بها احتفاء نبيلا يليق بما وهبته لنا لكي نستمر في الحياة، لكن الملحمة كتبت نفسها بنفسها، فيما بعد حين قتل أرمان بعد أن أنقذ قطعان الماشية.
انفطر قلب هيريديس وهي تستمع إلى صدى دقات قلب ميهلا يرددها الكهف، فسرت في أوصالها رعدة ألم مباغت، ولكم تمنت وقتئذ أن يتوقف عن الكلام، لكنه بدا كمن يريد أن يقذف بمخزون الحزن كله إلى الخارج وفي مرة واحدة:

– دقت نواقيس الحرب حين داهمتنا جيوش قبائل الماغيوم ذات صباح بدأت المعركة لما أضرموا النيران في الحقول ، ثم نشبت المواجهة بيننا وبينهم عند نهاية وادي تشوينت، كان الدخان يتصاعد، ورجالنا مشتتين ما بين إطفاء الحريق وصد هجوم الأعداء، وتأمين الملاذات الآمنة للأطفال، أما أرمان الذي لم يحمل سلاحا يوما ولا يعرف فنون القتال، فقد ركض باتجاه حظائر الماشية، فتح الأبواب واقتاد الخراف والأبقار والجواميس عبر طريق آمن حتى وصل بها إلى هذا المكان، هنا في هذا الكهف، وفي طريق عودته قبض عليه جنود الماغيوم. .
كان ميهلا يتحدث و يغالب عبرته ويختنق تحت نياط ألم بالغ، وأخيرا أصبح يرتجف مثل ورقة تعبث بها الريح :

– يبدو أن الماغيوم شاهدوه وهو يحوش القطعان، طلبوا إليه أن يخبرهم عن مكانها، فالتزم الصمت أرسلوا جنودهم فانتشروا في الغابة الصخرية يرهفون السمع لعل أن يصلهم صوت خوار أو ثغاء، فلم يسمعوا شيئا، لكأن المغارة ختمت على أقفالها بتميمة سماوية، حينها عادوا إلى أرمان المقيد في أغلالهم.. حرّقوه بالنار.. عذبوه.. سلخوا جلده، فلم يقل شيئاً.

قذف ميهلا كلماته الأخيره كأنه يلقي جمرة من يده، وهو يشهق باكيا، غاب بعدها في نشيج حار.. غاب دون أن يكمل الحكاية، كأن النهاية البديهية للقصة قد أخبرت عن نفسها، ولا أهمية لإكمال السرد، لكن نهاية القصص تبدو أحيانا مثل بداية قصص أخرى، وبعض الموت يبدو مثل ميلاد جديد للحياة، بل هو الحياة ذاتها، هكذا تراءى لهيريديس التي أرادت أن تشد من أزره إذا استطاعت أن تقتاده إلى لحظة ميلاد جديد.. تنفست عميقا لتستجمع شجاعتها، ثم قالت: وماذا حدث بعد ذلك؟

سحبها من يدها إلى خارج الكهف، هناك في المدخل حيث تنتصب قبالتها آلاف الصخور الواقفة وتشمخ برؤوسها نحو السماء: وقال:

– هل تشاهدين هذه الصخور الصامتة التي تنظر إلى الأعلى دون أن تقول شيئا، كذلك وجدنا عيني أرمان تشمخان إلى الأعلى حينما حزوا رأسه وقذفوا به إلينا، كان يحدق إلى الأعلى دون أن يفتح فمه.

الصفحة 88

عن عائشة إبراهيم

عائشة إبراهيم. من مواليد مدينة بني وليد. متحصلة على بكالوريوس في الرياضيات، وهي بصدد إعداد رسالة الماجستير في الإحصاء الاقتصادي. عملت مدير تحرير الموقع الرسمي لوزارة الثقافة، وللموقع الرسمي للمفوضية العليا للانتخابات. شاركت ضمن اللجنة الإعلامية لمعرض القاهرة الدولي للكتاب سنة 2013، ثم ضمن اللجنة الإعلامية لمعرض طرابلس الدولي للكتاب. نشرت كتابها «تاريخ الفنون في ليبيا» على أجزاء بجريدة فسانيا. إصدارات: - قصيل (رواية) 2016.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى