مدرسة الحرّية

استبدل بعد استقلال ليبيا عام 1951 الأمير بيدمونتي باسم الحرية للمدرسة الكولونيالية في طرابلس، لوقوعها في سوق مجانبة لأحد أبواب المدينة القديمة أطلق عليه الغزاة الأسبان (1510 – 1530) باب النصر، وطوره العثمانيون عام 1908، فأسموه بالحرية تيمنا بالإصلاحات المستجدة على الاستبداد السلطاني. الذي في جوهره “إبيسّي” تأريخه يكون توطئة مقالنا عن سيرة المدرسة في نص السيرة.

كرّس الأدب العالمي للمدرسة الابتدائية فصولاً تراوح صورتها بين اليوتوبيا والدستوبيا. بل هناك روايات كاملة أفردت لذكرياتها مايحضر منها في الذهن روايات تشارلز ديكنز في القرن الـ 19 ، وهيرمان هيسة بدايات القرن الـ 20، وبونروكو شيشي الذي كتب رواية في الخمسينات مثلت نموذجاً لرٌقي الهزل في أدب اليابان الحديث، وعنونها كمقالنا بـ “مدرسة الحرية”. ولكن المدرسة لاتأخد وضع شبيه اليوتوبيا ـ مفارقة سيرة الككلي ـ إلا في المجتمعات التي تنوء الأميّة بكلكها على ضمير أبنائها الذين لم تتح لهم ظروف موضوعية صعبة ومعقّدة فرصة الانتساب إلى المدرسة فيترعرعون في عالم الأمية الدستوبي حتى صاروا آباءً ألزمتهم ظروف ما على إدخال أبنائهم إلى المدرسة. يخبرنا السارد بضمير الطفل أنه “في ككلة، دخل المدرسة متأخرا عن السن المعتادة حوالي سنتين”. هذا الإدخال المتأخر سنتين بعد السادسة أو السابعة للمدرسة هو نقطة الانقلاب الأولى، والفرصة الحاسمة للتملّص تدريجياً من دستوبيا إبيسيّة الأب، والتقدّم خطوة في درب مدرسة التمرّد: فاليوم الأوّل في المدرسة هو نقطة الشقاق الأولى التي وضعت مدماك تملّص البنوية عن الأبيسيّة الانفصال عن الدستوبيا المُعاشة والتوجه إلى اليوتوبيا المُتصوّرة كبديل “فكلما تقدمت في العمر تقوت نزعة التمرد لديَّ واستُنفرتْ مشاعر السلطة وإجراءاتها القمعية لديه (الأب ـ الأبيسي). وما زاد الشرخ اتساعا وجعل العلاقة غير قابلة للتصالح والترميم دخولي المدرسة. كان هو أميا وكنت أنا أتملص من عالمه وثقافته وأفقه باكتساب القدرة على القراءة والكتابة وتشرُّب معارف جديدة. [الحلم بأبي].

يطرح لنا الككلي في سرده السيري بعض المحفزات لتوليد الصورة اليوتوبية للمدرسة أو شبيهها الرغبوي، المُفارق لتجربة “الكُتاب” الدستوبية التي ربما أنجاه منها ترّحله العائلي. ومُرّر بها جيلنا، ليحفظ القرآن، عن ظهر قلب قبل المدرسة الابتدائية وبالتوازي معها، وثانيتها تأخيره عامين قبل إلحاقه بالمدرسة لظروف موضوعية ربما سيكشفها لنا قادم سرده السيري، وثالتثها نضوجه الطفولي الذي سيؤهله للتميّز عن أترابه التلاميذ فيحظى بعطف المعلمين وحدبهم على تميّزه وتفوّقه. فمن مدرسة ككلة التي بها فصلٌ واحد للصفين الأوّل والثاني إلى مدرسة العَلَمين التي سينتقل إليها بعد أشهر فتدهشه أن فيها للصف الأوّل عدة فصول.

في مدارس طرابلس العلمين والقرْوِد يحظى السارد بضمير التلميذ بالحماية لأول مرة منذ وعيه بأنه طفل موجود في عائلة تميزت في منظوره بخصائص انعدام الحماية بل إنها حتى في الصفين الأول والثاني من المدرسة الابتدائية أقحمته في المخاطر والمخاوف: “وكنت أقطع عدة كيلومترات إلى المدرسة عبر الجبل. كان المكان أجردَ ونادرا ما أصادف أحدا في الطريق. ذات مرة انتبهت إلى أن كلبا يتعقبني. امتلأت خوفا “. كما أن ظروف العائلة المادية لاحقته بالمنغصات بأن: “أسرته نادرا ما كانت تمنحه قرشا أو قرشين، أو حتى خمسة ملاليم، ليشتري بها شيئا في الطريق أو في فترة الاستراحة بالمدرسة. [سرقات الطفولة] .لينتهي به المطاف إلى المدرسة التي أمنت له لأوّل مرّة نموذجاً للتحالف الموضوعي: “بعد إتمام إجراءات النقل صحبني مدير المدرسة (شخصيا) إلى الفصل الذي سأنضم إليه (…) وقال لي هذا أستاذك. كان شابا ـ وقتها كنت أراه رجلا كبيرا ـ طويل القامة أنيقا ووسيما، يرتدي كنزة لونها بني فاتح ـ وأنا أحب هذا اللون ـ كان أستاذ اجتماعيات ورياضيات وكان اسمه الصِّدِّيق (وذكر الأسم هنا له دلالة). وبادر بمصافحتي بيده التي مازال بها بعض البلل. المهم أن حضوره وموقفه تركا في نفسي أثرا طيبا.[الارتجال كتابةً]، بل يتطور الانضمام للمدرسة إلى مظلّة ضمان للتفوّق والتميّز موجودٍ مُسبقاً في طبيعة الطفل “ولحسن حظي كنت متفوقا في المدرسة، وهذا حببني في القراءة وجعلها أمرا سهلا ومسليا بالنسبة إليَّ (…) وفي السنة الخامسة ابتدائية انتبه مدرس اللغة العربية، الأستاذ (…)، إلى تفوقي وتميزي في مواضيع الإنشاء، فأعارني رواية“. [انعدام الحماية والتحالف الموضوعي].

إذا أسقط التحفيز Motivation يختل المبنى الحكائي، في التنظير البنيوي، وتنبني عملية التحفيز التأليفي أو التركيبي ( compositional ) على مجموعة من المحفزات، التي ترد في شكل حوافز مستقلة أو مؤشرات ثانوية أو إكسسوارات أو أوصاف تساعد القارئ المتلقي على تصور السردية، وتبين مراحل تركيبها. ويعني هذا أن هناك حوافز ومؤشرات سيميائية وجودية تساعد المتلقي على بناء السردية من بدايتها حتى نهايتها. وهنا ترد على البال البنيوي قولة تشيكوف: “إذا أورد بدء السرد، مسماراً مدقوقاً في الجدار، فعلى البطل أن يشنق به نفسه” وتابعه هاروكي موراكامي في روايته “كافكا علي الشاطيء بقوله “إذا ظهر مسدس في قصة ما، فسيكون من الضروري في النهاية أن يطلق النار”
في النبذة السيرية “بين مدرستين” نكون في قلب عملية التحويل في السرد ولمقاربة المسألة سنستخدم الوظيفية في القراءة أي أن يكون للشيء مادياً أو حيّاً يُعامل من قبل الإنسان معاملة الشئ وظيفة في القصة أو القصة السيرية واستخدام الوظيفية نختبرها في ممارسة محلّل الأدب الفرنسي رولان بارت اشتغالاً على “قلب ساذج” قصة غوستاف فلوبير(القرن الـ 18) حيث يخبرنا الراوي في مكان ما، وبدون إلحاح ظاهر منه أو منّا كقراء، أن بنات نائب المُفتّش في بلدة “بون ليفيك”يمتلكن ببغاء، والذي سيكون له شأن عظيم في السرد القادم من القصة من حياة البطل الرئيسي “فيليستيه”. فالببغاء هنا رغم وروده تفصيلاً “بناتياً” نافلاً طائراً يُوضع في سقيفة البيت طُرفة للزينة إلا أنه في تحليل رولان بارت تكون له وظيفة بالغة الأهمية كوحدة سرْد في القصة وهي الأهمية التي ستكون لـ “المداس” الذي تمزق وأفلت منه السير وقد أاستحيل السير به، وفي الوجه المقابل صار من شبه المستحيل أن يقطع السارد بضمير التلميذ عدة كيلومترات في أرض جبلية حافيا: “تفحص الأستاذ(…) مداسي. أحضر نزاعة مسامير وأخذ ينزع مسامير مداسي التي أفلتت السير وأضاف إليها مسامير نزعهم من مداسه وأصلح بها مداسي. وبفضله، لم أرجع حافيا. درست شهورا قليلة فقط في مدرسة تكبال. ثم انتقلنا إلى طرابلس. التحقت بمدرسة العَلَمين، قرب مقبرة الهاني“. [بين مدرستين].

اقتصر الالتفات بمعناه في الاستخدام اللغوي على التحويل في وجه الكلمة من أصل هو وضعه الطبيعي إلى آخر. وفي الاستخدام البلاغي، تحويل التعبير الكلاميّ من اتجاه إلى آخر من جهات الكلام وطرائقه: “التكلّم – الخطاب – والغائبية”. وغاب الاهتمام بالسردية التي لم تكُن مجال تَفكُرّ وانصبَّ الاهتمام على الشعر والخطاب.
إن الراوي في مدرسة الحرية يعمد في حكيه بضمير السارد إلى التقديم والتأخير والتلاعب بالمشاهد وبالتفافة ماهرة يستدعي الحكاية الفرعية الداعمة ثم يلتفت بالتوجه المتقصّد أساساَ إلى الحكاية الأصل. إنّ إدخال الحوافز في توهيم السيرة في القصة، أو بالعكس توهيم القصة في السيرة، إنّما ينتج عن تراض بين الوهم والواقع، وبما يراعي المتطلّبات الجمالية. وهكذا نخلع المداس (الشئ) في سردية إصلاحه وترميمه ونرتدي استعارة الشئ الكنزة الصوفية التي تُستدعى للدعم من قصة أخرى علاقتها بسيرة السارد أنها كنزةً لونها بني فاتح ـ وهو أحب هذا اللون ـ كان يرتديها المُعلّم الذي كان حضوره وموقفه باستقباله والتسليم عليه تركا في نفسه أثرا طيبا. تقابلها الكنزّة الأخرى في القصة الداعمة والتي لم تكن ترتديها التلميذة خلال الرحلة المدرسية فطلبتها منها مُدرّسة فاستجابت التلميذة وأعارتها لها: “فاستخدمتها المدرسة فراشا لجلوسها!.مع اقتراب المساء شعرت التلميذة بالبرد فطلبت من المدرّسة أن تعيد إليها كنزتها التي أصبحت المُدرِّسة تضعها على كتفيها. لكن المُدرِّسة استمهلتها. كانت التلميذة تتوسلها:– يا أبلة صقعانة. وكانت المُدرِّسة تنهرها:– أرجي شوية قلتلك!. خلاص، مروحين!.“.

________________________

نشر بموقع بوابة الوسط.

عن نورالدين خليفة النمر

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى