محمد المزوغي…  يقتل الياسمين بالموت والغربة والذكريات

 

الشاعر محمد المزوغي.

الشاعر محمد المزوغي.
الصورة: منتدى السعداوي.

صدر عن دار الساقية للنشر والتوزيع ديوان “بعض ما خبأ الياسمين” للشاعر محمد المزوغي، يجمع الديوان بين دفتيه الكثير من العواطف الإنسانية السامية ، منتظمة في قصائده كل قصيدة على حدا ، تحاكي موقفاً أم ذكري أم رثاء لأحدهم  ، بشكل خاص ويجمع بينها فقط الحس الإنساني واللغة البسيطة الصادقة التي صيغت بها النصوص.

يستعيد المزوغي في هذه النصوص اللحظات المنفلتة من عقال الزمن مصدر ألم كانت هذه اللحظات أو مصدر ذكريات ، يحاول أن يستنطقها لنسمع معه نشيج الرثاء ، والذكريات ، ودموع الوداع ، وحنين للذكريات سبقت معهم وبهم ، أغلب القصائد رثاء أو أن صح القول استذكار بألم مفزع يخرجه المزوغي من دواخله الذاتية ، لصبح كلمات ونسيج أحبار .

في قصائده ثراءٌ في التعبيرات وما في مضمونها من استعارات يبكيني معه وهو يرثي صديقه ”عبدالله عبدالمحسن  ” في صعبٌ وداعُك :

صعبٌ وداعُك

لم تبرحْ رؤاك هُنا

كأنما فيك معنى

يُشْبهُ الوطنا

أراك أقربَ لي

من فيضِ خاطرةٍ

يجتاحُني بوحُها

لا بلْ أراك أنا

مازلتَ في شفتي

شعرا أرتِّلُهُ

وأستعيدُ به من ذكرِكَ

الحسَنَا

هذا التوتر و الشعور بالفقد هو المسيطر على  القصيدة ، وكذلك جُل نصوص الديوان ، وهو الجسر الذي عبر من خلاله الشاعر إلى المتلقي بنصوصه عن معاناته بلغة حميمة تفتح لها الروح أبوابها.

وفي قصيدة ( هذا أنا  ) الزمن والجرح ، وهي مخاوف غير طبيعية مخزونة في اللاشعور، وكلماته تؤكد حالات الاضطراب وعدم الاستقرار والوحدة ، وربما هو تعبيراً عن الفراغ الذاتي وخيبات للأمل تجمعت لتصبح مخزوناً شعرياً يفصح عما يعانيه الشاعر..

هذا أنا

أمضي ويكتُبني الزمانُ

قصيدةً

تُلْقِي على الأيامِ

عطرَ نهاري

جُرحي يُضي

كأنَّ جُرحيَ نجمةٌ

والليلُ بعضٌ

من أسَى السُّمَّارِ

وحدي خُطاي هُنا

تَخُطُّ دروبَها

وتعيدُ رسمَ

شواطيءِ الإبحارِ

 

يظهر السرد جليا في القصائد  مما يجعل الديوان مترابط في سرده  للقصيدة النثرية ويعطيك انطباع القصيدة  القصصية لما فيها من حكايات .

ثمة قصة  بين المزوغي والنجمة  ، حيث يحاكيها بلطف وحب ، وتحدثه بكل ود ، هذا الشي  يفرح الشاعر بالقصيدة التي اراها بالديوان بعيدة عن الرثاء والحزن الموجع وإن كان بها شيء منه :

معي نجمة

معي نجمة من بقايا المساء

تنام وتصحو على كتفيّا

تحدثني كيف أنّ السَّمَاءَ

تحبُّ من الحرف معنى عصيّا

تفصّل من ناظريهِ النجومَ

وتمنحَه سِرَّها الأبديّا

تحدثني كيف أنّ الكتابةَ

بعثٌ إذا الحرفُ صار نبيّا

يغوص ليأسوَ جرح البحار

ويعلو ليمسح دمع الثريّا

ملامح الثقافة الدينية تبدو جلية في الديوان  فقصائد (يا صبر أيوب ) ، (حزن يعقوب ) (يونس والحوت)  حيث العناوين  لأسماء انبياء والمفردات قصصهم  و الاستعمال في لغة الشعر تمكن الشاعر المزوغي  و بتلقائية أن يشيد بناءً شعريا متينا ومتميزا من خلال عالمه الشعري الخاص وقصص القرآن الكريم بأسلوب خال من التعقيدات  ومتماسك في نظمه ليجعل من القارئ يقف كثيراً امام ذهول العبارة وحكمة المعني ، في قصيدة يونس والحوت حيث يسرد المزوغي قصة الياسمين ويونس والحوت ، ليعجل منها نظم سردي ومعقد وسهل وممزوج في ذات واحدة لمعاني كثيرة:

حشدوا لقتل الياسمين جيوشهم

من قال إن الياسمين يموت

ذبحوا المحبة باسمها

وتجبروا

حتى تبرأ منهم الجبروت

إيّان طالعت العيون وجوههم

ذُكر الأسى

وتمثّل الطاغوتُ

يتحدثون عن التراب فهل دروا

أن التراب بكفّهم مكبوتُ

يدري تراب الأرض

كيف نضمه

حتى يغار الدرُّ والياقوتُ

أنا إن سكت

فإن صمتي ناطق

وكلام من زعموا الكلام سكوت

فلتعذرينيَ إذ رحلتُ مغاضبا

بَرِماً بهم

ومشى بي التابوت

فلربما أصحو على يقطينة

إنّي وحزني يونس والحوتُ

الديوان عندما خصني به المزوغي في رسالة خاصة ، شدني عنوانه كثيرا ، وجدت  اللغة في هذا الديوان تطلب منك العودة إليه وبإصرار ، كونها  لغة شفافة رائقة بسيطة سهلة متوائمة مع الصور الشعرية الخالية أيضا من التعقيد و التركيب ، نابضة بوجع الكثيرين قبله  ، متفاعلة مع اللحظة الشعرية دون افتعال ، مما يجعل قصائده سريعة الوصول للمتلقي وسهلة الفهم.

يكتب الشاعر المزوغي  قصائده بوعي كبير للواقع كأنما يحاول تجسيمه في قصائد وقولبته في كلمات ، تحذر كل من يجدها بهاجس وجع الحنين والفراق ، كثيرا ما تمتد قصائده بأسلوب قصصي بحيث يبدو فيها أمتلك ناصية السرد والتفاصيل ، ويظل سؤالي عن الفقد وغربة الروح ، وفقد الماضي هو الأبرز بين ملامح نصوص المزوغي فلما تحديداً  في هذا الديوان ، فالياسمين لا يموت وكذلك الحنين والذكريات.

عن إنتصار الجماعي

انتصار ابوبكر الجماعي. ماجستير صحافة. كاتبة وصحفية منذ عام 2002، بصحف المؤسسة العامة للصحافة، صحيفة أخبار بنغازي، ومجلة الثقافة العربية. منسق تحرير ورئيس القسم الاجتماعي لصحيفة قورينا اليومية. مدير تحرير صحيفة قورينا الاجتماعية. المدير الفني لصحيفة مجلس الثقافة العام. المدير العام والمخرج لمجلة مراقبة الاقتصاد بنغازي. كاتبة: بمجلة غزالة، صحيفة المأثور، العرب اللندنية. وحالياً: عضو هيئة تدريس بقسم الاعلام، كلية الآداب.. بجامعة اجدابيا. عضو هيئة تدريس بكلية الاعلام، قسم الصحافة.. جامعة بنغازي. رئيس مكتب الإعلام الاقتصادي. بمراقبة الاقتصاد بنغازي.. وزارة الاقتصاد.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى