ماذا بعد 3W

 

في هامش الصفحة الخامسة من المجلة تستقر جملة ثابتة تقول :

[إن المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي المجلة] ولسنا من ابتكر هذه الجملة المحمولة على حق الاختلاف. فهي بكلماتها المحددة والواضحة والقاطعة توفر المناخ للحوار بما يتيح القناعة بجدوى تخليق الثراء الذي يصنعه التنوع.

انسجاماً مع ذلك أنا هنا لا أتحدث باسم المجلة رغم مسؤوليتي عن هيئة تحريرها.. ولكن بصفتي كمواطن وهو لا يعني بالضرورة وجود اختلاف بين وجهة نظري ووجهة نظر المؤسسة التي تشرف على إصدار المجلة.. وهي مؤسسة مرموقة سجلت بإصداراتها وموسمها الثقافي المحترم حضوراً واسع التأثير على كافة الأصعدة، وفي مقدمتها احترام الحوار وتقدير حق الاختلاف .

أتحدث هنا عن الثورة الهائلة في المعلوماتية ووسائل الاتصالات بكافة تجلياتها التي تتمظهر في منظومات وفرت سهولة استخدامها الحصول على ما لا يحّد من معلومات إضافة إلى متابعة وقتية لما يحدث في جميع القارات في تدفق متنوع يصعب حصره .

بمبلغ زهيد ونقرات رشيقة على حرف(W)  مكررا ثلاث مرات ونقطة واسم.. تحصل في ثوانٍ على خادم مصباح علاء الدين المعرفي الذي يقدم لك ما تشاء من معلومات لم تكن متاحة بهذا الاتساع والتنوع قبل هذا الكشف العلمي المثير الذي هشم جدار الاحتكار الذي كان يرتفع في كل مكان تقريباً، وحطم معه استحواذ القلة على المعلومات.. صار بوسع أي طالب يجيد القراءة والكتابة وبمبلغ لا يزيد على الدينار في أية قرية نائية الاطلاع مباشرة على وجبات دسمة من المعلومات في أي مجال من جمع الطوابع إلى مركبات الفضاء مروراً بتفاصيل التفاصيل عن كل ما يخطر ومالا يخطر على البال .

الانترنت والفضائيات وخدمات الهاتف النقال والبث الرقمي والسينما التفاعلية والصحافة الإلكترونية نقلت العالم إلى مناخات معرفية لم تكن متاحة أو متوفرة في السابق، وصار التعامل معها مسألة لم يعد من المتيسر تجاهلها …

هذه المقدمة السريعة والملخصة تقودني إلى الحديث عن الإعلام في ليبيا .. الذي يعاني من ارتباك لا يكاد يخفى على أحد…

بماذا نحلم في هذا الشأن، وإلى ماذا نتطلع في عالم نحن أول من رفعنا فيه مقولة [المعرفة حق طبيعي لكل إنسان] ومقولة [إن الجهل سينتهي عندما يقدم كل شيء على حقيقته].. بماذا نحلم وإلى أي إعلام نتطلع ونحن نكابد لتصفح صحفنا ومجلاتنا ونتضور بحثاً عن كتبنا ودورياتنا؟!

ونتعذب ونحن نشاهد مرئياتنا  أو نستمع لإذاعاتنا !!؟….

وأتساءل بمرارة عن الإجراء الذي اتخذته الهيئة العامة لإذاعات الجماهيرية مثلاً لاستبيان آراء المشاهدين والمستمعين ومعرفة رغباتهم، وكذا الصحف والمجلات والمواقع للوقوف وبشكل مبرمج على الاحتياجات التي تحكم ذائقة المتلقين.. ولن نتوقع هنا وجود استبيان عربي أو دولي بعد تخطي الفضائيات حواجز الحدود، ونكتفي فقط بطرح التساؤل حول انجازه على المستوى المحلي.

من البديهي القول بأن الإعلام الموجه صار ضمن خانة تشيق بوتائر متسارعة.. فهو يخسر كل يوم أرضاً جديدة لصالح الحيوية التي توفرها هوامش تتحكم في أبعادها عقلية إنتاجية.. مرنة وذكية .

الإعلام الموجه محرقة للأموال فيما ينافس إعلام الهوامش النفط في حجم الإيرادات.. والشواهد لاتحتاج إلى إثبات أو قرائن.. وهو بحيويته الفائقة صار متقاطعا مع معظم أنساق الإنتاج حتى أن القراءات الجديدة للمسألة الاقتصادية لن تكون مجدية كثيراً في غياب إعلام يقدم كل شيء على حقيقته.. طازجاً.. أنيقاً.. متابعاً.. يعتمد الموضوعية والشفافية للانتقال من بؤس الجمود إلى عافية الانطلاق .

بذلك يستعيد الإعلام الخارجي أيضاً عافيته ويعود لممارسة دوره في تقديم ما تقدمه شركات العلاقات العامة من بناء للثقة على الصعيد الخارجي، ورسم خريطة جديدة للعلاقات مع المؤسسات، والمراكز واعتماد المبدع الليبي عنصراً رئيساً في برامجه .

كيف يمكن لوكالة الأنباء مثلاً أن تكون في موقع الحدث وإمكاناتها كسيحة وعاجزة ؟!كيف للإذاعات المسموعة استعادة اهتمام الآذان الشغوفة؟ كيف لإعلام الشعبيات صياغة العلاقات في محيطه؟!

الإعلام في العالم الثالث [وهو مصطلح قديم] محنة حقيقية.. وهو لا يحوز رضا أحد.. لأسباب تتعلق بالعلم الذي لا يعترف إلا بالتجربة التي أثبتت هنا أن الإعلام تحول إلى وعاء هائل تتفاعل فيه علوم وفنون وثقافات.. ولم يعد ثمة أية إمكانية لالتقاء المشاهدين والمستمعين والقراء والمتابعين في غياب هذه الخلطة المثيرة..

والأمر في نهاية الأمر ليس أحجية أو طلسما أو معادلة في الفيزياء.. لكي يصبح لدينا إعلام يحظى باحترامنا ومتابعتنا ودعمنا.. إعلام لا يستغفلنا ولا يضحك علينا.. إعلام عاقل يدرك أن نقرات صغيرة على حرف “W” مكررا ثلاث مرات وبمبلغ زهيد تجعلك تعرف ما يجري في كل بقاع الأرض، وبجهاز التحكّم عن بعد يمكنك الانتقال بين خيارات لا حد لها…

ما نحلم به إعلام عفي، نشيط، يقظ، رصين، في غير تعجرف.. بشوش في غير تفاهة.. نزيه.. يعرف بدقة آفاقه ومسؤولياته.

عن محمود البوسيفي

تاريخ الميلاد: 1955 مكان الميلاد: غريان/ليبيا مجالات الكتابة: المقالة/ الشعر/ القصة. تعريف قصير: نقيب الصحفيين الليبيين، والأمين المساعد للاتحاد العام للصحفيين العرب.. عضو الهيئة التنفيذية للاتحاد العام للصحفيين الأفريقيين.. تولى العديد من المهام الإعلامية في ليبيا: أمين الإعلام الخارجي.. مدير وكالة الجماهيرية للإنباء.. مدير المركز الثقافي الليبي بتركيا.. وسبق أن عمل مراسلاً صحفياً في اكثر من عاصمة عربية.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى