(لاَ وَقْتَ لِلْكُرِهِ) النشيدُ الإنْسَانِي الدَّائِم .. للشاعـر محمد المزوغي

أصدرت مكتبة طرابلس العلمية العالمية مؤخراً مجموعة شعرية جديدة للشاعر محمد المزوغي بعنوان (لاَ وقتَ لِّلكُــرْه)(1) تضمنت خمسة عشرة قصيدة هي: لاتغلق الباب، بانت سعاد، أقوى من الموت، شجون، خمرة التوق، لا وقت للكره، انشطارات،اطل غيابك، حصاد، محاصرون، كبرياء، رجولة، إلى السيد البارود، انتصار الحصائري،نحن.

ديوان لا وقت للكره.
ديوان لا وقت للكره.

وجاء عنوان المجموعة الشعرية الصادرة مقتبساً من إحدى قصائدها الجميلة المنشورة بها. والعنوان يتمثل في التقاطة تعبيرية بليغة وومضة مكثفة استوحاها شاعرنا الكبير محمد المزوغي من إحدى جماليات وكتابات الشاعر العربي الراحل محمود درويش يقول فيها (لا وقت لديَّ لأكره مَنْ يكرهني، فأنا مشغولٌ بحُبِّمَنْ يُحِبُّنِي) ومن هذه العبارة نسج صورة شعرية متكاملة جسدها في قصيدة كاملة وعنّونها (لاَ وَقْتَ لِّلكُرْهِ) وجعلها عتبة لقصائد المجموعة كلها.

وتتكون قصيدة (لاَ وَقْتَ لِّلكُرْهِ) من عشرين مقطعاً مجزأة في ثلاثة وسبعين سطراً، استهلها شاعرنا الكبير بالإشارة إلى البعيد القريب، الذي لا يمكن أن تحجبه موانع ولا عوائق حسّية أو مادية، دون أن يسميه صراحة، حتىيبعث المزيد من التشويق في القاريء، وظل يعتبره شعوراً وجدانياً يخترق الزمانوالمكان ليسري ويستقر في عروق النبض، وإحساساً وتفاعلاً يستوطن أعماق القلب والعقلعلى حد سواء.

ففي بداية استعراضه لهذه القصيدة يقدم لنا الشاعر محاورة ثلاثية مع عنصري العشاق والجمر وهما ماديان، وثالثهما الحقد وهو عنصر حسِّي معنوي غير ملموس بشكل مباشر، لينطلق إثر هذه المحاورة الفكرية الشعرية العميقة الدلالة، صوتُهُ جهورياً ثابتاً وواثقاً ليعلن بكل الإصرار والتأكيد:

لاَ وَقْتَ لِلكُرْهِ عِنْدِي

لاَ مَكَانَ لَهُ

بِالحُبِّ قلبي وَبِالغُفْرَانِ مَشْغُولُ

زادي لِكُلِّ يَدٍ تَحْتَاجُ أَبْذُلُهُ

وَلِي إِنَاءٌ كَوَجْهِ الصُّبْحِ مَغْسُولُ(2)     

وإثر اللاءاتين المتمثلتين في (لا وقت، لا مكان) المنكرتينوالرافضتين صراحة للكره ذاته، وضمنياً لكل أشكاله وما يتعلق به من صلة، وهو تصريحإنساني نبيل وشفاف يحتاجه كل الناس في الوقت الراهن ليكون لهم نهجاً ويتخذونه نبراساًومنطلقاً يهتدون به، يسترسل الشاعر في إطلاق سؤالين إنكاريين، مشبهاً نفسه فيهما تارة بالنجم وهي الشمس التي لا تمنح إلا الضوء، وتارة أخرى بالمنهل وهو النبع الذي يفيض بالماء، تاركاً إجاباتيهما في عقل المتلقي للبحث والتدبر فيهما وإسقاطهما على فضاء النص وربما خارجه وأبعد من ذلك:

هَلْ تَمْلِكُ الشَّمْسُ إلاَّ الضَوْءَ تُرْسِلُهُ

وَهَلْ سِوَى المَاءِ عِنْدَ النَّبْعِ مَبْذُولُ(3) 

ثم بكل شجاعة ووثوق يخاطب شاعرنا من يلاحقه ويتتبعه ليؤكد له بأنه إنسان مسالم، لا يحمل سلاحاً، ولا يسعى للاقتتال أو الطعن الغادر، مشبهاً نفسه بشكل ضمني بارع، بالورد الذي لا يترك في ملابس قاطفه إلا رائحة الشذى وعبيره الفوّاح وهو مقطوف ومقتول في كفه، وهذه الصورة الجميلة تبرز الروح المسالمة المتسامحة في أسمى حالاتها التي لا تحمل أي نوايا للنزاع أو الحرب بل تسعى للخيروالمحبة والسلام:

لاَ خِنْجرٌ بِيَدِي يَا مَنْ تَرَصَّدَنِي

لِيَطْعَنَ الظَّهْرَ حِقْدٌ مِنْهُ مَسْلُولُ

لاَ يَتْرُكُ الوَرْدُ فِي أَثْوَابِ قَاطِفِهِ

إلاّ الشَذَا وَهْوَ فِي كَفِّهِ مَقْتُولُ(4)     

ولمزيد التوضيح للمباديء التي يعتمدها شاعرنا ويتأسس عليها شرعه ونهجه الإنساني وأسلوبه السلمي يقدم لنا صورة شاملة يشخص فيها حالتنا الجماعية حين يعبر بصوت الجمع (منا، كرهنا) ثم يقرعنا بسؤاله الإنكاري المفحم عن الأعذار التي يمكن أن يقبلها الأطفال المسالمين أو يقتنعون بها جراء ما أصابهم من تدمير نفسي، وضياع الكثير من البهجة والآمال والأحلام البريئة التي كانت تترعرع فيهم؟ فيقول في صورة تختزل الكثير من الحزن والآسى وتخترق الأعماق بكل مرارة وألم:  

يَسْمُو عَنْ الحِقْدِ مَنْ تَعْـلُو الحَيَاةُ بِهِ

لاَ يَنْفَعُ الحِقْدَ تَفْسِيرٌ وَتَأْوِيلُ

كُلُّ المَفَاتِيحِ مِنَّا اليَوْمَ ضَائِعَةٌ

وَكُلُّ دَرْبٍّ إِلَى الأَبْوَابِ مَجْهُولُ

لَمْ يَنْجُ مِنْ كُرْهِنَا طِفْلٌ وَلُعْبَتُهُ

وَأَيُّ عُـذْرٍ أَمَامَ الطِّفْلِ مَقْبُولُ؟!(5)  

ثم يرجع بنا لمبتدأ رسالته وركائز أسسها الإنسانية الثابثة، والفاعلة في إيمانه العميق بها، الذي يظهر في تكراره لها مرتين وهي الوصفة الناجعة للخلاص والعلاج لما نعانيه من فرقة وتمزق للنسيج الاجتماعي، وتدميرلمقدرات الوطن الذي يضمنا جميعا. إن شاعرنا لا يستند إلى سلاح أو قوة قاهرة بل يطالبنا فقط ب(شَيء مِنَ الحُبِّ) حين يقول:

 شَيءٌ مِنَ الحُبِّ كَمْ نَحْتَاجُ ..!

بَارِدَةٌ فِينَا الأَحَاسِيسُ يَا نَحْنُ التَمَاثِيلُ

شَيءٌ مِنَ الحُبِّ يَا أَهْلِي نَلُوذُ بِهِ

قَدْ جَاءَ بِالحُبِّ قُـرْآنٌ وَإِنْجِيلُ؟!(6)       

ولا ينسى وهو يشخص حالتنا الراهنة ويصف علاجنا لها بأن يهزنا بتشبيه ذواتنا بالتماثيل الجامدة المتحجرة التي لا تحمل أية أحاسيس ومشاعرإنسانية، مذكراً بأن ما يطالبنا به يعد ركناً أساسياً في الديانات الربّانية كما أورده الله سبحانه وتعالى وحثنا عليه في أسس العقيدة الإيمانية والمعاملة الإنسانية التي جاءت بها سور وآيات القرآن الكريم ونصوص الإنجيل المقدس.

ثم يذهب بنا إلى أبعد من ذلك ليرسلنا إلى صفحات التاريخ القديم مستلهماً منها العظات والعبر ليذكرنا بأن كرسي الحكم والسلطة لا يدوم، جاعلاً من قصة المعتمد بن عباد آخر ملوك الأندلس نموذجاً شاهداً على ما آل إليه مصيره، وتبدّل حاله ومسكنه من قصره العامر في أشبيلية الأندلسية، إلى أغلالِ ومذلةِ الأسر الذي يقبع فيه، وإقامته الجبرية بقرية “أغمات” بالمغرب الأقصى:

هَذَا اِبْنُ عُبَادَ فِي أَغْمَاتَ يَكْتُبُ لِي:

المُلْكُ للهِ وَالدُنْيَا أَبَاطِيلُ(7)  

وفي ختام القصيدة يعود بنا شاعرنا محمد المزوغي مجدداً لمفهوم الحرية والشعر وعلاقتهما بالوطن الذي عبّرت عنه مفردةُ “الأرض”التي وهبها دمه لينزرع فيها حباً تشبع منه أسراب الطيور باختلاف أنواعها وتعددها، مؤكداً بروح الأمل الكبير الذي يستوطنه بأن المستقبل سيكون مزهراً وعبقاً بكل الحب والشذى، وهو يستمدُ كل تلك الآمال والثقة من روحه ووجدانه المفعم بحقيقة الإيمان ومعانيها العميقة التي لا يمكن أن ترمي بالإنسان إلى الانتكاسات والخذلان أبد الدهر فيقول:

المَرْءُ مَا لَمْ يَكُنْ حُرّاً فَلاَ أَحَدٌ

وَالشِعْرُ مَا لَمْ يَكُنْ حُبّاً فَتَضْلِيلُ

إِنِّي وَهَبْتُ دَمِّي لِلأَرْضِ تُنْبِتُنِي

حَبَّاً لِتَأكُلَهُ الطَيْرُ الأَبَابِيلُ

غَدَاً سَنَحْيَا هُنَا عِطْراً وَقَافِيةً

يَزْهُو بِنَا الوَرْدُ أَوْ تَزْهُو المَوَاوِيلُ

نُضِيءُ بِاللهِ

لاَ شَمْسٌ وَلاَ قَمَرٌ

هَيْهَاتَ تَخْبُو لَنَا يَوْماً قَنَادِيلُ(8)  

ونلاحظ أن خاتمة هذه القصيدة قد جاءت متعددة في أساليب خطابها التي تفنن الشاعر في استخدامها بإتقان ومهارة لتكون رسالتها الشعرية الدلالية شاملة تطال الجميع الذين أجاد مخاطبتهم كلٌّ بأسلوبه، فنجده تارة يلمح إلى العموم حين يشير إلى (المرء) وأحياناً يخاطبنا بضمير المتكلم المفرد عندما يخبرنا (إِنِّي وَهَبْتُ) وتارة أخرى يهتف بصوت الجموع (سَنَحْيَا، بِنَا، نُضِيءُ، لنَا) وهو ما يجعل قصيدة (لاَ وَقْتَ لِلكُرْهِ) تغمرنا بفيوضها الإنسانية وتستوطن دلالاتها ومعانيها فكرنا بكل انسيايبة.

إن هذه القصيدة بما تحمله من رؤية عميقة للمشاعر النبيلة وتشخيصية واقعية مريرة لما يكابده ويعانيه الإنسان والوطن تقدم لنا صوراً جمالية زاخرة بالموسيقى والإيقاع والحكمة والخبرة المستلهمة من دروس التاريخ الإنساني عامة والعربي على وجه الخصوص، وهي كذلك تؤكد فعلاً بأن العقار الأساسي المتمثل في القليلمن المحبة هو الزاد الكافي والشافي للإنسان والوطن على حد سواء من صنوف الأسقام والتمزقات التي يعانيها مادياً وروحانياً. فهنيئاً للإنسانية جمعاء بهذه الروح الإيمانية الشاعرة التي استطاعت استنطاق مكامن الخير والمحبة والجمال في ذاتها، ولجم جموحهاوغرورها وطغيانها، وتطويعها لتحديد وسائل وطرق الخلاص والنهوض نحو مستقبل يعد بالكثير من المحبة والتسامح.


(1)  محمد المزوغي، لا وقت للكره، شعر، مكتبة طرابلس العلمية العالمية، طرابلس، ليبيا، الطبعة الأولى، 2018م.

(2)  مصدر سبق ذكره، ص 55-56

(3)  مصدر سبق ذكره، ص 56

(4)  مصدر سبق ذكره، ص 56-57

(5)   مصدر سبق ذكره، ص 58

(6)   مصدر سبق ذكره، ص 59

(7)  مصدر سبق ذكره، ص 59

(8)  مصدر سبق ذكره، ص 59-60

عن يونس شعبان الفنادي

الاسـم:يونس شعبان الفنادي تاريخ ومكان الميلاد:1/1/1961 سوق الجمعة، طرابلس – ليبيا - ماجستير علوم، تخصص أرصاد جوية، كلية العلوم، جامعة ريدينج، بريطانيا، 2004 - بكالوريوس علوم، تخصص أرصاد جوية، كلية العلوم، جامعة الفاتح، ليبيا، 1984

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى