كيف تعاطى النقاد مع كتابات النيهوم؟

النيهوم وما أدراك ما النيهوم، هو الكاتب الذي ملأ الدنيا وشغل الناس حيا وميتا بكتاباته ومشاغباته التي أثارت جدلاً واسعاً على مستوى كافة الأوساط، وبين مؤيد لأفكاره دون تمحيص وانحياز كامل لها وإسباغ لهالة من القداسة عليها وواقع في دائرة تقليده وبين من يرفضها جُملةً وتفصيلا، ثمة من لا يؤمن بالتقديس والتعظيم للأفكار والتسليم بها، إذ يرى أنَّ ما من فكر يعلو على النقد من جهة، مثلما لا يؤمن بالرفض والإقصاء.. هكذا لمجرد الرفض أحيانا دون إبداء الأسباب وسوق الحجج والبراهين الدامغة من جهة أخرى.

الأستاذ إبراهيم حميدان أثناء تقديمه للمحاضرة (تصوير: سالم أبوديب).
الأستاذ إبراهيم حميدان أثناء تقديمه للمحاضرة (تصوير: سالم أبوديب).

من هذه النقطة تماما انطلقت المحاضرة التي دعت إليها الجمعية الليبية للآداب والفنون للباحث ابراهيم حميدان، وذلك ضمن برامج الجمعية وفي موعد استثنائي احتضنته صباح السبت الموافق للسابع عشر من الشهر الجاري دار الثقافة والتراث بشارع ميزران وسط حضور نخبوي أثبت أن الأفكار لا تموت ولا تنتهي بانتهاء أصحابها وتأكيداً لجدوى الثقافة في معركة التقدم.

الأستاذ رضا بن موسى مدير الجلسة أفتتح كلمته المقتضبة بالترحيب بضيوف المحاضرة وتقديم الشكر للجهات الداعمة لأنشطة الجمعية مثل مكتب الثقافة طرابلس ومؤسسة آريتي للثقافة والفنون التي يترأس مجاس إدارتها الشاعر الليبي خالد مطاوع، كما ذكّرَ بأن الكاتب ابراهيم حميدان كاتب للقصة القصيرة والمقالة وصدر له كتابان أحدهما في القصة القصيرة والثاني يضم مقالات في الأدب والنقد، كما أنهُ يتقاطع ويلتقي مع النيهوم – بحسب مقدم النشاط – في الرؤية النقدية الساخرة، المُحاضر من جهته حال استلامه لمكبر الصوت وبعد التذكير بالعنوان ذكَّرَ بالمجالات الأدبية التي تحرك في نطاقها النيهوم وهي النقد الأدبي والترجمة والمقالة الأجتماعية والفكرية والقصة والرواية، فيما اطل للمرة الأولى على القراء من خلال صحيفة الحقيقة منتصف الستينيات وبشكل لافت ومُركز وهذا استدعى من الدكتور علي فهمي خشيم لأن يدبج مقال بعنوان “الظاهرة النيهومية” سنة 1968 مثلما رحب بإطلالته الكاتب أحمد ابراهيم الفقيه، وفي سياق الحديث عن النيهوم أستعرض الباحث أراء كل من الكاتب اللبناني سمير عطا الله الذي عمِلَ بصحيفة الحقيقة وكذلك برأي الكاتب عمر الككلي.

يستمر الأستاذ ابراهيم حميدان في إلقاء محاضرته التي تواصلت لساعة أو أكثر بقليل من خلال ورقته التي أعدها مع الخروج عنها كلما تطلب السياق ذلك لتوضيح نقطة أو للتوسع في سرد معلومة وشرح موقف، ولرصد الأراء النقدية التي تناولت كتابات النيهوم تطلب ذلك تقسيم هذه الكتابات والحديث عن عناصرها الداخلية عنصرا عنصرا، حيثُ بدأ بأسلوب الكتابة عند النيهوم وهو أول ما شدّ القُراء وحظيَ بإعجابهم واستحسانهم لما فيه من جدة وطرافة وغرائبية وصور براقة لم تكن مألوفة من قبل وهذا عكس بجلاء شخصية النيهوم المتمردة وروحه الثائرة وتوجهه النقدي وهذا ما أكد عليه فيما بعد الكاتب أحمد إبراهيم الفقيه الذي حلل بعض كتابات الراحل التي يمتزج فيها السرد بالمقالة بالقصيدة وصنع لنفسه بهذه الخلطة أسلوبا يخصه عالج به القضايا المختلفة بشكل مدهش وجذاب وموجع وحارق في ذات الوقت.

إلى أن يصل الباحث في إطار تلاوته لمحاضرته إلى استعراض أراء بعض ممن امتلكوا رؤية مغايرة حول كتابات النيهوم الساخرة مثل عمر الككلي الذي اعتبرها مرايا محدبة تضخم الصورة وتشوهها فيما يتعلق بالقضايا الأجتماعية ولم تكن ناقدة بقدر ما كانت منتقدة ولم تحمل منحى تنويري، وأتاح إنتاج النيهوم المتنوع والغزير – بحسب الباحث – وتحركه في مجالات المقالة الأدبية والفكرية والأجتماعية الساخرة والقصة والرواية للقراء والمتابعين تشكيل أراء مختلفة حولها وهذا ما دفع بأحمد الفقيه إلى الكتابة عن كتاب النيهوم “من قصص الأطفال” وأخذ عليه ظلم العمل حين أطلق عليه هذا الأسم أولا لأن ما بداخله لا يمت لقصص الأطفال بصلة وثانيا لأنه عمل فريد يتميز بأجواء أسطورية عجائبية تغرس جذورها في الأرض عميقا وتمتد أغصانها وفروعها لتقبض على الواقع.

من محاضرة  الصادق النيهوم… عاصفة من سجال.. كيف تعاطى النقاد مع كتابات النيهوم؟ (تصوير: سالم أبوديب).
من محاضرة الصادق النيهوم… عاصفة من سجال.. كيف تعاطى النقاد مع كتابات النيهوم؟ (تصوير: سالم أبوديب).

ولا زال الباحث يرصد أراء الكتاب مثل خليفة حسين مصطفى وسليمان كشلاف حول هذه المجموعة وبين مادح وقادح تعددت الأراء واغتنت القراءة، كما ذكَّرَ المُحاضر في هذا المضمار بأسئلة الكاتب رضوان أبو شويشة التي وجهها للنيهوم حول تأثره المباشر بالروائي الأمريكي همنغواي وتحديدا بترجمة منير البعلبكي للسيخ والبحر، وتشابه لغة “من مكة إلى هنا” مع ترجمة البعلبكي للشيخ والبحر، بناء على هذا التأثر واعتراف النيهوم بعد ذلك بهذا التأثر بعد محاصرته من قبل أبوشويشة بالأسئلة والألتقاطات النقدية الذكية في المقابلة التي أجرتها معه صحيفة الأسبوع الثقافي برفقة كل من عبدالرحمن شلقم وإبراهيم الكوني وفاطمة محمود عام 1978، ونوَّهَ الباحث برأي أبو شويشة في كتابات النيهوم آنذاك حيث وصفها بوشويشة بالغموض ووبأنها مغلقة ملغزة، لا سيما في كتبه “الحيوانات” و”القرود” و“نقاش”، ومثل هذا الرأي أعرب عنه الكاتب مازن أمين حول كتابات النيهوم ، الذ اعتبر كتابات النيهوم تفتقر إلى المنهج والرؤية الواضحة ، وتعاني الكتابة من تشوش فكري.

“جئتُ إلى هذا العالم لكي أجادل” تحت هذا العنوان رصد الباحث ولع النيهوم بالسجال والجدل والنقاش أو هذا ما تميز به وهو ملمح آخر من ملامح كتابته، ومن هنا اعتبر الباحث أن تحوير مقولة مكسيم جوركي “جئت إلى هذا العالم لكي أعترض” لتناسب النيهوم منطقية جدا “جئت لهذا العالم لكي أجادل”، هنا كان الوقت ملائما لعرض بعض أراء الكُتاب في النيهوم، فالنيهوم من وجهة نظر عطية الأوجلي شكّلَ وعي جيل كامل، والنيهوم حيادي وغير منتمي برأي سمير عطا الله، وثائر وعاصف في تصور أحمد إبراهيم الفقيه، وحول علاقة النيهوم بمجلة الناقد عاد الباحث وذكَّرَ بالعواصف التي أثارها علي صفحاتها بآرائه الجريئة وبالقدر الهائل من الرسائل الني كانت تصل للمجلة بشأن هذه الكتابات التي اختلف حولها الكثيرون كما يقرر رئيس تحريرها رياض الريس.

كما ذكَّرَ الباحث بحادثة نشر كتاب “الرمز في القرآن” على صفحات الحقيقة وما لا قاه ذلك من معارضة شديدة وردود أفعال على ما ورد به، الأمر الذي أجبر الصحيفة على وقف نشر بقية الدراسة، ويحكي في هذا الصدد عن ردة فعل الكاتب ذاته الذي بدا هادئاّ بخلاف ما توقع والسرد هنا جاء على لسان الفقيه الذي عاصر الحادثة وعاش بعض فصولها وبعد زيارته للنيهوم عقب اشتعال الأزمة في أحد فنادق طرابلس حيث كان يقيم.

ولا يزال الباحث ابراهيم حميدان يبحر بنا شمالا وجنوبا وشرقا وغربا حتى يضع عنوان “هل يعكس السجال الذي ظل يشعله النيهوم توجها حداثويا أم نزعة أصولية؟” قام الباحث إثر ذلك باستحضار كتابات نورالدين الماقني الذي رأى أن النيهوم لم يكن من استراتيجيته أن يعمل على توليد نسق فكري وهو ما يتفق معه فيه العوكلي الذي أكد على براعة النيهوم في رصد مفاصل الأزمات، غير أن الحلول المطروحة لهذه الأزمات لا ترقى إلى مستوى الأسئلة، وذات الرأي ذهب إليه الكاتب طارق القزيري ذات مقال، وفيما اعتبر بعض الكُتاب النيهوم حداثوياً اعتبره البعض الآخر أصوليا، مثل المفكر اللبناني علي حرب والكاتب منصور أبو شناف والكاتب السوري إبراهيم محمود، ولم يتوقف الباحث عن رصد بعض أراء الكُتاب الذين يرون ان النيهوم ظل بعيدا عن دائرة الحداثة وهذا ما قال به من فئة الشباب الكاتب أحمد البخاري بحجة ان النيهوم لم يقطع مع الماضي ولم يحاول نقده وتجاوزه وظل يكرره.

كثيرة هي الأفكار التي طُرحت في المحاضرة واستقبلها الجمهور بكل انتباه حتى وصلنا إلى نقطة استعراض بعض المآخذ المنهجية والعلمية على النيهوم والتي كانت في مقدمتها ما كتبه الكاتب امين مازن مبكرا حول خلو كتابات النيهوم من المنهج وافتقاد الكاتب لرؤية واضحة وذلك في مقالته التي عنونها بـ “أزمة المنهج عند الصادق النيهوم” سنة 1974 وهو الأمر الذي أكده النيهوم من قبل في كتابه “الرمز في القرآن” من أنه ليس لديه منهج معين ولا خطة من أي نوع، كما أشار الباحث في إطار ذكر ما له وما عليه إلى نقطة خلو الدراسات وكتابات النيهوم من ذكر المراجع والمصادر وهي النقطة التي يشير إليها الناقد احمد الفيتوري ولجوئه إلى الانتقائية بحسب حنفي، إذ كثيرا ما يذكر ما يؤيده في حين يُسقط ما لا يؤيده ويذكر ما لهُ ويغفل عن ما عليه بحسب تحليلاتهم.

– ”غموض وتناقضات في سيرته الذاتية“

ولأن السيرة الذاتية لأي كاتب هي جزء مهم ومكمل لمُنجزه كان من الصائب الحديث عن النيهوم من هذه الناحية حيثُ عرّجَ الباحث على بعض المعلومات التي لم يثبت صحتها حتى الآن رغم انتشارها بين الناس وعلى المواقع الالكترونية مثل نيل النيهوم للماجستير في المانيا والدكتوراه في أمريكا وعمله كأستاذ جامعي في جامعة هلسنكي أو في جنيف وإجادته لسبع لغات وغيرها من المعلومات الغير موثوقة والتي لم يعمل أحدا على إثباتها بالقرائن والبراهين، وهذا يسبغ هالة غير حقيقية من القداسة والتهويل حول شخصية الكاتب، واستشهد الباحث بما سرده النيهوم بنفسه حول دراسته في المانية ومصر خلال الحوار الذي أجرته معه الأسبوع الثقافي، واستحضر ما يفند بعض الأقاويل المتداولة حول سيرته العلمية، ليس طعنا في شخصية أو انتقاصا أو تقليلا من أهميتها بل بل لوضع الأمور في نصابها الصحيح وإظهار الحقيقة، وتتبعَ الباحث بعضاً مما أسعفه به البحث في الكتب المختلفة لتبيان الحقيقة وإعطاء ما للنيهوم للنيهوم وتجنبا للخطأ، وعدم حصول النيهوم على الشهائد التي تُنسب له بدون برهان لا يعد نقصا في تكوينه العلمي كما أوضح المُحاضر الذي أكد على تعليق أورده الكاتب نور الدين النمر من أنُ إذا كانت الجامعة الليبية قد خسرت استاذا أكاديمياً فإن الحياة الثقافية كسبت عبقرية أدبية ومبدعا مجددا.

وحول علاقة الكاتب الراحل بالسلطة ألمح الباحث إلى مهادنته لها سواء في العهد الملكي أو في ما تلاه كما اعتبره البعض، فيما اعتبره الكاتب رضوان أبو شويشة متهربا من الصدام المباشر معها بدليل أنهُ لم يتناولها مباشرة في كتاباته واعتبر الكبتي أن النيهوم رغم أرائه النقدية الصادمة لم يُضطهد ولم يُمنع من السفر ولم يصادر جواز سفره ولم يتعرض للمساءلة بأي شكل، وسرد من ثم الباحث علاقة النيهوم بالسلطة بعد سنة 1969 والتي لم تكن متعارضة بل أنها كثيرا ما انسجمت وسارت بهدوء بجانب بعضها البعض كحبيب وحبيبته بسبب ما أسبغته عليه السلطة من مزايا معنوية ومناصب، بل أن بعض افكار النيهوم بحسب الكاتب سالم العوكلي أقتربت كثيرا من أفكار القذافي التي تكررت في خطاباته.

ورصد الباحث العلاقة الشخصية ما بين النيهوم والقذافي وتطرق إلى الاتهامات التي توجه له حول كتابته للكتاب الأخضر وفقا لبعض الكتابات، وثمة رأي للككلي حول علاقة النيهوم بالقذافي استحضره الأستاذ المُحاضر للإحاطة بموضوعه أكثر.

ومن محاسن علاقة النيهوم بالسلطة حصوله على الدعم الكامل لإصدار عدة موسوعات علمية فاخرة سُخرت لها امكانيات كبيرة وكانت مشروعا تنويريا علميا وتجربة ثقافية غير مسبوقة يعود فيها الفضل للنيهوم، هذا ما أكد عليه الباحث في ورقته ليخلص في هذا الجانب إلى رأي قال به الكاتب عطية الأوجلي حول أنهُ ” تظل العلاقة الملتبسة بين النيهوم والقذافي بحتاجة إلى بحث رصين ومحايد لنعلم ونتعلم.

“المصيدة النيهومية”

هذا عنوان آخر تحدث عن أولئك الكُتاب الذين حاولوا تقليد النيهوم وتقمص أسلوبه دون أن ينجح أياً منهم في ذلك، وهذا كان مبعث انتقاد من قبل العديد من الكُتاب وعلى رأسهم على فهمي خشيم في مقالته الظاهرة النيهومية التي أشار لها الباحث من قبل، كما انتقدهم الكاتب سليمان كشلاف وأبو شويشة، وتحدث الباحث أيضا بالأسماء عن أولئك الذين أفلتوا من مصيدة النيهوم الذي تشتت مجهوده وتوزع ما بين المقالة والقصة والصحافة والعمل الإداري، ليخلص الباحث في نهاية محاضرته القيمة إلى عدة نقاط تختصر هذه الظاهرة وتضعها في إطارها الإبداعي والتاريخي الصحيح، حيثُ يُحسب للنيهوم تجديده على مستوى الكتابة الإبداعية والسردية كما يُحسب له تمتعه بالجرأة اللازمة في تناول القضايا المختلفة وقدرته على جذب شرائح مختلفة من الجمهور والتأثير المتجدد على الاجيال اللاحقة، كما ان تجربة إصدار الموسوعات العلمية مثل بهجة المعرفة وتاريخنا وصحراؤنا وغيرها من الموسوعات التي تعد إنجازا تنويريا يُضاف إلى مآثره، وهذا رأي الأستاذ المُحاضر الذي اعتبر أن الحديث عن النيهوم لا ينتهي والدليل أننا لا زلنا نتحدث عنه بعد مرور مايقرب من ربع قرن على وفاته التي صادفت الخامس عشر من هذا الشهر، عند هذه النقطة انتهت المحاضرة ليُفسح المجال لمدير النشاط الذي ألقى بدوره كلمة قصيرة أضاءت جوانب أخرى من مُنجز النيهوم قبل أن يُدلي بعض الحاضرين بإضافاتهم وأسئلتهم وآرائهم، حيث ألمح الكاتب يونس الفنادي من ضمن ما ألمح إليه وفي سياق علاقة الكاتب بالسلطة إلى خلو سيرته من أي موقف وطني لصالح المثقفين أو حتى الاعتراض عن سياسة معينة، كما تساءل الأستاذ أحمد الدويني عن الحظوة والمكانة التي حظيَ بها النيهوم دون بقية الكُتاب من قبل السلطة في محاولة لفهم آلياتها ومنطلقاتها، وعلق بعض الأساتذة الحاضرين بعد ذلك وطرحوا شيئا مما أوحت إليهم به المحاضرة متنوعة المحاور ومتعددة التفاصيل.

إذن هذا بعض مما جاء في المحاضرة وما دار بعدها من نقاش مثمر في أجواء علمية غامرة بالأحترام والتقدير،وهذا بعض مما تتيحه لنا الجمعية الليبية للآداب والفنون التي لا زالت محافظة على نسق العطاء الذي بدأت به واستطاعت أن تضع بصمة واضحة في المشهد الثقافي الليبي وترسخ أسمها بين الأسماء القليلة التي تعمل في المجال الثقافي اليوم ليس في طرابلس فقط بل في ليبيا كافة.

عن ناصر سالم المقرحي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى