كما لو أنهُ يقُص

غلاف كتاب كما لو أني.

غلاف كتاب كما لو أني.

 

ثمةَ ملمح أساسي في تجربة الشاعر الراحل أبوالقاسم المزداوي الذي اختطفه الموت في أوج عطاءه وفي قمة عنفوانه , ويبرز هذا الملمح بقوة ووضوح في ديوانه ” كما لو أني ” الصادر عام 2010 عن المؤسسة العامة للثقافة , وبصرف النظر عن القصائد الأخرى التي تتسم بالقُصر وبالقُصر الشديد وببساطة تركيباتها وصورها , ورهافة مفرداتها وإحاطتها بالحالة الشعرية واقتناصها للدفقة الغير متكررة , سنُركز على تلك القصائد التي جمعت ما بين الشعر والسرد ومزجت ما بين الحكاية والقصيدة في متن واحد أفاد من خصائص ومزايا النوعين فمن السرد استثمر الحدث الطفيف والزمان والمكان والشخوص والمُفارقة والفكرة والبناء المشهدي , ومن الشعر استثمر الرهافة والأختزال والإيقاع والمعنى والرمز , وفي الوقت الذي نستطيع أن نعد هذه النصوص قِصصاً قصيرة جداً , نستطيع أن نعتبرها قصائد أو حتى ومضات شعرية مستقلة , وما من عائق يمنعها من الأنتماء إلى الجنسين الأدبيين وعلى القارئ حتى تكتمل متعة القراءة أن يكون واعيا لهذه النقطة , ومع أن الشاعر على غلاف ديوانه قام بتجنيس نصوصه على أنها شعر إلا أن السرد غلب على العديد منها وشارك الشعر في الأستئثار بها أو تقاسمها معه دون وجود أي تعارض ودون أن ينفي أحدهما الآخر ولربما أضفى اجتماع السرد والشعر على النصوص مزيدا من التكثيف والعمق والجمال .
ولعلنا إذ نفتتح باب الأستشهاد من الديوان نشير إلى قصيدة ” أنت دائماً هكذا ” المُهاة إلى روح الشاعر الراحل علي صدقي عبدالقادر , وبعد أن يُعدد بعضا من صفات الشاعر وهواياته وعاداته .
أُشاطرك أرجوحة الريح
وأُقاسمك انتعال المدينة
السماء قبلتك
والنجوم قطعانك
التي
لا تنام
يا الطفل المتيم بأم
كل شوق
يطعمها قصيدة .
يلج الشاعر بنا صلب الحكاية إذ يقول :-
لكنك الطفل الذي
تمرس كثيرا
في غميضة اللعب
قبل أن يهدك
الشوق إلى أحضان أمك
دعني أهديك حكاية
ذات مطر
والفراشة تُطرز
أجنحة الفجر
صادفت في طريقها عاشق
دائم الطفولة
والقلق
سألتهُ
لماذا أنت دائماً هكذا
أجابها وهو يترصد
خيط مطر
لأصطاد حبة ماء
لأمي كي تولد المزيد
من العصافير
ضحكت الشمس
حتى استيقظ النهار
فامتطى الشاعر
صهوة الشمس
ليُكمل القصيدة .
ولنلاحظ الأستفادة من خاصية الوصف هنا في بداية الحكاية حتى وإن كان مقتضبا جداً وكذلك تسخير الحوار الذي هو أحد أهم خصائص السرد .
قصيدة ” رحومة ” قصة مكتملة الأركان بشخوصها واماكنها وأزمنتها وأحداثها , ف ” رحومة ” كان جندياً كأي جندي في الجيش سوى أنهُ كان قوياً وحريصا على التقاليد العسكرية ويحب أمه وزوجته وزهرة عباد الشمس , بُتِرت يده اليمنى ذات معالجته للغم قديم مزروع , ولكن دعونا لا نستبق الأحداث ونقرأ القصيدة من ألفها إلى ياءها لنقف على مصير رحومة وإلى ما آلت إليه أحواله :-
كأي عريف في الجيش
كانَ قوياً
ينهر الجنود المارقين
ويحرص على التقاليد
العسكرية . .
كان لا يأنس
إلا لثلاث
أمه وزوجته
وزهرة عباد الشمس
فقَدَ يُمناه أثناء
معالجته للغم
حربي قديم
فأحالوه على التقاعد
لعدم اللياقة
البدنية
ماتت امه
وكثُرَ عياله
وضاقت به السُبل
فابتنى كوخاً
لبيع الفحم
والبيض
وأمشاط العجائز
وظل يهمس لزوجته
كل فجر
أننا نبيع
عندما ينام الآخرون .
في حملة النظافة الأولى
مسحوا كوخه
فاحتمى بسياج الركام
وظل يداوم
على البيع تحت
مصباح الشارع القديم
وفي حملة النظافة
الثانية
مسحوا الركام
والبضاعة
فغادر المكان
وزهرة عباد الشمس .

الشاعر أبوالقاسم المزداوي

الشاعر أبوالقاسم المزداوي

وكما نرى هذه قصة قصيرة بنفس شعري .
وها هي ذي قصيدة ” ذكرى ” تنوس ما بين الشعر والسرد فلا تنتمي إلى هذا ولا إلى ذاك إذ نراها كقصة حين نعتقد أنها قصيدة ونراها كقصيدة حين نظن أنها قصة , فلا نعرف لها مقصداً , إلا أن الذي نعرفه هو انها اقتنصت دفقة الحنين التي انطوت عليها ذات الشاعر ورسمتها بشفافية :-
للقرية التي غادرتها
منذ زمن بعيد
رائحة الحزن
ولذكرياتها النزقة
مذاق الشوق
ولأترابي الذين
تركتهم على
قارعة الحلم
وقع أغنية قديمة
ولرائحة الخبز المُحلى
بنسائم الصباح
حلاوة القصائد .
وهذه حكاية أُخرى طفيفة يمكن بشيء من إعمال الخيال تصور شخوصها وأحداثها وحتى مكانها , ودائما ثمة شخصية تلعب دور البطولة حتى وإن لم يدمغها الشاعر بإسم معين كما فعل في قصيدة رحومة فالبطل هنا غير مُسمى :-
كان يمر بعربته
كل صباح
لجمع القمامة وتأدية
التحية العسكرية
على طريقة الماريشالات
وسط كوكبة
من الأطفال
الذين يجرون خلفه
ليجد متعة
في تقليد الجنرالات
بينما
يتلذذون
بالتعلق خلسة
في مؤخرة العربة .
وتُحيل كلمة كان التي يفتتح بها الشاعر قصائده إلى أن القص يدور في الزمن الماضي وإلى حكاية قادمة , كما في قصيدة ” هواية ” التي يقول فيها :-
كان يحب اقتناء الرُتب
والأوسمة والنياشين
كما انه يحب ارتداء
بزاة الضباط
القديمة
وكثيرا ما كان يقدم
استعراضا عسكريا
على هوامش الأحتفالات
الوطنية …..
ما أن بلغ سن التقاعد
حتى
فاضت روحه العسكرية .
وها هي إسراء التي تحمل القصيدة التالية اسمها :-
تكتب بداياتها
بحروف عشوائية
ترسم عرائس
بشعور خضراء
وسيقان عارية
كي تضحك
كثيرا
قبل أن تسألني
أين تضع
العراجين
ترفض رسم البحر
بحجة أن الإناء
الذي فوق
الطاولة لا يكفي
تشتهي أن
ترسم عصافير خارج الأقفاص
لكنها تحتاج
إلى
فضاء أوسع
من كراستها
تقف حائرة
أمام عرائسها
ونخيلها
وعصافيرها
التي
لا تستطيع
كراساتها وأقلامها الصغيرة
أن تصنع
لها غابة تليق بها .
هنا يصف الشاعر الصغيرة إسراء التي تضج روحها بالفرح والأمل والحماسة ويحكي أحلامها الغضة .
وهاته قصيدة / حكاية تتجاوز المعاني فيها كلماتها القليلة .
” أمنية “
نسيَ بأنهُ
حافي القدمين
فمشى مزهوا
وسط السوق
حامت عيناه
حول عراجين الموز
واشتهى
حمرة التفاح
تحسس جيبه
وعندما تذكر وصية أمه
أشترى بصلاً
و
ع
ا
د .
وهاته القصص لها نصيب وافر من الواقع كما نرى .
وها هي ” الحكاية الأخيرة ” وهو عنوان القصيدة وتأكيداً لوجود هذا الملمح في المجموعة الشعرية , ها هي القصيدة الومضة / القصة القصيرة جدا الأقصوصة تزهو بحكمتها التي تفيض عن كلماتها عبر هذا الحوار القصير جدا ما بين تمساحين :-
نظر التمساح
حوله قائلاً :
جُعنا
فأحابه
زميله مبتسماً
تذكر بأنني
تمساح مثلك . .
وبقدر ما في هذه الومضة من حكمة فيها من السخرية اللاذعة والتهكم المقصود والإسقاطات , هاته الحكاية التي نختتم بها مقالنا هذا , ولكن قبل ذلك دعونا نستعرض قصيدة ” الشيخوخة “
التي يقول عبرها الشاعر :-
محطة قادمة
نعرف
بأنها مملة .
وهي المحطة التي يوقن الشاعر بأنها مملة حتى حين لا يصلها لأن يد الموت اختطفته ولم تمهله ليعيش حالة الملل الذي يرافق الشيخوخة , وهذا يُذكر الإنسان دائما بقرب الموت .
ولا ننسى بطبيعة الحال ونحن نخوض في شعره أن نترحم على الشاعر والكاتب أبوالقاسم المزداوي ونستمطر شآبيب الرحمة عليه وندعو الله أن يتغمده بواسع مغفرته ورضوانه .

8 / 7 / 2018

عن ناصر سالم المقرحي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى