قمر “النجع” الذي أطفأته السياسة

 أحلام المهدي

برنامج رفاقة عمر.

برنامج رفاقة عمر.

رفاقة عمر أو “النجع”، برنامج تلفزيوني أراه كما يراه كثير من الليبيين بمثابة القمر الذي لا يظهر إلا في رمضان، لكن زخات النور التي يدلقها على أرواحنا تستمر حتى بعد انقضاء شهر الصيام، وبقدر ما نَسعَدُ بضوئه الأخّاذ الذي يداعب قلوبنا كل ليلة من ليالي هذا الشهر، بقدر افتقادنا لنوره كلما غاب، وكأنه طبق من “التمر” الحلو لا نفطر إلا في حضرته.

هذا البرنامج لا يشبه غيره من البرامج الأخرى، قد تابعته بشغفٍ وأنا لازلت تلميذة في المدرسة، و لم يخفت هذا الشغف أبدا بمرور السنوات، كلمات ليبية من عمق هذه الأرض، تحمل رائحة التراب، وتتغنى بالتفاصيل التي لا يدركها غيرنا.

طرقت أغنيات هذا البرنامج “باب الجار”، وقدّمت له “الذّوقة” بحُبّ وفرح، ورأى فيها الفنان الجميل سيف النصر “عين الصبر”، وشَهِد “موت الفحل” اللائم عليه، وفي أغنيات النجع أيضا وضعت التونسية نبيهة كراولي رأسها “عالمديد”، و”زعلت” المغربية لطيفة رأفت “أسبوع” لترضى بعد ذلك لأنها لن تحتمل “الزعل” لشهر كامل، وفي النجع أيضا تساءلت المصرية هالة محمود “لها وين بنلقى كفّاف”؟

وكان سؤال رمضان كازوز “ياغزيّل لمن”؟ جديرا بالإجابة، أما حسن منّاع فقد كان “مرايف على كحّة كبير العيلة”، ونوال غشّام تمنّت أمنية غريبة لن نجدها في أغنية أخرى “لو كان نلقى من يطول وريدي”، وكانت الراحلة ذكرى اللمسة السحرية التي داعبت أرواحنا بكلمات مثل “ما اطّيح يابيت امي”.

هكذا كانت أغنيات النجع، كلمات بزغت من ثنايا روح عاشقة لكل ما هو ليبي، ووصلت إلينا بأصوات ترجمتها كما يجب، فالتصقت بأرواحنا كما بذاكرتنا، لتحيد في السنوات الأخيرة عن مسارها الذي عهِدناه، والذي يجمع كل الليبيين دون استثناء، فتوجه تحية مثل “مسا الخير يا وطن أهلي وناسي” لبعض أهل الوطن دون البعض الآخر.

ففي مواسم السنوات الأخيرة من هذا البرنامج التراثي الكبير، غابت أصالة ليبيا وتراثها ليتم اختزالها في شخص أو نظام واحد يمثل فترة لا تذكر من تاريخ بلاد يمتد عمرها آلاف السنين، فتُفسِد السياسة هذا الجمال، وتحجب ضوء هذا القمر الذي اعتدنا رؤيته كلما أخذنا الحنين إلى وطن الأسلاف.

________________

نشر بموقع إيوان ليبيا.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى