قراءة في الرواية الليبية.. من كتاب أكسفورد «تقاليد الرواية العربية» (1/7)

بوابة الوسط :: بواسطة: محمد عقيلة العمامي.

كتاب تقاليد الرواية العربية.
كتاب تقاليد الرواية العربية (الصورة: بوابة الوسط).

أصدرت جامعة أكسفورد كتابًا بعنوان «تقاليد الرواية العربية» لوائل حسن، تضمن فصلًا عن الرواية الليبية حمل الرقم 17 حرره الدكتور على عبد اللطيف أحميده، وهنا ننشر ترجمة الكاتب محمد عقيلة العمامي لهذا الفصل.

ظل الشعر الشعبي الشفوي، والكتابة الأدبية الكلاسيكية التقليدية يهيمنان على الأدب الليبي حتى منتصف القرن العشرين. وبدأ النثر الحديث متمثلًا في القصة القصيرة عام 1936 ليزدهر في العقود الثلاثة التي أعقبت استقلال ليبيا عام 1951 واكتشاف النفط في 1958. ولعله من المفيد أن نشير إلى أن القصة القصيرة كانت هي النوع المهيمن خلال الستينات من القرن الماضي.

الروائيون الليبيون المستقلون والمنشقون في ظل نظام القذافي (1969-2011) لم يستطيعوا نشرأعمالهم، داخل ليبيا، فيما عانى أولئك الذين قاموا بذلك خارج الحدود من ضعف التوزيع وقلة المطبوع. في هذا الفصل سوف أتناول أصول الرواية الليبية، في سياق تطورها.

وعلى هذا الأساس سوف أناقش الروائيين الرئيسيين، المتمثيلين في المساهمات من الروائيات، وأولئك الذين أثر المنفى في إبداعهم. أنا أزعم أن الرواية الليبية تعكس فترات من التحول الاجتماعي المكثف على مدار القرن الماضي: أولًا، الفترة التي بدأت في ظل الاستعمار الإيطالي (1911-1943)، والتي كانت فترة من أعمال الإبادة الجماعية، النزوح، والمنفى، ثم تليها فترة قصيرة من الإدارة البريطانية والفرنسية حتى استقلال ليبيا عام 1951؛ أما الثانية ، فتغطي الفترة التي تبتدئ من بعد الاستقلال وخاصة بعد اكتشاف النفط الذي صاحبه جهد واسع النطاق لمحو الأمية ، والاتجاه نحو الرأسمالية، والتمدن، وصولًا إلى استيلاء العسكر على البلاد سنة 1969. أما الثالثة، فهي التي تميزت باستيلاء العسكرعلى البلاد، وهي حقبة القذافي (1969 – 2011).

دخلت التكنولوجيا على صناعة الطباعة، وسهلت رؤوس الأموال نشاط الطباعة فتوسعت تطلعات المجتمع الليبي في هذا المجال.. بحلول ذلك الوقت ، كانت الرواية الليبية متطورة ومتنوعة، تشمل موضوعات تتراوح بين ردود الفعل على الاستعمار الإيطالي (1911-1943)، وفقدان المجتمع التقليدي لملامحه، والفردية، والهوية، والاغتراب، والحداثة، والطبقة الجديدة وعدم المساواة بين الجنسين الناجمة عن اكتشاف النفط والتعليم والتحضر، والهجرة على نطاق واسع إلى المدن، ثم الحياة تحت الديكتاتورية العسكرية.

وليس من قبيل الصدفة أن تكون بدايات الرواية الليبية سنة 1961 متزامنة مع بدايات تصدير النفط، ليزيد هذا الزخم في السبعينيات، ثم يصبح قويًا في الثمانينات، يعكس واقعًا حضريًا أكثر تعقيدا.

لقد تناول الروائيون الليبيون مواضيع عالمية في سياق اهتمامات محلية وثقافية محددة ، فكان تميزًا فريدًا في تحضر ليبيا المتمثلة حينها في مجتمع هيمنت عليه منذ 1950 ملكية قوية، ومجتمعات جهوية، مع مدن كبيرة إلى حد ما، وإن كانت ضعيفة نسبيًا. وهكذا بمقدورنا القول إن الرواية – في ذلك الوقت – كانت نتاج مجتمع بورجوازي، بسمات رأسمالية واضحة الانتماء إلى الطبقة الوسطى، التي ظهرت وتطورت في المجتمع الليبي، من بعد الاستقلال، الذي اهتم كثيرًا بالتعليم.

أٌعلن استقلال في 24 ديسمبر 1951، وتوج الأمير إدريس السنوسيى ملك المملكة الليبية المتحدة، كملكية دستورية فيدرالية بعاصمتين وثلاث حكومات في ثلاث ولايات في المناطق الرئيسية في البلاد: طرابلس، وبرقه، وفزان.

كانت العائلات المتحضرة، وأيضًا شيوخ القبائل هما الطبقة العليا، وكان معظمهم من برقة. كانت الدولة الجديدة، التي سيطرت عليها، في البداية، العائلة السنوسية، واحدة من أفقر دول العالم، حيث يبلغ متوسط دخل الفرد فيها 35 دولارًا سنويًا، غير أن الدولة طفقت تجاهد لتوفير الإيرادات المطلوبة لميزانيتها.

كان هناك ستة عشر خريج جامعة فقط، ولا توجد مدارس ثانوية، ونسبة الأمية 90 % وثلاثة أطباء فرنسيين في فزّان، ثمانية عشر آخرين فقط في برقة ، وثمانين طبيباً في طرابلس، يخدمون في الأساس المستوطنين الإيطاليين البالغ عددهم 40.000 في تلك المنطقة.

بحلول عام 1954 أصبحت الملكية الليبية، في حاجة إلى المزيد الإيرادات، فاتفقت الحكومةعلى (تأجير) قاعدتين عسكريتين لبريطانيا – العدم في طبرق – وللولايات المتحدة الامريكية في – الملاحة في طرابلس – وبذلك توفر دخلًا ساعد كثيرًا في تحقيق الإيفاء بمتطلبات الميزانية، ناهيك أن الدولة الليبية الجديدة كانت تحتاج إلى حليف قوي لضمان أمنها والبقاء قوية في وجه المد المتصاعد من القومية العربية والإيرانية المناهضتين للاستعمار، خصوصًا بعد الثورات المصرية عام 1952، وحرب السويس عام 1956، وحرب التحرير الجزائرية، والثورة العراقية عام 1958، وقبل كل شيء، الرأي العام العربي المؤيد للفلسطينيين. ولقد تأثر ناشطون ليبيون من جيل معمر القذافي بموجة القومية العربية بالاستعمار. وفي وقت لاحق، في أواخر1960، ونزلوا إلى الشوارع، وشجبوا الملكية والنخبة القديمة لخيانة ليبيا، ونددوا بخيانة الكفاح الوطني الطويل الاستعمار، التي منحت له القواعد العسكرية.

واكتشف النفط سنة 1959 وتغيرالهيكل الاقتصادي والاجتماعي لليبيا. وما أن بدأت صادرات النفط سنة1961، حتى قفز دخل الفرد السنوي من 35 دولارًا في 1951 إلى 2000 دولار بحلول عام 1967، وأصبحت ليبيا رابع أكبر مصدر للنفط في العالم.

بحلول عام 1963، أدركت النخب الحاجة إلى نظام وحدوي للتغلب على العديد من المشاكل المرتبطة بالنظام الفيدرالي، مثل غياب التخطيط المركزي وصنع القرارالصائب له، وفي أبريل 1963، صوت البرلمان الليبي على دستور جديد يمنح للمرأة الليبية الحق في التصويت. وتوفرت وظائف برواتب جيدة في كل من طرابلس وبنغازي، واجتذبت حقول النفظ العديد من سكان الريف إلى هذه المدن، التي تضاعف عدد سكانها بحلول عام ، 1970 ثلاث مرات. وسكن الآلاف من الفقراء الذين قدموا من الريف في بيوت شيدت بالصفيح حول هاتين المدينتين؛ وبينما كان 80٪ من السكان يعيشون في المناطق الريفية عام 1951، هذه انعكست هذه النسبة بحلول عام 1967 ، وأصبح 80% يعيشون في المناطق الحضرية.

ولقد ظهرت طبقة عاملة صغيرة ولكنها جيدة التنظيم، في المدن، وقطاع النفط. وبدأ النظام الملكي برامج التحديث في التعليم والصحة والنقل، والسكن. وتأسست جامعتين جديدتين في بنغازي وطرابلس، وفّرت فرص التعليم للراغبين كافة.

بحلول أواخر 1960 أدت السياسات التعليمية الجديدة إلى صعود طبقة وسطى جديدة من الموظفين، وبدأت حركة طلابية، وطبقة عاملة صغيرة، ونقابات عمالية، ومفكرين حديثين. وزاد، على سبيل المثال، عدد الطلاب في جميع مستويات التعليم من 33000 في عام 1952 إلى 300000 في عام 1970.

كانت فوزية غرور أول امرأة تخرجت في الجامعة الليبية عام 1958، ومن بعدها فتحية مازق، ابنة رئيس الوزراء حسين مازق، التي تخرجت عام 1961. في عام 1965، تشكل الاتحاد النسائي الليبي، الذي نشر العدد الأول من مجلة المرأة التي أثرت كثيرًا في النهضة النسائية.

واليوم بلغ معدل معرفة القراءة والكتابة نسبة 82 %، وعدد النساء بمقاعد التعليم العالي في ليبيا أعلى من الرجال. وتبوأت المرأة الآن مقاعد قيادة الطائرات، ومنصات القضاء، والمعامل العلمية، والتدريس ووصلت حتى المناصب الوزارية.

إن هذا التقدم لم يمنح لها، ولكنها حاربت من أجله عبر مناشطها. بعض النساء تعلمن في المنفى؛ في لبنان، سورية، ومصر وكن مدعومات من قبل سياسات الأنظمة كافة من بعد الاستقلال. وفي وقت مبكر برزن ناشطات في مجال حقوق المرأة، مثل: حميدة العنيزي، سالمة ظافر المدني، خديجه عبد القادر، وخديجه الجهمي، جميعهن ركزن على حقوق تعليم المرأة، خاصة من بعد الاستقلال سنة 1951. وبأواخر سنة 1970، ظهر جيل ثانٍ من الناشطات الليبيات يدعمن حقوق النساء في الحصول على التعليم والوظائف والمهن منتقدات، من خلال المقالات الصحفية، والقصة القصيرة، والرواية، وهيمنت أسر بعينها على هذه المجالات.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى