قراءة في الرواية الليبية.. من كتاب أكسفورد «تقاليد الرواية العربية» (7/7)

بوابة الوسط :: محمد عقيلة العمامي

تنشر «الوسط» الجزء السابع والأخير من ترجمة الفصل السابع عشر من كتاب «جامعة أكسفورد» بعنوان «تقاليد الرواية العربية» لوائل حسن، وهو الفصل الخاص بالرواية الليبية، الذي حرره الدكتور علي عبداللطيف إحميدة، ويترجمه محمد عقيلة العمامي.

من بعد العام 1976 ارتفعت وتيرة وحشية ديكتاتورية القذافي لتستمر أربعة عقود. تم إسكات الكتاب الليبيين المعارضين أو سجنهم أو إرغامهم على النزوح. ولعله من المفيد الانتباه إلى أن مفهوم النزوح أو الهجرة، أو حتى المنفى متجذر في الذاكرة الإسلامية، ولعل هجرة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، من مكة إلى المدينة المنورة في القرن السابع تعد أهم الهجرات في التاريخ الإسلامي. مفهوم الهجرة في الذاكرة الليبية تجذر بوصف رحلة آلاف الليبيين من فظائع الاستعمار الإيطالي.

ولعل الفترة الأكثر وحشية في عهد القذافي كانت بين العامين 1977 و1988، وهي التي يصفها الليبيون بـ«السنوات العجاف» العام 1988، وكان النظام يروج لفكرة مفادها بأن حرية الليبيين بدأت بالفعل العام 1969.

الناقد منصور بوشناف
الناقد منصور بوشناف

بحلول العام 2000، بدأ الكتاب الليبيون نشر روايات عبروا من خلالها عن وجهات نظر عن الملكية والسنوات العجاف، فنشرت في بنغازي وطرابلس على التوالي رواية «سريب 2001» للناقد الأدبي والسجين السياسي السابق أحمد الفيتوري، مواليد 1954، ورواية «العلكة» سنة 2008 للكاتب المسرحي والسجين السابق منصور بوشناف، مواليد 1953، في بنغازي وطرابلس، على التوالي.

روائيون ليبيون وُلدوا في المنفى مثل هشام مطر، وُلد 1970، الذي كان والده دبلوماسياً ومعارضاً نشطاً، كان قد سجن ثم اختفى.

عاش مطر في ليبيا لفترة قصيرة فقط ثم اضطر لمغادرتها إلى مصر، ثم بريطانيا حيث تلقى تعليمه هناك، واتقن اللغة الإنجليزية، ليكتب بها روايته «في بلد الرجال»، سنة 2006، ثم «تشريح الاختفاء» سنة 2011 ، فنال بهما تقديراً دولياً خارج ليبيا والعالم العربي، حتى وصلت روايته الأولى النهائيات لجائزة البوكر الشهيرة. رواياتاه تناولتا التشرد وعذابات المنفى، ناهيك عن حياة تحت الخوف والقمع السياسي. ثم نزوح عائلته وتشردها في ثلاث قارات، صورها بعين طفل غاب عنه والده، ولم يغب عنه نضال والدته.

الروائي هشام مطر أرشيفية عن الشبكة
الروائي هشام مطر أرشيفية عن الشبكة

وآخرون أُجبروا على الهجرة والعيش في المنفى، مثل مجاهد البوسيفي، مواليد 1960، الذي كتب رواية سنة 2013 أعطاها عنوان «أزاتسى» وهو اسم مركز اللجوء الهولندي. والرواية سيرة ذاتية تتمثل في بطل روايته، وهو صحفي شاب يدعى سالم ناجي، جاء إلى طرابلس من الضواحي للدراسة والعمل. يغير المؤلف قليلاً من أسماء الكتاب الليبيين الذين عاصرهم، وكذلك أسماء المقاهي والمطاعم في طرابلس. تبدأ الرواية في العام 1988، عندما أطلق القذافي سراح السجناء السياسيين لتجنب الانتفاضة، ويقدم إلينا سرداً مفيلاً عما اُصطلح عليه بالغربة داخل الوطن، وإعادة سلطة القبلية داخل المدينة، وتشويه الحياة اليومية.

ثم يصور بطل الرواية المرأتين اللتين أحبهما المؤلف كم كانتا حنونتين. ويسرد ملاحظته الدقيقة حول ما هو فريد حول الثقافة الليبية والحياة اليومية، مثل طريقة الليبيين طهي طبق المعكرونة التي تسمى «المبكبكه»، طريقتهم في تعاطي الكحول، أو الطريقة المجنونة التي يقودون بها سياراتهم. وبسبب خوف المؤلف على حياته، يقرر بطل الرواية الرحيل، فيتقدم بطلب اللجوء إلى هولندا. وينتظر عاماً كاملاً في مركز «أزاتسي» مع طالبي اللجوء الآخرين من العالم العربي وبقية العالم العالم الثالث.

الخاتمة:

الرواية الليبية متنوعة وغنية، ولها الآن ملامحها الواضحة، لأنه حيثما يوجد الروائيون نجد الإجابات عن الأسئلة العالمية المتعلقة بمعنى الحياة وهدفها، والسعادة، والهوية، وكيف يتسنى لنا ان نكون حضاريين في سياق مأسي تاريخهم الحديث.

فيما يظل آخرون ينظرون بريبة للحداثة، لدرجة رفضها معتقدين أنهم بذلك يحمون قيمهم الأخلاقية والمعنوية، والسعي نحو احتمالات جديدة تتجاوز الاستعمار والقومية والديكتاتورية.

كانت رواياتهم في البداية، سردية بوجهات نظرمضادة ومنتقدة لنظام دولة ليبيا التي يرون أنها متخلفة وتقليدية، ومهمة فقط بسبب النفط والقذافي. ثم قدموا للقراء أحلاماً لمجتمع المستقبل حديثاً ومتنوعاً ومتكافئاً.

*وفي العموم الروائيون والروائيات، في المشهد الليبي، يعطون صورا بديلة للواقع الليبي العنيف والقبيح الآن، وهم يجددون الأمل، والتفاؤل من خلال رواياتهم للغد القادم عبر الحلم والخيال الابداعي الجميل. الرواية الليبية هي الآن على الجانب المضيء في الواقع الليبي المتأزم *

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى