قراءة في الرواية الليبية.. من كتاب أكسفورد «تقاليد الرواية العربية» (3/7)

بوابة الوسط

تواصل «الوسط» نشر ترجمة الفصل السابع عشر من كتاب جامعة أكسفورد بعنوان «تقاليد الرواية العربية» لوائل حسن، وهو الفصل الخاص بالرواية الليبية، الذي حرره الدكتور علي عبد اللطيف إحميدة، ويترجمه محمد عقيلة العمامي.

7 – الروائيين الرئيسيين: إبراهيم الكوني

الروائي إبراهيم الكوني.
الروائي إبراهيم الكوني. الصورة: عن ليبيا المستقبل.

من مواليد 1948 ويُعد أشهر روائي ليبي، نال جوائز عربية ودولية، ويعتبر من أهم الروائيين العالميين الأن . ولد الكوني وتلقى تعليمه في فزان، اقليم جنوب ليبيا الصحراوي. عمل كصحفي قبل أن يرحل إلى الاتحاد السوفياتي ، ليدرس الفلسفة والأدب في معهد جوركي في موسكو عام 1977. عمل كدبلوماسي ليبي في موسكو، وارسو، وسويسرا. عاش معظم حياته في أوروبا ، مثل صادق النيهوم، وعديدين من جيل الستينيات. بدأ الكوني مسيرته الأدبية بالقصة القصيرة، وكانت أول مجموعة له هي (الصلاة خارج نطاق الأوقات الخمسة سنة ) 1974. منذ ذلك الحين نشر سبعة وسبعون كتابًا ،منهم حوالي أربعين رواية تم ترجمتها إلى أكثر من خمس وثلاثون لغة. وتعد روياته الثلاث المبكرة: (التبر1990) و (نزيف الحجر 1990) ، ثم (المجوس )1991 التي تعد الاروع، هذه الروايات ما جعلن منه مؤلفا ليبيا بارزا.

هناك أربعة عوامل رئيسية تُميز السياق لروايات الكوني: أولاً ، لابد من الوعي بإتجاه خاطئ قد يقودك لقراءة أعماله بعيون استشراقية غربية، ووله غرايبي سياحي، وبعدسة كاتب بدوي من الطوارق وظف بيئية التاريخية. ثانيا ، والاهم هوفهم أعماله وتوظيفه إلى العديد من الملاحم والأساطير الصوفية والعربية وتلك التي تشكلت في وجدان الطوارق من خلال نقد مادي ، للثقافة الرأسمالية التجارية الاستهلاكية. إن الروايات الثلاثة السابق ذكرها تقدم للقارئ البئة الصحراوية؛ بحيواناتها، ونبتاتها، بأًنسها وجنّها، متعايشة متساوية مع بعضها البعض. ثالثًا، وبسبب دراسته للأساطير والملاحم التاريخية، وقناعته، بسبب انتمائه إلى ثقافتها، يرى أن من واجبه المحافظة عليها وتطويرها إن لم نقل اختراع بعضا منها.

ورابعا يعترض على وجهات النظر الاستعمارية تجاه القناعات القومية ببيئتها الصحراوية، ويرى انها تتعارض مع فكرة التطور من خلال التكنولوجيا الحديثة، إذ يراها شكلا من اشكال الجشع واستغلال الإنسان والحيوانات والنباتات. إنه يعيد تقييم الحداثة من خلال التشكيك في افتراضاتها ، لكنه يعلم أنه من الصعوبة بمكان للعودة إلى الماضي، وأن الدمار قد تم بالفعل. ويرى الناقد الليبي أحمد الفيتوري أن روايات الكوني هي تابين يبدو وكأنه مديح، للمجتمعات الصحراوية والحضارات التي بادت ( 2005 ، 127-128 ).

خليفه حسين مصطفى ( 1944-2010)

الكاتب الراحل خليفة حسين مصطفى.
الكاتب الراحل خليفة حسين مصطفى.

إنه احد اوائل كتاب الرواية في ليبيا، ولقد بدأ ككاتب قصة قصيرة، مثل الفقيه و الكوني. يشترك مع الفقيه في رؤيته لتأثير النفط والاستعمار الجديد، وتأثيرهما في التغيرات الاجتماعية التي طرأت على المجتمع الليبي، لكن من دون حبكة روائية تربط الاحداث بالخارج، كأن تكون هناك اتصالات، أو علاقات، او مواجهات خارج ليبيا، كما هو الحال في ثلاثية الفقيه.

ما يميزه عن الروائيين الليبيين الآخرين هو ميله نحو تحريض المجتمع ودفعه نحو الحداثة الاستفزازية ونقد واضح للمتعارف عليه والقيم التقليدية. وقد نشر خمس روايات انتقد فيها المسكوت عنه من المحظورات الاجتماعية، والدينية والجنسية في المجتمع الليبي: (المطر والخيول الطينية 1981) ، ( عين الشمس 1982) ، (ليالي نجمة ، 1990) ، (الجريمة 1993 ) ، (الأرملة والولي الاخير 2000) وفي تقديري أن روايته ( ليالي نجمة ) المكونة من مجلدين هي الأطول والأكثر حبكة.

تجري أحداث الرواية بماخور شارع بن عمران في طرابلس وتحديدا المدينة القديمة، خلال الفترة من 1951إلى 1956، ففي ذلك الوقت كان البغاء رسميا، والخمور تباع بالقانون وفي متناول الجميع، وتشرف الدولة عليها وتنظمها. الرواية تتناول المسكوت عنه في عالم البغاء وعلاقاتهم بعملائهم (نجمة ) وهي بطلة الرواية، وتكمن جراءة الكاتب في جعل بغى شخصية ايجابية وانسانية، تحضرها الشرطة من السجن إلى الماخور يوم 24 ديسمبر 1951، وهو يوم عيد استقلال ليبيا، ثم تغادره بعد خمس سنوات، على اثر فقدان (عبد الله) رجل الشرطة الصارم حد الوحشية لوظيفته في أواخر 1956. (فطيمه، و مريومه، ورمانا، وصوفيا) هن بنات هوي من شخصيات الماخور، الذي يضم، فيما يضم القوادين، ورواد المأخور من مختلف الطبقات، بالإضافة إلى رجال الشرطة، والمواطنين،. والملاحظ أن الرواية لا تقدم النساء في الرواية كضحايا مغلوب على امرهن فقط، مثل – ربات بيوت ذلك الزمن – بل كشخصيات رافضة حد الاعتداد والاستقلال بالرأي والمقاومة.

تعد الرواية رصد رائع لتأريخ حياة اجتماعية لمجون معلن في جزء من مدينة طرابلس، ولقد سردت احداثها بسياق ورمز سياسي واضح، وبينت أيضا صراع الاستقلال الليبي الوطني، وتناولت وصاية الجيش البريطاني وحكمه لطرابلس، الذي استمر منذ سنة 1943 وحتى نهاية 1951، وكذلك تحالفه مع نخب بعينها للسيطرة على دولة ليبيا الجديدة مستبعدة أحزاب المعارضة، وتعاقدها على القواعد العسكرية التي أصبحت، حينها حاسمة خلال الحرب الباردة. تقدم رواية خليفه حسين مصطفى، باختصار شديد، نقدًا اجتماعيًا وسياسيًا من خلال حياة البغايا فضلا عن التسويات السياسية من النخب المدنية والملكية السنوسية من اجل استقلال ليبيا؛ وهكذا بمقدورنا أن نعتبر رواياته السابقة على أنها تدريبا وتمهيدا لهذه الرواية الرائعة.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى