قراءة في البنية والدلالة في قصص أحمد يوسف عقيلة .. (الجراب -عناكب الزوايا العليا – الحرباء)

اشتيوية حسين بن محمود

التعريف بالكاتب:

هناك عدة طرق للتعريف بالقاص أحمد يوسفعقيلة، سواء كان ذلك على طريقته الخيالية والتي تفضي إلى جمال الواقع، أو من خلال المتوسطاتالقرائية أو ما كونته من رؤية خاصة، كل ذلك لا يهم لأن الجميع يتفقون على تميزهوتفرده.

القاص أحمد يوسف عقيلة.
القاص أحمد يوسف عقيلة.

أحمد يوسف عقيلة قاص ومدون وباحث في التراث الشعبي الليبي، ولد عام 1958م بأحد نجوع الجبل الأخضر، بالقرب من مدينة البيضاء، تحصل على الشهادة الثانوية بالقسم الأدبي، وهو عضو برابطة الأدباء والكتاب الليبيين.

قرأ لعدد كبير من الأدباء والمفكرين منهم الصادق النيهوم، والكاتب الروسي تشيكوف، فمزج بين موروثه وما اكتسبه من قراءاته المتنوعة، ومن هنا كانت انطلاقته لكتابة الأدب وربما كان اكتشاف لذلك متأخرا فقد اشتهر على المستوى المحلي خلال تسعينات القرن الماضي، ومن أبرز مؤلفاته: الخيول البيض/قصص.1999ـ غناء الصراصير/قصص 2003ـ حكايات ضفداز/2006ـ قاموس الحكم والأمثال الليبية/2006ـ …إلخ).

وقد ترجمت مجموعته الخيول البيض إلى اللغة الفرنسية، وتلقى العديد من الجوائز منها:

1ـ جائزة المسابقة الخاصة في مسابقة نجلاء محرم للقصة القصيرة عام 2008.

2ـ جائزة الفاتح التشجيعية 2010.

3ـ جائزة ناجي نعمان العالمية 2010.[1]

التعريف بقصصه، وعلاقته بها:

أول، ما يواجهنا في قصص القاص أحمد يوسف عقيلة، تصوير البداوة في قالب جميل، أو ما عبرت عنه بجمال البداوة، فقد حاول الانطلاق من واقعه، وصب جل اهتمامه على البيئة بما فيها، فجاءت قصصه على لسان الحيوان، قمة الإثارة والتشويق، ولا يمكن الانفكاك من أسر كتاباته إلا بإنهائها، وبالوقت نفسه يجعلك مشدودا لها أكثر فأكثر فتأملاتها لا تنتهي، كل قراءة تضيف إلى سابقتها، ولا يمكن قراءة نصوصه قراءة استهلاكية، بل إنها قراءة فاعلة تولد لذة لا تنفصم تحفزك على التفكير مليا بما قرأته ويصح على نصوصه مقولة رولان بارت:” النص فضاء افتتان “.[2]

الجو العام للمجموعات القصصية:

في مجموعته القصصية (الجراب)، نجد فيها سيرة النجع تنساب انسيابا كالمياه العذبة التي تنبع من كل صوب فلا يمكنك تحديد مسارها، وأينما أخذتك وجدت نفسك مبتهجا. أما في مجموعتيه (عناكب الزوايا العليا) و(الحرباء)، نجده يتناول فيها بعض القضايا المهمة، كقضية المرأة، والتلاعب بالدين، والطبقية، وغير ذلك، فيطرح أفكاره مغلفة بمتعة القص، فنتشربها دون أن،نحس، فنجد القصة تتخللها فكرة معينة ومن تم يلخصها في سطر أو عبارة غالبا ما تكون في نهايتها .

العتبات النصية، والنصوص الموازية:

كأنما لا شيء يوضع عبثا في قصص أحمد يوسف عقيلة، فنصوصه أشبه بلعبة الأحجية التي لا تتكرر فيها قطعة، كما أن نقصان إحداها يؤدي إلى خلل ما، فنصوصه تتمة لعتباتها، حيث إنها تأتي معبرة عنها، فلا نستطيع تصورها مع عناوين أخرى، وتتميز عناوينه أيضا بالوضوح والعمق والاختصار، وهذا ما نفتقده في بعض الكتابات الأخرى، فنجد عناوينه مع نصوصها في متناول الجميع وعصية عليهم في آن، فمن قرأها قراءة سريعة ولو اقتصرت على العناوين، لن يعود خالي الوفاض، ومن تعمق فيها نال الكثير والكثير، ومن أمثلة هذه العناوين في مجموعتيه عناكب الزوايا العليا والحرباء (امرأتان) هذه القصة التي تنتهي بسطرين،يلخصان كل ما كتب قبلهما ويؤكدان على العنوان”…مع تقدم المساء.. كانت امرأة في ثوب أبيض .. تحف بها الزغاريد.. وتشدها الأيدي .. تخطو بحذر عبر طريق موحل لزج.

وامرأة أخرى .. وحيدة .. تراوح في خطاها .. ونظراتها .. بين العرس .. وطفل يغرف ماء البركة بالغربال .. وتنور خامد .. وثلاثة أرغفة محترقة.”، ومنها أيضا: الجوكرـ صلوات ـ التراب الوطني ـ الهمزة ـ الطبخة، أما مجموعته الجراب فهي تحوي عنوانا رئيسيا فقط، ومقسمة من الداخل إلى فقرات عددها 93.

من يقرأ قصص أحمد يوسف عقيلة تستوقفه النصوص المختارة التي يستعملها القاص كمفاتيح للولوج إلى النص، والتي ترتبط بالنص بشكل أو بآخر أحيانا تتضح علاقتهما، وأخرى ليس بالوسع اكتشافها، ففي مجموعته الجراب يردف الإهداء بمقولة للروائي يحي حقي “التحدث عن النفس .. يا له من لذة ساحرة .. تواضعها زائف”، بتأمل هذه العبارة يتبادر إلى الذهن حديث القاص عن نفسه في هذه المجموعة، إلا أنه يهمس إلى ذلك ولا يبين ولا نستطيع القول أنها سيرة ذاتية لأنه أدرجها تحت جنس القصة، ويبدو لي أنه من أبسط حقوق الكاتب هي احترام رغبته في تجنيس نصوصه، أما في مجموعته عناكب الزوايا العليا فنجده يبتدأ قصة الجوكر بنص لأدونيس “أن تكون بلا سر.. سرا أيضا ! ” فالعلاقة هنا بين النص الموازي والنص الأصلي غائمة بعض الشيء، إذ لا علم لي بقواعد هذه اللعبة، فهذه القصة من أطول قصص المجموعة والتي دقق فيا على تفاصيل لعبة الهاند، مما يجعل النص الموازي قابلا لتأويلات عدة، وإلا فلماذا اختار هذه القصة بالذات ليتصدرها نص أدونيس دون غيرها من القصص ؟.

يطول الحديث في هذا المجال إذ أن المقام لا يسمح بذلك لضيقه وشموله، إلا أن هذه النقطة تحتاج لبحث منفصل لإيفائها حقها من حيث الدراسة والتتبع.

التقنيات والأساليب :

من حيث البنية:

 مجموعة الجراب كانت عبارة عن لوحات متفاوتة بالطول والقصر ولم تعطى عناوينا بحيث تكون منفصلة، ولكنها تكون كذلك في بعض الأحيان، ونلاحظ في مجموعته عناكب الزوايا العليا، تقسيم المجموعة إلى قصص معنونة، ثم تقسيم هذه القصص إلى فقرات باستخدام الأرقام أو الأحرف الهجائية وقد اتبع طريقتين للتقسيم بالأحرف إما أن يستخدم أحرف العنوان كما في قصة (ثقب) أو ما يرادفه من معان كما في قصة (الروح السابعة) حيث استخدم الأحرف المتقاطعة كالتالي (أ ـ ل ـ م ـ س ـ ك ـ و ـ ن)،والتي تعطي كلمة المسكون بتجميعها علما بأنه يتحدث فيها عن الشيطان الأسود، أما مجموعة الحرباء فلا تختلف كثيرا عن المجموعة السابقة من حيث العنونة والتقسيم، كما نلاحظ فيها اقتصاده في الكلمات، مما يؤدي إلى عدم إدراك المغزى في بعض الأحيان، فقد تقرأ القصة ولا تظفر إلا بالقليل، وقد تغمرك النشوة بعد قراءة قصة ما. أما فيما يخص اللغة فنجده يلتزم بالفصحى مع التنوع في الكلمات، حيث تتخللها العامية في بعض الأحيان خصوصا فيما يتعلق بالحوار كما في قصة الجوكر:

“ـ الورقة عليها لطخة.

ـ أحححح.. هذا أحسن.. الشهادات المزيتة أفضل م الشهادات الجافة.. الزيت يخليها تمر بسرعة في الدوائر الحكومية!..

وانفجر ضاحكا..

يبدو أن الضحكة قد قصرت عن التعبير عما يجيش في صدر المختار.. فذيلها بصرخة قصيرة.”، بينما نجده يهمش لتلك الكلمات العامية إذا ما كانت تستعصي على الفهم ومثال ذلك : أبوعمايا في قصة الجوكر : التسمية المحلية للخلد، طريق سارق التبن : التسمية المحلية لدرب التبان، أبوزوية : التسمية المحلية للحلزون.

من حيث الأسلوب:

تمتاز مجموعته الجراب بالبساطة والوضوح، بعكس الحرباء والتي يشوبها بعض الغموض كما أسلفنا، وتأتي عناكب الزوايا العليا متوسطة ما بين الوضوح وعدمه،

عندما نتحدث عن أسلوب القاص أحمد عقيلة يقفز إلى الذهن أسلوبه التهكمي ونقده اللاذع الطريف في مواجهة واقع قاس، وخاصة في وصفه للأماكن وما فيها من أشياء وأشخاص، فيصف الشخصية الرئيسية في قصة تظاهرة قائلا : ” يتعثر بسبب أرضية الحذاء المفكوكة .. التي تلتوي عندما يلامس طرفها الأرض … انتشل سرواله قليلا .. ليخفي الزر العلوي المقطوع تحت طرف القميص.” كما يصف المكان في قصة الجوكر قائلا: ” في الخلفية .. دكان خضروات .. تحمل واجهته لوحة معدنية باهتة .. مكتوب عليها بخط صاحب الدكان نفسه (جنة الخضروات).. تتدلى تحتها مباشرة ربطة معدنوس ذابلة .

على يسار الخضراوات مجزرة .. تحمل هي الأخرى لافتة معدنية بخط أحمر (دنيا اللحوم).. ويتدلى في المدخل رأس جدي .. يعض لسانه.. ويلتف حوله الذباب.” كما يصف الجمعية قائلا: “البضائع مكدسة في فوضى غريبة .. الدقيق بجانب الصابون .. البوطاس تحت البن .. الحلوى فوق الزيت .. والملح فوق الجميع .. كانت الجمعية في حاجة إلى معجزة لتعيد الأمور إلى نصابها”.

من، حيث التقنيات:

في كثير من الأحيان لا يعرفنا القاص على الراوي لتسلسل الحدث، فيكون مجهولا، حيث إننا نخفق في تحديد ما إذا كان جمادا أو كائنا حيا،أو نباتا إلى غير ذلك من الأشياء، راوي يتماهى مع كل شيء دون أن يحدد هويته،يقف بعيدا ويسجل دون أن يتدخل في تنامي الحدث، وفي بعض الأحيان يكون الراوي هو الشخصية الرئيسية نفسها، كما في قصة (البندقية)، هذا فيما يتعلق بمجموعتي عناكب الزوايا العليا والحرباء، أما مجموعة الجراب فجلها جاء بضمير المتكلم، كما نراه يستخدم بعضا من التقنيات الأخرى، مثل تقنية الرسالة كما في قصة (صخب الأحدية)، وهناك بعض القصص الخيالية كما في قصة (البيضة) و (الروح السابعة)و( سارق التبن)، والأجمل من كل ذلك أن قصصه تعد معجما للفنون الشعبية بما في ذلك من حكايات وغناوي … إلخ، ويكثر هذا النوع من النصوص في،مجموعته الجراب من مثل : ” وحكت لي عن “رقية بنت زغيريت” التي قتل الطليان إخوتها.. فكانت تندب:

اللي طانيني،هو مسعود،،،،،،، اصغير ينشا في لفجار

الا لخرين اجمال عتل،،،،،،،، نباهم عند ” تروبيتار”

فترد عليها أخرى .. قتل أبناؤها:

شدي عزمك وابقي كيفي،،،،،،، حتى نا متعاطب صيفي

مكبورة نار علي نار.

كل شيء في حياتنا ـ حتى البكاء ـ يخضع للإيقاع.”

قصة حواء أنموذجا:

ترددت كثيرا في اختيار قصة لقراءتها بشكل مفصل، فكل واحدة تنسيك سابقتها وتشوقك لتاليتها، و لكل منها عالمه الخاص والذي يستحق كتابا يؤلف حوله، وبعد كثير من التردد اخترت قصة حواء:

(1)

… في الضحى كنا نلعب سويا كعادتنا .. هي تبني بيتا وتأثثه .. وتزغرد لمشاويري،.. وأنا أمتطي عصا المكنسة تاركا خلفي خطا محفورا .. متعرجا.. يتصاعد منه الغبار.

فجأة .. جاءت أمها بخطى سريعة .. انتزعتها من يدها .. ومضت بها إلى البيت .

أوقفت فرسي اللاهثة .. وأخذت أراقبهما حتى ابتلعتهما ظلمة الباب المفتوح.

في المساء لم تأتي “حواء” للعب معي .. أي وقع لصهيل حصاني دون زغاريدها..؟

من يندهش الآن لغبار المشاوير..؟

(2)

بالأمس فقط كانت طفلة.. بضفائر قصيرة .. وشرائط حمراء.. واليوم كبرت .. هكذا فجأة.. واستدار كل شيء في جسدها.. كيف لم أنتبه لذلك..؟

قالت أمي ضاحكة:

العيل يكبر في النهار.. والبنت تكبر في النهار وفي الليل !..”

أول ما يواجهنا في هذا النص عتبته التي توحي بالبساطة والتعقيد في آن، ثم من تكون حواء هذه أهي فتاة تسمى حواء؟ أم إنها رمزا لكافة بنات جنسها لذا سميت بهذا الاسم الذي يرمز إلى أم كل النساء؟ , وعندما نترك العتبة لندخل إلى النص المكون من أربعة مقاطع قصيرة، لنجده قد ابتدأه بصورة حية يصهل فيها الحصان وتعلو أصوات الزغاريد، لتجد نفسك في دوامة من الأسئلة التي تفتح أفواهها نهما لإجابات مقنعة عن تغير واقع حواء فجأة من طفلة حرة بظفائر قصيرة إلى فتاة غراب ترتدي السواد من أسفلها إلى قمتها، فلن يكفيك كتابة مجلد للبحث عن إجابة لبعض أسئلته الشائكة، والتي تعج بالمفارقات، مثلا بماذا نجيب إذا ما سئلنا عما حدث لحواء في آ خر القصة حيث إنها نهاية مفتوحة وغائمة بعض الشيء‘ هل ماتت حواء؟ أم أنها هربت؟ هذا إذا فكرنا بحدود المنطق، أم أنها عطلت آلة الزمن، كي لا تغادر طفولتها للأبد؟ وهذا إذا ما فكرنا بالأمر من ناحية خيالية.

شكري موصول للدكتورة صفاء فنيخرة، لما أمدتني به من مجموعتيه القصصيتين الجراب وعناكب الزوايا العليا، وما ساعدتني به في صياغة عنوان القراءة.

وكذلك أتوجه بالشكر للأستاذ رامز النويصري لتعديله قراءتي وإضاءة بعض النقاط للدراسة.


[1] ـ أحمد يوسف عقيلة ـ ويكيبيديا، الموسوعة الحرة .

[2] ـ رشيد يحياوي، مقدمات في نظرية الأنواع الأدبية، ط2 1991م.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى