فن الفوتوغراف.. و الوجه الآخر للصورة

ربما يكون فنّ التصوير الفوتوغرافي  في ليبيا لازال خاضعًا لمغامرة التجريب، إلا أن ذلك لايعني عدم وصول بعض الفنانين الى المستوى الاحترافي أُسوة بما موجود في مدارس التصوير الحديثة، وبالنظر إلى بعض تلك الأعمال نلحظ التمازج بين الفوتوغراف والتشكيل في الصورة، ما يعكس حالة التشبع للفنان من الأول لينتقل إلى الأخير والعكس، كما أن خوض فنانو الفوتوغراف في تفاصيل تقنية الكاميرا لم يمنع أن تظل الطبيعة هي الملمح الأبرز، ومنتج الواقعية الملهم،  برغم كل مغامرات التجريد والبحث عن عوالم  افتراضية أوإيحائية كالفن المفاهيمي مثلًا.

المصور الليبي أحمد السيفاو
المصور الليبي أحمد السيفاو

وبالاقتراب من فن الفوتوغراف الليبي كمثال يعاين أبعاده التجريبية، نتوقف عند أعمال الفنانين أحمد السيفاو وأحمد الترهوني، وإن كانت وجهة  نظر كل منهما  تختلف في القواعد التي يجب اعتمادها كمنطلق للفنان المحترف، إلا أن  الإطار العام يبقى مشتملًا على العديد من نقاط التقاطع التي تعزز قدرة استيعاب الفضاء الفوتوغرافي لمفردات الفن البصري كيفما كان اتجاهه.

وبالإمكان القول في محطة أولى أن الفنان أحمد السيفاو يعد من رواد فن التصوير الفوتوغرافي في المشهد الفوتوغرافي الليبي الحديث، فتجربته التي تزيد على 35 سنة كفيلة بأن تضعه في قلب هذا الفضاء.

وشكلت الهواية والدراسة والممارسة عند السيفاو منعطفًا مفصليًا مكنته من امتلاك  حس معرفي لاكتشاف العوالم الخفية للعدسة، كما أتيحت له الفرصة في بداية سبعينيات القرن الماضي الاطلاع على تفاصيل التصوير السينيمائي والتقاط سر الكاميرا حيث مثل له «كارلو كارليني» مدير التصوير في السينما الايطالية آنذاك، تجربة فريدة استطاع من خلالها محاورة العدسة عن قرب والاستزادة  من معرفة  الآخر عن هذا الفن.

ويضاف إلى ذلك بعد عودته إلى ليبيا تتلمذه على يد فنانين رواد في مجال النحت والرسم، كالفنان علي قانة، وعلي مصطفى رمضان، وهو ما مزج في ذهن الفنان العالمي بالمحلي وتتضح في زوايا الصورة لديه، الرغبة الملحة في التجريب المستمر بحثًا عن الخصوصية  والتجديد.

وببلوغه العقد الثاني من العمر شهد الفنان الشاب مولد أول صورة له العام 1972شجعته لخوض تجربته مع الأبيض والأسود اللذان يمثلان لديه الاختبار الحقيقي لمحترف الفوتوغراف، فالألوان كانت ولازالت تمثل لديه فكرة غير مستساغة، والتفافًا غير مقنع وتزييفًا لعين الواقع، الواقع الماثل في لونين لاغير فهو يقول «لامجال للون الرمادي، الحياة إما أبيض أوأسود»، والألوان بحسب تعبيره أيضًا تضفي على العين بريقًا كاذبًا يحجب أفق النص الضوئي النبيل، ويكرس للعنة اسمها التلميع والمجاملة.

المصور الفوتوغرافي أحمد الترهوني.
المصور الفوتوغرافي أحمد الترهوني.

وفي عودته الدائمة إلى الطبيعة يحاول السيفاو أن يعقد نوعًا من المصالحة بين الإنسان وبيئته كبعد موضوعي، وكذا البعد الروحي في الحياة واستنطاق ماهو متاح أمام العين وإبرازه عبر اللوحة  كفن لأجل الفن، وملاحقة التفاصيل عبر تكبير جزئيات الأشياء حد  التجريد.

هنا تلتقي عدسة السيفاو بالتشكيل والذي تحول فيما بعد ممارسة لونية مستقلة عن الفوتوغراف، فالتجريد يلقي ظلالًا إيحائية بالولوج لعالم الخيال وفضاء بانورامي شفاف كاستجابة لذاكرة الإنسان وروحه المشحونة  بالقلق والخوف من المجهول، ومن زاوية أخرى تنحو التفاصيل إلى شد انتباه المتلقي للغة الحياة الرابضة في الهامش ومعاكسة ظلال الجدران والأشجار، ونوافد البيوت والأقواس والشوارع ومآذن المساجد.

وكما ترصد عدسة السيفاو شوارع المدينة القديمة بطرابلس ومآذنها العتيقة، تمضي كذلك  حيث تستحيل الحياة الى سكون تام في الصحراء وامتدادها إلى حيث تقبل الزرقة رؤوس الكثبان، وترتد  إلى لغة البحر وقوارب الصيادين وتجاعيد وجوههم بحثًا عن بصمات الزمن.

وبالانتقال إلى تجربة مقابلة، يتجه الفنان أحمد الترهوني مدفوعًا بحس الموهبة لديه  نحو آفاق أخرى من عوالم ,الحركة «الفوتوغراف» منتقلًا إليها من مجال الهندسة الحركية أو كما تسمى علميًا «الميكانيكا» كمحطة أولى في دراسته الجامعية رصد من خلالها لغة الأجسام  الخاصة  المتصلة فيزيائيًا باللغة الحية للكون.

وبالدخول لهذا الفضاء الحلم سنجد التناغم بين مكونات الكتلة اللونية والبنية الفنية المستندة في جانب منها على بصمة التكنولوجيا لديه، ذلك أن الاجتياح التقني لعالم التصوير الضوئي المتمثل في آلة التصوير الرقمي يراها الفنان لصالح الصورة لا ضدها كما يراها البعض الآخر فلا وجود لتقليدي أو غير تقليدي وإنما للفيلم أو اللا فيلم على حد تعبيره.

إن مفردات الصورة واكتمال عناصرها عند الترهوني، يكفي لجعل تحولاتها من مجرد ألوان ووسائط إلى كائن مستقل بذاته بعيدًا عن اتهامات تسطيح العمل برقمي أو غير رقمي.

ومثلما نحت الإنسان القديم  أحلامه على جدران الكهوف  فهو في النهاية يجسد عبر النقش والنحت الذي كان بديلًا للكاميرا حكاية عصر بأكمله.

لذلك فالقبض على الزمن يمثل زر دخول حيزاللحظة الفوتوغرافية، وهو جزء من دائرة الأبعاد البصرية عند الترهوني، ومن زاوية أخرى فالصورة تصبح حالات من التوليد المستمر للحركة واسترجاع لألق مفقود أو لربما يكون انتقامًا من وحشة السكون، تمامًا كتلك المساحة اللونية في إحدى لوحاته حين تمتزج زرقة الفضاء بصفرة التراب، والتفاصيل وتحولت إلى ما يشبه الخطوط تختلط فيها الأشجار بالبيوت والطرقات، أو تجعلنا نرى في مشهد آخر أشعة الشمس في تباينها الحاد مع الظلال في رسم هندسي يخترق فيه الضوء جسد الفراغ في سطوة عجيبة.

مع الضوء والظلال تبدأ حكاية أخرى في توظيف الحس الأسطوري بالغاء تام للزمان والمكان، فالنخلة وتلال الرمل وارتدادات من بقايا أشعة ظلت سبيلها في الأفق البعيد، سنرى مايقابلها رمزيًا ساعة  الغروب في صورة ظلية.

إن صورة الفتاة وهي ترسم دوائر الماء بانتفاضتها الأنثوية تعبر عن حالة من حالات الفرح والنشوة فيما يشبه الاحتفاء بالمادة الأم الماء والطين، هذا الجمباز اللوني يحيلك إلى قراءة تندغم فيها روح الجسد مع نعومة الموجة وعنفوانها  ويصبح الجسم جزءًا من الحركة الكلية لدوائر الماء، إنها لحظة من لحظات الاستمتاع التام والبهجة، وفي جانب آخر التفاتة ميكانيكية  توظف المرونة والفراغ وجرهما بالتالي إلى مركز التلاقي بمقاربات الحس الجمالي كعامل مشترك .

إن الأنوثة أو الجسد الأنثوي في الصورة يذهب بعيدًا عن الرؤية التقليدية للجسد كمتنفس للرغبات وتطلق إيحاءات خفية من الدلالات على أن شهرزاد هنا محطة أخرى مختلفة، وهي في رقصتها هذه تؤكد لنا إمكانية العودة الى عوالم الطفولة والأحلام والدلع البريء.

عن عبدالسلام الفقهي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى