فانتاتيسكا السرد في المشرط

غلاف رواية المشرط.

غلاف رواية المشرط.

تقديم

يقال إن فن كتابة الرواية الحديثة هو السرد الذاتي، وفي الحقيقة أن الكتابة الإبداعية بشكل عام هي مزيج بين الذاتي والموضوعي، ولذا فإن هناك كاتب مميز وكاتب فريد وكاتب مخلد، إذ أنه نهج يتخذ خطاً مستقيماً وإن كانت له تعرجات زمنية صعودا وهبوطا، ومن سار على ذا النهج عليه أن يدرك الفنية العالية في توظيف اللغة وتطويعها ثم تحويلها إلى عمل إبداعي يبقى أثره في ذهن المتلقي..، وإذ أننا نتكلم عن الإبداع بشكل عام وعن السرد بشكل خاص فإننا نعزي أسباب نجاح العمل السردي الإبداعي إلى التفنن في عملية الحبك والسبك، بتطويع اللغة و تهذيب الخيال وتطبيعه مع الواقعية، علاوةً على تمكين التأويل وآلية التحكم في إدارة ذهنية ومشاعر المتلقي، والقدرات العالية على التأثير فيه لهدف سامي يسعى إلى تغييره من الناحية الفكرية، وإن قدمنا أنموذج لذلك الإبداع فإن رواية (المشرط) للكاتب التونسي كمال الرياحي خير دليل.

تلميح:  “تعني كلمة (فانتاستيكا) الروعة أو الألق والجودة والجمال ، إذ نقول إن هذا الشيء (فانتاستيك) أي جماله اسطوري خيالي.. أو شيءٌ ممتع فيما يتعلق بالمشاعر”

 

المشرط (عن سيرة خديجة و أحزانها)

من التوظيف الأدائي إلى الواقع المدبوغ بالخيال تأسرنا فنية الكاتب الخلاقة في استعمال مشرطه لتظهير شخصيات يفتح جراحها العميقة ،ويستنبط آلامها في مشاهد شتى قلبت شكل وهيأة أداة يشق بها الجلد ويمكنها أن تصبح أداة جريمة ،إلا أنها في لغة كاتب ناراتولوجيا لديها وظائف أخرى..

بمشرط الحكيم الفذ نكتشف مع كمال الرياحي أورام المجتمع ومعاناة الشريحة العظمى من الشارع التونسي كجزء والشارع العربي ككل، في سرد ميثولوجي عن مؤخرة المجتمع   في سيرة ذات مهمشة يلدها المجتمع ويتنكر لانحرافها.. شخصنة الأدوات و أداوية الأشخاص، تركيبة حكائية منفردة استخدمها الكاتب لتصدير أفكاره للمتلقي وإدخاله في صدمة خيالية تنم عن ذات طفولية تخلق خيالات متحركة يعايشها ويصدق وجودها…

تبدأ الرواية بخبر في جريدة ” نظراً لأن القضية قضية رأي عام، ولأن الدوائر فشلت في العثور على الجاني ولم تعثر على المفقودين” “تتداول الألسن أنه كان يجوب شوارع المدينة بعد أن غادر مكتبنا حين حدث الذي حدث ولم يعد أهلها يرونه…” استهلال ماكر يسهم في إغراء المتلقي وتَهييج حاسته البوليسية ، لفك شيفرة لغز جريمة أصبحت قضية رأي عام والشغل الشاغل للصحافة..

تبدو الرمزية مكثفة في قصص الرواية المتباعدة المتقاربة، وتتجلى في شخوصها بشكل يصدم ذهن المتلقي، حيث يمكن أن تنقله إلى عدة رؤى مخالفة، في قصة الخروبة مثلاً يمكننا أن نرى الوطن والمستعمر وشجرة الخروب والأم ؛شخصيات متضادة يعود انتمائهما للدار، التي احتلها الثعبان وحرم سكانها من حق الانتفاع بها؛ مشهدية بليغة تجعلنا نشد على يد صانعها ومخرجها؛ ومن تخاريف الحكواتي التراثية، إلى الأساطير، إذ يخلق لنا المبدع شخصية “المخاخ” التي أنتجها من خصوبة خياله، عقب جماع بين رجل وبغلة، خلّف طائر بشع برأس بغلة، مصاص لأدمغة البشر وخصوصاً الأطفال ، في ومضة إيحائية لشخصية الأنا السالبة لعقول الآخرين، التي يمكن أن نصادفها في الحياة في أي مكان ومع أي فئة من البشر…

تتجلى الميثولوجيا في قصة ابن خلدون وبلاد المنافيخ العجائبية وسكانها “المخّاخ ، و الغرّافة، و الرجل المحموم وزوجته” شخوص وخيالات أسطورية تخلب الذهن إليها في مشاعر تجعل من المتلقي وكأنه صانعها أوحاكيها…

كالعائد من عالم الأحلام ينقلنا الراوي إلى الواقعية لكن المخيلة لا تنضب؛  بأخذنا إلى قاع الشارع التونسي  في سيرة سيدة الروتند وشارع بورقيبة وما حدث من كساد اغفى ليل البغايا…..

” كل الوجوه أعرفها… “لا أحد منهم يرغب في معاودة الدقيق الناعم”…

” الكل متعب هذا الأحد”…

“لم يعد يعجبكم هذا الإست”

ويختم القصة بسؤال يفتح آفاق جديدة للسيرورة السردية ( من يصدق هذا الهراء..؟)

من واقع الشارع التونسي يقدم لنا السارد شخصيات متضاربة “النيقرو و بولحية و السلطان شوّرب و هندة وسليم النادل و سيدة الروتند وابن الثابتة وابن الحجاج و الرسام، الروتاند و شارع بورقيبة وتمثال ابن خلدون” قصص تحكي واقع مؤخرة الشارع التي يكشف عنها المشرط  بآفاق طبولوجية في أسلوب حاسر وساخر  يتكيف مع موضعها وعقليتها ..

لكن هل المشرط أداة أم شخصية …؟

براعة الكاتب جعلت منه أداة مشخصنة، يمكننا أن نلمسها في كل شخصية ونصادفها بين التعرجات والزوايا السردية، هذه الأداة التي تصبح في مؤخرة الرواية سلاح يذبح ويشق به مؤخرات النساء..

“تؤكد الصحف استناداً إلى الشهود أن الجاني كان يلبس خوذة ويركب دراجة نارية حمراء”….”الثعبان منذ شهور يحصد مؤخرات النساء بمشرطه..”

عن سيرة خديجة وأحزانها… بمهارة غير مسبقة استخدم الكاتب اسم خديجة بمعنى متعارف في قاموس الشارع بالمؤخرة…إذ تعرف المؤخرة في قواميس العرب الإست أو الدبر أو الردف أو العجيزة ..وهذا تمرد يحسب للراوي ويضم إلى رصيده الفني المتميز في الحكي والبناء السردي ….

المشرط والمؤخرة هي محورية هذا العمل الإبداعي التي برزت في عدة مشاهد توغلنا في النهاية إلى كل ما هو زهيد و هامشي، بزغ بريشة فنان مزجت بين ألوان الهذيان الخيالي والتيقظ الواقعي، في فانتاستيكا سردية  باهظة قدم لنا المبدع كمال الرياحي رواية المشرط التي تعتبر انسلاخ متمرد عن نمطية الرواية العربية في صورة عالمية ببرواز تونسي.

عن هدى الغول

هدى عيسى الغول. مواليد مدينة درنة 1979. بكالوريوس اقتصادجامعة عمر المختار/درنة/عام 2003. معلمة لدى وزارة التربية والتعليم الليبية. نشرت لها أبحاث ومقالات عن الاقتصاد الليبي في عدة صحف ومواقع دولية في عام2017. _في مطلع عام2018 حصلت قصة لها بعنوان (عارٍ) على المركز الأول على مستوى ليبيا في مسابقة الققج عن موقع منبر الأدب الليبي والعربي والعالمي. نشرت إثرها في صحيفة فسانيا الدولية الورقية والالكترونية.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى