طريق جهنم … قراءة نقدية (2)

د. الصديق بشير نصر

● أيمن العتوم: الأسلوب، اللغة، الثقافة

قبل قرنين ونيّف (1753)، وقف أمام أكاديمية العلوم الفرنسية عالم الطبيعة الفيلسوف الأديب جورج لويس لكليرك دي بوفون Buffon ليقول كلمته الشهيرة: (الأسلوب هو الإنسان نفسُه) Le style est l’homme même، تلك العبارة التي طارت في الآفاق، وفي مجالس ومحافل الأدباء والنقاد حتى شاع بينهم أنها من كلام الناقد الفرنسي الشهير سان بيف Charles A ugustine Sainte-Beuve.

غلاف رواية طريق جهنم
غلاف رواية طريق جهنم (الصورة: الشبكة).

ولفرط الاهتمام بمسألة الأسلوب تعرّضت العبارة إلى بعض التعديل الذي قد يبلغ حدّ التحريف بسبب تنوّع الاتجاهات النقدية، واختلاف مدارسها منذ القرن التاسع عشر وإلى القرن العشرين حتى قيل: “الأسلوب هو الإنسان ُ كلُّه”. وبصرف النظر عن ذلك، فإنّ الكونت دي بوفون ذكر في معرض الحديث عن موسوعته في التاريخ الطبيعي أمام الأكاديمية الفرتسيىة للعلوم أن الأفكارَ والحوادثَ والمكتشفاتِ شِرْكَةٌ بين الناس، ولكن الأسلوب من الرجل نفسه. وقد أحسن الأستاذ الزيات في تفسيره لعبارة بوفون، حيث قال في كتابه (دفاع عن البلاغة):

“لم يرد بوفون بما قال أن الأسلوب ينم عن خُلُقِ الكاتب ويكشف عن طبعه كما فهم أكثرُ الناس، وإنما أراد أن الأسلوب، ويَعني به النظام والحركة المودَعين في الأفكار، هو طابع الكاتب وإمضاؤه على الفكرة. ومعنى ذلك أنّ الأفكار تكون، قبل أن يفرغها الفنان في قالبه الخاص، من الأملاك العامة؛ فإذا عرف كيف يصوغها على الصورة اللازمة الملائمة تصبح ملكاً خاصاً له، تسير في الناس موسومة بوسمه، وتعيش في الحياة مقرونة باسمه. فالأسلوب وحده هو الذي يملكك الأفكار وإن كانت لغيرك”.

والأسلوب كما يعرف أحدُ البلاغيين المعاصرين هو:

“الصورة اللفظية التي يعبر بها عن المعاني أو نظم الكلام وتأليفه لأداء الأفكار وعرض الخيال، أو هو العبارات اللفظية المنسقة لأداء المعاني”. (أحمد الشايب: الأسلوب ص 46).

والحقيقة إنّ الأسلوب هو اجتماع اللفظ والمعنى بطريقة معينة تميز بين أسلوب وأسلوب آخر، حتى نقول: هذا أسلوب العقاد، وذاك أسلوب طه حسين.

فالفكرة والصورة في الأسلوب كل لا يتجزأ، ووحدة لا تتعدد. وليس أدلّ على اتحادهما من أنك إذا غيّرت الصورة فقد غيّرت الفكرةَ، وإذا غيّرتَ الفكرةَ فقد غيّرت الصورة.

وبعيداً عن الجدل المدرسيّ حول الأسلوب، والاختلاف في تعريفه بين مدارس النقد الأدبيّ، وأنواعه، وعناصره، فإنّ أسلوب الروائي أيمن العتوم، بعد نشر رواياته العشر، أصبح واضحَ المعالم، ويمكن لأيّ ناقد أن يتعرّف عليه بيسر ويستخرجه من بين الأساليب الروائية الأخرى في غير عنت. أسلوب العتوم يمثّل عالمأً خاصاً قوامه اللغة، وغايته الكشف الفلسفي والصوفي لدفقات الروح عندما تُطبِق عليها المادة من كلّ جانب. لم يكن العتوم “روحاً شاردة”كروح إدغار ألان بو، تهيم على غير هُدى يمزقها القلق ويروّعها المجهول، ولكنها روحٌ مسبّحة تهيم في ملكوت الله ـ تكتنفها الطمأنينة والسكينة.

إنّ ثمة تداخلاً جليّاً بين البحث عن الواقعية كما في رواياته عن محنة السجن وحدود الفن، أو كما يعبّر بالضبط الناقد الإنجليزي بول وِست عن رأيه في رواية The Brook Kerith لجورج مور George Moore بقوله: “إنّ مور يغسل مادته بسائلِ الأسلوب بحيث ينغمس الباطني بالخارجي” وإنّ المحاكاة الكاملة للموضوع الروائي وتمثّله يبدو عسيراً ما لم ينغمس الروائي في جانبه الفني، بأن يُظهر مخزونه العاطفيَّ دفقاً روحياً يشيع في الأرجاء التي يستوعبها الموضوع، فيتحقق الاندماج بين الذات والموضوع، حتى إنه ليتعذر، إن لم يكن مستحيلاً، التمييز بينهما. فلا ندري ما إذا كانت أحداث الرواية هي، بالفعل، إسقاطاً حقيقياً لحياة الفنان (الروائي) في حركاته وسكناته، في انضباطه وتهوره، في عقلانيته وجنونه، في طيشه وهدوئه، في ورعه وعربدته، أم أنها أحداث مستقلة تجري في العالم الخارجي، وليس من أثر للروائي فيها إلا التصوير الفوتوغرافي الهامد الخالي من الحس. وهو الفرق بعينه الذي تشعر به عندما تقف أمام لوحة زيتية لرامبرانت أو رفائيل، ولوحة فوتوغرافية التقطتها عدسة مصور مشهور مثل ستيف ماكورى Steve McCurry في صورته الفوتوغرافية الشهيرة التي تصدرت غلاف مجلة (ناشيونال جيوغرافيك) والمسماة بــ (الفتاة الأفغانية). الأولى تشع من أركانها وجوانبها طاقة جاذبة أشبه ما تكون بالسحر تربطك بالأثر الفني ومبدعه معاً، والثانية تشد مشاعرك وعواطفك فيها الحقيقة الواقعية بمعزل عن المصور الذي لا نشعر به فيها.

أسلوب أيمن العتوم يعكس المدرسة التي ينتمي إليها فكرياً، وهي مدرسة التربية الإيمانية، التي تقوم على القيم الأخلاقية المطلقة التي لا يختلف فيها الناس على تنوع أشكالهم ومذاهب تفكيرهم، والقيم الأخلاقية الإسلامية المستمَدّة من القرآن الكريم. وبمهارة الفنان المبدع ينجح العتوم في التقاط الصور وتقديمها في إطارٍ جذّاب يثير عقلَ المتلقي وعاطفته معاً، وتلك الصور، وهي المعاني، قد تكون ملقاةً على قارعة الطريق لكلّ واحدٍ أن يلتقطها، ولكن العبقرية هي كيف يمكن لملتقطها أن يقدمها في ثوب جديد من الألفاظ، وذلك ما كان يشير إليه الجاحظ في كتابه الحيوان (3: 67)، بقوله:

“والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجميّ والعربيّ، والبدويّ والقروي، والمدنيّ.

ولمّا كان الأسلوب هو جماع اللفظ والمعنى، فإنّ أسلوب العتوم يقوم في الغالب على اللغة المشرقة والمعاني اللطيفة، ويتراوح ما بين أعلى درجات البيان إلى متوسطها، ولا ينحدر أبداً دون ذلك إلا في حالات الحوار الذي يجري على ألسنة شخوص الرواية، وحتى ذلك يخضع إلى المستوى العلمي والثقافي للشخص نفسه، فما يجريه من حوارٍ على لسان سجين أكاديمي أو مهندس أو طبيب يختلف عما يجعله ينثال على لسان عاملٍ أو جندي أو سجّان. ومن الملاحظ أنه العتوم يعوّل كثيراً على جماليات اللغة وانسيابية التعبير، وعدم الوقوع في الغموض الذي صار سمة في أساليب الكتابة الأدبية. لا في روايته (طريق جهنم) فحسب بل في معظم رواياته الأخرى، حتى صار أسلوبه بصمةً يسهل التعرّف بها عليه. وفضلاً عن ذلك فأيمن العتوم يغريه التنوع في استخدام المترادفات والاستعارات والمجازات، وهذا يمنح نصوصه نبضات حيّة يكاد المتلقي يسمعها. وهذا النمط الأسلوبي يبعث في الفكرة أو المعنى وجوداً حياً، وهذا ما عبّر عنه الجرجاني في كتابه أسرار البلاغة ص 40 عند حديثه عن الاستعارة المفيدة:

“إن شئتَ أرتْكَ المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جُسّمَتْ حتى رأتها العيونُ، وإن شئتَ لطّفت الأوصافَ الجسمانيةَ حتى تعود روحانيةً لا تنالها إلّا الظنونُ”.

ونحن حينما نقرأ له نصاً من روايته (طريق جهنم) يقول فيه:

“في السّنين الوارفات الظلِّ، ظلّ الحزنُ الشفيفُ ، في الأيام الرّاكضةِ باتجاه الوديان، الوديان المظلمة الغامضة. في الساعات التي تتربّص عقاربُها بنا ريبَ المنون، المنون الذي كان يأكلُ ويشرب معنا، في كلّ ذلك كُنّا نرى الفرَجَ والفجْرَ معاً. ها نحن نخرج من شرنقة العدم، لنُصبِح وجوداً لا يقبل الامّحاء. ها نحن نتبرعم في روضة الأسى ليزداد عِطرُنا تعتّقاً. ها نحن نفيق من السّبات لنرى الشمسَ ترسم بأشعّتها أقدارَ سعادتِنا. سيقتلون كلَّ شيء إلا الفرحَ الذي نعِد به أنفسَنا، سيصادرون كلَّ شيءٍ إلا الصبح الذي يعِدُنا الله به […] بعض الموتى ما زال ينتظر. انتظار الموت مُمِلٌ هو الآخر، ومن المستحسن نبشُ القبورِ وإخراجُ سُكّانها عنوةً عِوضَ انتظارِ بركانٍ أو زالزالٍ من أجل أن يُخرِجَها. لقد صار هذا ممكناً ؛ الأموات يرحلون مثل الأحياء“ ص 256 – 257.

فها أنت ذا تقرأ في هذا النص كيف تتزاوج الألفاظ والمعاني لتوليد صورة ذهنية لا تنفكّ تطاردك لتختزن في طوايا نفسك، أو لتتمثل إليك كلما عنّ لها أن تخرج من أعماقك حينما تصادفك في الحياة صوراً مماثلاً، ولتقول لك: ها أنذا !!. ولقوله: (في السنين الوارفات الظلّ) وقع على النفس أبلغ وأكثر تأثيراً في سياقه منه لو قال: (في السنين الوارفة الظل)، وفي القرآن الكريم: (والنخلَ باسقات لها طلع نضيد).

والمتأمّل في النص المقتطع يرى أنّ العتوم يحرص على الابتداء بشبه الجملة من الجار والمجرور، مثل: في السنين، في الأيام الراكضة.. في الساعات.. في كلّ ذلك كنّا نرى. والابتداء بشبه الجملة من الجار والمجرور تستثير ذهن المتلقي فتصرفه إلى مراد المتكلم وهو شبه الجملة، كقولنا: في السجن شاعر. فالمتكلم يريد بشبه الجملة التي هي خبرٌ مقدّمٌ أن يلفتَ نظرنا أو سمعنا إلى السجن لا إلى الشاعر، فوجود الشاعر في الدنيا أمرٌ طبيعي لا يثير حفيظة المتلقي، ولكن الذي يسترعي الانتباه أن يوجدَ شاعر في السجن، وهو مراد المتكلم. وهو بهذا الاستعمال كأنه يريد أن يقول: “أتصدّق أنّ ثمة شاعراً في السجن؟”وهكذا شأن شبه الجملة في أسلوب العتوم حيثما وردت، وهي لا تأتي اعتباطاً. ثم إنه بإتيانه بالاسم والفعل من المادة نفسها في الجملة يكسبها جرساً يَلَذّ لوقعه السامعُ، كقوله”في السّنين الوارفات الظلِّ، ظلّ..”، أو بتكرار الاسم في جملة مستأنفة أو شارحة أو معترضة، وهذا أسلوب شعري، كقوله: “باتجاه الوديان، الوديان المظلمة..“ و”ريب المنون. المنون الذي..”.

والعتوم يتفنن في استخدام المجازات، وأسلوبه مفعم بذلك، إذ لا يكاد مقطع في رواياته يخلو من ذلك، فهو في هذا المقطع الذي اخترناه يحدثنا عن العلاقة السيكولوجية بين السجين والزمن، فيحدثنا عن “الساعات التي تتربّص عقاربُها بنا ريبَ المنون”، حتى لكأنّ عقاربَ الساعة التي ترمز إلى الزمن هي عقاربٌ حقيقيةٌ من هوام الأرض التي تهجم دون استئذان. ومثله وصفه للحزن الذي يكتنف السجين داخل الزنزانه بأنه: حزنٌ شفيف. وهو وصف بديع. والشفيفُ الرقيقُ الذي يشفّ عمّا تحته، فيكشف كلّ مخبوء ومستور. وكأنّ العتوم يحكي الحالة الانفعالية التي تعتري السجين فتظهر كلّ ما هو مدفون في سراديب النفس. وأسلوب العتوم يتمثل أيضاً في انسياقه مع ظاهرة التجسيم الفنية التي تتحوّل بها المعاني المجردة إلى كائنات مادية حية ، فهو يجسد لنا الموت وكأنه كائن حيّ يجالس السجين ويؤآكله ويشاربه، فيقول:” المنون الذي كان يأكلُ ويشرب معنا، في كلّ ذلك كُنّا نرى الفرَجَ والفجْرَ معاً”. غير أنّ تلك المجالسة مع ما يكتنفها من خوف، ففيها جوانب مضيئة تبعث في النفس شيئاً من الطمأنينة، وهو أنّ الموت في جميع أحواله يحمل لجليسه فرجاً بالخلاص، وضياءً يحرّر الجسدَ المُعَنّى من قبضة الطين أو يطلق الروحِ من إسارها لتسبح في ملكوت الله حيث يقف الجميع أمام الله ليقتص لكلّ مظلوم من ظالمه، حتى يُقادَ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء . وبين كلمتي (الفرج) و (الفجر) تشابه في المبنى والمعنى، فكلا اللفظين انتقال من حالة إلى حالةٍ أحسنَ منها. فالفجر انتقال من الظلمة إلى النور، والفرج انتقالٌ من الضيق إلى السّعَة. وأسلوب العتوم يمتاز بلطف العبارة كقوله في المقطع السابق الذي يُصدره بـــ (ها) التنبيه: “ها نحن نخرج من شرنقة العدم، لنُصبِح وجوداً لا يقبل الامّحاء”. ها نحن نتبرعم في روضة الأسى ليزداد عِطرُنا تعتّقاً”. وإضافة الشرنقة إلى العدم (اللاوجود) إضافة رائعة، تذكر بالفراشة (رمز الحياة) وهي تخرج من الشرنقة (العدم) تحلق في الأجواء وتحط على الأزاهير، بعد أن كانت دودةً تزحف على الأرض وتأكل من خشاشها، ثم لا تلبث أن تميت نفسها داخل نسيجٍ تصنعه بنفسها. هذه الصورة المثيرة لا يمكن تلخيصها في جملةٍ أبهى مما ذكره العتوم. باختصار إنه الخروج من (الدُّنوّ) إلى (العُلوّ).

واستخدام الامحاء، وهو مصدر الفعل (امّحى، يمّحي)، والعدول عن استعمال المحو، وهو مصدر الفعل (محا يمحو)، عدولٌ ذكيّ إذا كان العتوم يقصده بالفعل، ولم يأت منه ضربةَ لازبٍ. فالفعل (امّحى) فعلٌ لازم يكتفي بفاعله كقولنا: امحى الأثرُ، والفعل (محا) متعدٍ يحتاج إلى مفعول به، كقولنا: محا الأستاذُ الدرسَ. فأن نصبح وجوداً لا يقبل الامحاء معناه أنّ الأمر الكوني كلّه يجري بأمر خالقه وهو الفاعل الوحيد، ولا فاعل غيره. وكلّ ما يصدر عنه هو مفعول به ولو لم يُذكر. وقوله: “ها نحن نتبرعم في روضة الأسى ليزداد عِطرُنا تعتّقاً.”تعبيرٌ مجازي عن طول المكث في السجن لثلاثين حولاً. وكلما طال المكوث به إمّا أن يخرج السجين منه وقد قويت إرادته واشتدّت كالنبيذ المعتّق، وإما أن يخرج منه وقد تهالك جسده وتفسخت روحه كما يتعفّن النبيذ الرديء بطول المكث في القوارير. ولأن العتوم ينتمي إلى المدرسة التربوية الإسلامية التي تحرص كلّ الحرص على ألفاظها، آثر أن يعبّر بالعطر المعتّق مع أننا لا نعرف كيف يتعتّق العطرُ مع مرّ الزمان.

والتصوير الفني يظلّ يلاحق العتوم في أسلوبه فيطبعه بميسمه. والتصوير الفني أرقى أنواع التعبير الفني، وهو الأداة المفضّلة في أسلوب القرآن كما يقول صاحب (التصوير الفني في القرآن). وهذا الأسلوب:

”يُعبّر بالصورة المحسّة عن المعنى الذهني، والحالة النفسية، وعن الحادث المحسوس، والمشهد المنظور، وعن النموذج الإنساني والطبيعة البشرية. ثم يرتقي بالصورة التي يرسمها فيمنحها الحياة الشاخصة، أو الحركة المتجددة”.

والتصوير الفني، باعتباره أسلوباً متميّزاً، نجده حاضراً بشكل واضح في جميع أعمال العتوم الروائية، ولا سيما روايته الأخيرة (طريق جهنم)، والرواية التي سبقتها (تسعة عشر). يقول المؤلف على لسان الراوي الرئيس أو السارد الأوّل في رواية (طريق جهنم) علي العكرمي:

“.. والموت يَبغثنا ولو أنّا ألِفناه ونام على وسائد صحونا.. والموتُ يخترمُ الحبيبَ كأنه ما عاش يوماً بيننا… يا أيها الموتُ الذي لم يُبْقِ فينا ما نقدّمه لأنّا لم نعد أبداً لنا… رِفْقاً فقد ألهيتنا عن أن نكونَ وأنت تملأ بؤسَنا بؤساً وتحشوه بنا… وزرعت وحشتنا وروداً في الدروب الذاهبات إلى منافي عُمْرِنا.. إنّا سنمضي طائعين إليك فافتح بالمحبّة صدرَك الحاني وسهِّل موتنا.. لاشيءَ أكثر أيها الموتُ الرحيم فلا تؤجّل فقدَنا” ص 276.

صورةٌ فنيّة أخرى للموت، فهو وحشٌ كاسرٌ ينهش بأنيابه ضحاياه، ويباغثهم في نومهم وفي صحوهم، وقد ألفوه وألِفَهم، إذ ينتهب من بينهم من حان أجله، والأقربُ إلى براثنه السقيمُ منهم والعليلُ. وأجمل ما في هذا المقطع التوسل إلى الموت أن يرفق بهم فما عاد فيهم ما يعود إليهم ليمنحوه عن طيب خاطر، وقد سبق إليه الجلادون فسلبوه منهم. وكأن السجين يريد أن يقول لزائره المروّع، معتذراً ومتأسفاً: هذه آخر قطرة فارتشفها. واسرع فإنا مشوقون إلى صدرك الحاني وضمّنا إليك فأنت أرحم من جلادينا.

ولا أحسب أنني قرأت تصويراً للنوم بالفاتنة اللعوب في عمل أدبي آخر يناظر ما كتبه العتوم حينما يقول:

“متى يحُطّ طائرُ النومِ على عيني، لقد كان النومُ فاتنةً لعوباً كلما غمزتها بعينيّ لِتُقبِلَ إليّ، تغنّجت وذهبت بعيداً”. ص 287.

وهذا تصوير شعري لا ريب. والروائي متى كان شاعراً يغلبه طبعه الشعري فينساق مع تلك الشاعرية التي يحاول أن يغالبها وتغالبه، فتغلبه. ونرى هذا في أساليب الكتّاب الكبار الذين اشتهروا بأنهم شعراء أكثر منهم روائيين. نجد ذلك واضحاً في روايات هوغو (البؤساء، وأحدب نوتردام)، وألفونس دي لامرتين في رواياته (جوسلين، و رافائيل)، وغوته في (آلام فارتر، وفاوست)، وأناتول فرانس في (الزنبقة الحمراء، وثورة الملائكة)، وعند آخرين. والأسلوب الشعري في الرواية ليس مقصوراً على الروائيين الشعراء، بل يتعداهم إلى الروائيين والكتّاب الذين لا يخلو أسلوبهم من الشاعرية أمثال: أندريه جيد في روايته (السمفونية الرعوية). وبعيداً كلّ البعد عن تحليل النص الروائي والكشف عن الآليات الداخلية التي تحكمه، فلنقرأ هذا النص، ولنتأمّل في أثره على النفس القارئة. فإذا وجدنا ذلك الأثر وجدنا الأدب، وإذا لم نجده فإننا نقرأ نصاً لا يختلف كثيراً عن المقالة الصحفية:

“أيها العابرون على جسدِ ذكرياتي، أيها الآتون إليّ لكي أقرأَ لكم سِفْرَ الجُرحِ، وأياتِ الحزنِ، أيها الشاربون من دمِ وجَعي، لقد آن أن أقولَ، إنّ الصمتَ يعني الجبنَ والكفرَ بالنسبة لي. وعليه فسأفيض بكلِّ أوجاعي كما يفيضُ البحرُ بمائه، وسأتفجّر كما يتفجّرُ البركانُ بحُمَمِه، وسأتداعى من علياء حياتي المهشّمة كما تتداعى الصخور من قمم الجبال. أنا الإنسانُ المذبوحُ، السّاعي إلى المعرفة، التائقُ إلى الحكمةِ، الذي سافر إلى أكثر من بلدٍ ليتعلّمَ قبل أن يُسجنَ إلى الأبد، ليقرأ على أهل الإدراك، وليجد فكرةً صالحةً يملأ بها رأسَه في آخر المطاف. كانت بانتظاري حياة لم أكن يوماً أتخيّل أنني سأعيشها، وطريق لم أكن أتخيّل أنني سأسيرها. نحن بوصلة الأقدار، تهبُّ رياحُها على أشرعةٍ أعمارِنا المبحِرةِ في أمواج الحياة المتلاطمة فتلعب بنا كيفما تشاء. وفي النهاية لا مهربَ من البوح. الكتمانُ يعذّبُ، والبوح يُريحُ. ولأن أبوحَ بقلبٍ مثقوبٍ خيرٌ من أن أظلَّ صامتاً وكلّ يومٍ تتسرّب قطرات من دمي خارجه. أخاف أن أفقدَ كلَّ دمائي قبل أن أقولَ كلَّ ما أريد. لكنني أُدرِكُ أنّ كلَّ شيءٍ عنده بمقدار، ولا شيءَ يستحقّ الحزنَ، وكلّ طاغيةٍ إلى نهاية. نار الحقِّ تحرق شجرَ الباطلِ. والماءُ يُحيي ما مات منّي، واليقين يُطقئ نارَ القلبِ” ص 17.

وإمّا لغة أيمن العتوم فهي لغة فيها فخامة وضخامة، قلما تتأتى إلا لكاتبٍ محترفٍ سلخ من عمره زمناً طويلاً وهو يتنقل بين كتب اللغة والتراث الأدبي، بالرغم من أنّ العتوم لمّا يتجاوز بعد منتصف العقد الرابع من عمره إذا قيست سنّه بمجموع أعماله النثرية والشعرية. ولا عجب فأيمن الروائي يحمل درجتي الماجستير و الدكتوراه في اللغة العربية، والبكالوريوس في الهندسة المدنية. وأستطيع أن أقول إنّ هذا الروائي يهندس رواياته بمهارة، فهو يؤسس بناءها ويشيد معمارها كما يفعل المهندس المعماري.

واللغة في جميع الآداب العالمية هي المعيار الأوّل في الحكم على القيمة الأدبية للأثر الأدبي شعراً كان أم نثراً. وأوّل معيار تقيس به أكاديمية غونكور لمنح جائزتها الأدبية Le prix Goncourt هو اللغة الفرنسية. فلا تمنح الجائزة لنص أدبي متهافت اللغة أو مشوّه ولو كان بناؤه المعماري متقناً. 
قلنا في مناسبةٍ سابقةٍ إنّ الرواية العربية، بل معظم الأجناس الأدبية الأخرى، تعاني من تشوهات لغويةٍ بات مِن المحسوبين على الأدب مَنْ يزعم أنها ليست مما يُعاب به الأديب. فبعض من الروايات فيها سماجة وثقل وبلادة، وكأنّ مؤلفيها لم يشتموا رائحة العربية، مع أنّ بعض سماسرة النقد لا يكفون عن الترويج لها بحقٍ أو بباطل. ويزعم هؤلاء أنّ الانشغال باللغة على حساب الفكر والحقيقة يضيعهما معاً، وهذا كلامٌ لا يصدر عن عييٍّ فضلاً عن أن يصدرَ عن عاقلٍ. فاللغة وعاء الفكر، ومن لا لغة له لا فكر له. وكلّ ذلك اللغو الأشبه بالهذيان يعكس أزمة الثقافة العربية بشكل عام. ويزيد في تفاقم هذه الأزمة انتشار الصحافة الإليكترونية الخاصة التي لا رقيب عليها ولا حسيب، حتى إنّ بعضهم صدّق أنه من المؤلفين والأدباء والشعراء، فجاءوا بما يشبه الـــفحيح أو النعيب وسموه أدباً.

ولا شكّ أنّ أحدَ مفاتيح نجاح روايات العتوم، التي لا أشكّ أبداً أنها ستتبوأ مكانةً رفيعةً في الأدب العربي المعاصر، ثراء معجمه اللغوي. فكلما كان المستودع اللغوي للكاتب أشاعراً كان أم قاصّاً غنياً بالألفاظ والمترادفات، فضلاً عن غنى التراكيب المخزونة في ذاكرته والتي يمكنه استدعاءها حينما يعنّ له ذلك.

إنّ تلك الوفرة في المترادفات والتراكيب، والألفاظ والمفردات ذات الجرس والوقع القوي أعانت العتوم على خلق صور متنوعة، وقد تكون الصورة واحدة ولكنها في ألوان مختلفة. والعتوم صياد ماهر للمفردات والألفاظ، فلا يختار منها إلا ما كان مشحوناً بالمعاني. العتوم كاتب يستخرج اللآلي من جوف الصدف، فانظر إلى هذا النص وتمعن فيه واقرأه بعناية لتقف على ما قلتُ:

“كان الجنونُ يحلّ قريباً من دارنا، يروغ بيننا، يعبث بطمأنينتنا، يحاول أن يسرقنا منّا، لم نكن بمعزلٍ عنه في أيّ لحظة من اللحظات. كان مثل ضَبُعٍ تدور حول أسرّتِنا، تحاول أن تلحظ من الواحد فينا غفلةً عابرةً لكي تخطفّه، تبول على عقله المُغيّبِ، فيتبعها اتّباعَ المأخوذ أو المسحور، فإن تَبِعَها فإنه لا يعود أبداً. أنا كنتُ أرى تلك الضبع تطلع لي في كثيرٍ من الليالي تراودني عن نفسي، ولكني بقيت مفتّح العينين، متأهّباً، حتى لا تخطفني رائحتها، فاتّبعها إلى وادي الغياب كما فعلت مع كثيرين منّا” (طريق جهنم ص 354).

وليس ثمة ما هو أبدع من تصوير الجنون بالضّبُع الضارية التي تتربص بفريستها، فلا يسلم منها سليمٌ ولا سقيم، وإن كان الأخير أولى بزيارتها.

والأجمل من كلّ ذلك قوله”يسرقنا منا”. والسرقة في أصل اللغة: “أخذ الشيء من الغير على وجه الخفية”. وكذا مباغثة الجنون أو الضَبُع الضارية. والسرقة: سارق، ومسروق، ومسروق منه. وقوله: “يسرقنا منّا”جمع فيه المسروق والمسروق منه. ويبدو أنّ هذا التركيب انحدر إلى لغة العتوم من قراءاته للشعر الصوفي الإشراقي، وهم من يستخدم هذه التراكيب، مثل:”خُذني منّي يا ذا التثنّي، واسألني عني كيف التجنّي”.

وبراعة الفنان الحقيقية لا تعني مجرد تبنّي مفرداتِ الآخرين وتراكيبهم اللغوية، ولكنها إعادة نسجها وتلوينها في قماشة جديدة. وهاك مثالاً آخر:”لم يبقَ لي منّي شيءٌ. أنا هنا أحلامٌ مبعثرةٌ، ذكرياتٌ مذبوحة” ص 116. وهذا النمط من التركيب لا يخلو منه شعره أيضاً، فها هو ذا يقول في قصيدة (مقبرة الأحياء) من ديوانه نبوءات الجائعين:

أمشي وأجهلُ أنّ الدّربَ يُوصِلُني
ولستُ أجهلُ أنّ الموتَ في أربي
وهــاربٌ أنا مني حين أعــرفُني
بغير جدوى، أمِنّي ينبغي هربي؟

أيمن العتوم الروائي لا يوظف ملكاتِه الذهنيةَ ومهاراتِه اللغويةَ في التصوير فحسب، بل ثمة شيءٌ آخرُ هو نوع من التفسير الميتافيزيقي لحدوث الوقائع والعلاقات بين الأشياء، فهو مثلاً يعبّر عن العلاقة بين الهراوات أو العصيّ وجسد الضحية حينما تنهال عليه بقوله على لسان سارده الأول علي العكرمي: “كأنّ فيها غريزةً مركّبةً أن تلتحم بنا كلما رآنا السّجان” ص 141. وهذا التعبير ربما يكون العتوم قد انفرد به ما لم يسبقه إليه أحدٌ آخر، وزرع الغرائز في الجمادات، وهي من طباع البشر التي لا ينفك عنها من غرزت فيه، صورة فنية مثيرة تندرج تحت ما يسمى بالتشخيص.

ويصور لنا العتوم عذابات السجن تصويراً مؤلماً حتى لكأنك تعيشه، فيصور لنا حالة احتضار لسجين بعد أن نال منه الجلادون، وتفننوا في تعذيبه:

” ألقوه في الساحة مقيّداً، وراحوا يسكبون الماءَ الملح على جروحه. كان أنينه يصل إلينا، يلخص المأساة في الإنسان الذي لا يرحم أخاه في الإنسانية، كأنما توغّل ذلك الأنين قادماً من فِجاجِ الغاب، عميقاً، شجناً، يحمل ألفَ جرحٍ نغّارٍ لألفِ مألوم […] في مساء اليوم التاني كان أنينه يحمل نغمة الطيور المهاجرة، والكائنات التي تودّع الحياة برنّةٍ حزينةٍ. ظلّ أنينُه يخفت شيئاً فشيئاً حتى انتهى تماماً. سمعتُ احدَ الحرّس يسأل زميله: «هل مات ابن….؟» فيرد عليه الحارس الآحرُ: « مات.. مات.. الله لا يردّه »” ص 407.

تصوير أنين المعذّب، وكأنه ينبعث من قعر مظلمةٍ، أو كأنه قادم من فجاج الغاب يبلغ الآذان موهناً ضعيفاً لأنه يخرج من جسد متهالك، ولكنه مع ضعفه حادٌ يجرح، والأولى بجراحاته النفوس المكلومة. وتشبيه أنين المحتضر بنغمات الطيور المهاجرة يحمل معنيين: مفارقة الوطن والأهل والأصحاب، والتوق إلى الفردوس المفقود.

والبراعة اللغوية وحدها لا تجدي ما لم يرفدْها تحصيلٌ معرفيٌّ وثقافيٌّ كبيران. وأيسر ما يستكشفه الناقد في العمل الأدبي هو ثقافة صاحب النص، أعميقة هي أم ضحلة؟ ثم ما هي مستويات التوظيف المعرفي لها داخل النسيج الأدبي. وأزعم، بناءً على قراءتي لأعمال العتوم الأدبية: رواياتٍ وأشعاراً، أنه أديب كثير التجوال بين الثقافات الإنسانية، يأخذ منها ما يستحسنه ويُعرض عمّا يستقبحه. وكانت تمرّ بي عباراتٌ أجزم بأنه استلهمها من قراءاته الواسعة، وأضرب لذلك مثلاً بعنوان الفصل رقم 69 (عرس الدم) وهو عنوانٌ مستلهم من عنوان مسرحية (الزفاف الدّامي) Boda de sangre لفيديريكو جارسيا لوركا، ومثلاً ثانياً يشبّه فيه العتوم اجتماع القتلة المجرمين بسيدهم المجرم السّادي وهو يخطط لإعدام السجناء باجتماع حسن الصبّاح رأس الحشاشين من طائفة الإسماعيلية في قلعة آلموت بزبانية الموت. ومن قرأ تاريخ الحشاشين الدموي وقلعته الحصينة على قمة جبلٍ عالٍ المسماة آلموت أي وكر النسر لا يتردد في مقارنة قلعة العقيد بباب العزيزية بقلعة آلموت ومقارنة العقيد بحسن الصباح ، ومثلاً ثالثاً أرسله العتوم على لسان العقيد، جاء فيه: “مدّ يدَه إلى الكأس البللورية التي أحضرت إليه للتوّ، كرع ما فيها دَفعةً واحدة. فكّر: حتى الآلهة يصيبها العطش”، وتلك إشارة إلى الانتفاع بعنوان رواية أناتول فرانس”الآلهة عطاش أو عطشى”.

ومثلاً رابعا وهو عنوان الفصل رقم 68 (فقد الأحبة موت) فهو مقتبس من المثل العربي (فقد الأحبة غربة). ويبدو أنّ هذا التحوير في المثل السائر أليق بحالة المسجون، لأنّ فقدان الأحبة عند المسجون ليس مجرد اغتراب مؤقت، بل هو موت، والموتُ عَدَمٌ لكلِّ الصِّلاتِ والعلائقِ المحتَمَلةِ وتلاشيها.

وقد يقف القارئ على عبارة مندسة داخل نصوصه الروائية، أحسن توظيفها، ويمكن للناقد الماهر أن يكتشفها ويردّها إلى أصلها، كقوله على لسان أحد أبطال الرواية:

“لن يدخلَ السجنَ أحدٌ ويخرجَ منه كما هو. في السجن تحدث تحوّلاتٌ كثيرةٌ. فكما لو وقفتَ على الجسر فإنّ ما النهر الذي يجري تحت هذا الجسر في لحظةٍ ما لن يكونَ هو الماءَ ذاته الذي يجري في اللحظة التالية، وكذلك ستجدني؛ أنا أتغير مثل الماء، أتأثر مثله بشكلِ المجرى، وعدد الصخور التي تعترضه، وبالأشجار التي تقف على ضفتيه، وحتى بأصوات العصافير التي ترتوي منه “ص 36.

وأصل هذا الكلام عبارة شائعة للفيلسوف اليوناني هيراقليطس فيلسوف التغير والتطور والتبدل في الموجودات، وعبارته تلك هي:

لم يكتفِ الروائيُّ أيمن العتوم بما عنده من محصول معرفي وثقافي سابق، بل عمد إلى إثرائه بقراءات جديدة تتصل بشكل مباشر بموضوع روايته (طريق جهنم)، فقرأ مؤلفات تاريخية وأدبية من تصنيف أدباء ومؤرخين ليبيين حتى تكتمل الصورةُ في ذهنه قبل أن يشرع في كتابة روايته، وهذا شرطٌ أساسٌ في كلّ عمل روائي يتصل بحقبة تاريخية أو بمكانٍ محدد. 
إنّ ثقافةَ العتوم ثقافةٌ إسلاميةٌ محض تقوم على التصور الإسلامي للإنسان والكون والحياة، قد تكون مشبعة بثقافات أخرى ولكن بشرط عدم تصادمها مع المفاهيم المنبثقة عن ذلك التصور المنسجم مع الفطرة التي فُطِر عليها الناس. وهذه الثقافة ظاهرة في جميع أعماله ولا سيما تلك التي تحمل طابعاً فلسفياً مثل روايته (تسعة عشر) وروايته (نفر من الجن).

● طريق جهنم: الواقعية التاريخية

الرواية التاريخية جنسٌ ادبيٌّ مهم، ويحتاج إلى دراسات عميقة. وإنه لمن العسير أن تُعلّم الناسَ التاريخَ، أو تخلق حسّاً تاريخياً في جمهورٍ من الناس. ولكنّ الرواية التاريخية، أو الرواية التي تتعامل مع وقائع تاريخية تفعل ذلك بسهولة ويسر. فالإنجليزي من عامة الناس يمكنه أن يتعلم كثيراً عن التاريخ من مسرحيات شيكسبير (هنري الثامن، ماكبث، الملك لير، هاملت)، أو من الروايات التاريخية للسير والتر سكوت وتشارلز ديكنز أكثر مما يتعلمه من كتب التاريخ. ففي (قصة مدينتين) لديكنز، و(البؤساء) لهوغو يتداخل التاريخ مع الحكاية الشعبية، والحكايات الخاصة التي تعكس وجوهاً للثورة الفرنسية، والشأن نفسه نجده في (الحرب والسلام) لتولستوي. هذه الآثار الأدبية الكبيرة ليست تأريخاً للوقائع، ولكنها أطرٌ فنية يستخدمها الأديب. نعم، نجد فيه تاريخاً، ولكنه ليس مطلوباً لذاته، فلا ينفع أن يكون وثيقة تاريخية يُحتجّ بها. والرواية التاريخية تزودنا بالمعلومات وتمنحنا المتعةَ، في حين لا نحصل من كتابٍ تاريخيٍّ إلا قراءة مملّة مضجرة ورتيبة. قد يصبر قارئ التاريخ على قراءة مقدمة الكتاب التاريخي، وفي أحسن الأحوال بضعة فصول منه إذا كان قارئاً أو باحثاً مهتماً بدراسة وقائع التاريخ. بينما نجد قارئَ الرواية التاريخية لا ينصرف عنها حتى يأتي عليها إلى آخرها. فالتاريخ ذكرٌ لوقائع هامدة وميتة لا تتحدث إلا نادراً عما لابسها من دوافع وظروف، فهي محض روايات قد يكتنفها الغموض والكذب والمبالغة. والرواية الواقعية التاريخية هي أعلى مستويات الرواية التاريخية، وتكمن أهميتها في ضآلة نسبة الخيال (الفنتازيا) فيها، لأنّ تلك النسبة كلما زادت قلت الواقعية. وانتسابها للواقعية لأنها تحكي ظروفاً معيشة، وانتسابها للتاريخ لأنّ أحداثها ووقائعها شهادات للتاريخ، يمكن الانتفاع بها متى خُلّصت من قبضة الخيال.

و(طريق جهنم) رواية يجتمع فيها الواقع والتاريخ. فهي تقص أحداثاً، هي حقائق تاريخية كانت في السنين القريبة واقعاً أليماً مُمِضّاً، عيش بكل تفصيلاته، وأبطاله من أطهار الناس. قضى بعضهم نحبه، وبعضهم ما زال ينتظر، ولعلّ العناية الإلهية أرجأت في آجالهم ليقصّوا علينا أسوأ تراجيديا مرّت بالشعب الليبي، وحطت عليه بكلكلها أربعةَ عقودٍ من السنين العجاف.

(طريق جهنم) لا تعدو نسبة الخيال فيه 20 % وربما أقلّ من ذلك، وهي نسبة اقتضتها الصناعة الروائية، ويمكنني أن استعير عبارة لامرتين في مقدمة روايته جوسلين Jocelyn: “ليس موضوعي هذا من المخترعات، بل هو حادث حقيقي. إنّ في كلّ ما يقولون شيئاُ حقيقياً، وليس من مختلَقٍ فيه إلا اللغة فقط”.

الواقعية والتاريخية في (طريق جهنم) تكسوها قيمٌ جماليّة لا تنتهي بزمان حدوثها، ولا تختصّ بمكان وقوعها. وتلك علامة من علامات العبقرية الفنية، فالأعمال الأدبية الخالدة تخلد وتدوم بلغتها، وشخوصها الإنسانية.

ورواية العتوم تتزاحم فيها الشخوص، وهي نماذج بشرية متنوعة، فتجد المفكرَ، والباحثَ، والطبيبَ، والأكاديميَّ، والطالبَ، والفقيهَ، والمتصوفَ، واللغويَّ المعلمَ، والدرويشَ المعتوه، والموسوِسَ، والعسكريَ، والشرطيَّ، والجلادَ، والمجنونَ.

________________________

نشر بالسقيفة

الإجزاء: 134

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي
إلى الأعلى