طريق جهنم … قراءة نقدية (1)

د. الصديق بشير نصر

● تمهيد: طريق جهنم.. الأثر الأدبي

(طريق جهنم) آخر عمل روائي صدر مؤخّراً للروائي أيمن العتوم، وهو عملٌ سيترك لأمدٍ طويلٍ أثراً ظاهراً، وبصمةً واضحةً على الرواية العربية، لا سيما وأنّ هذا العمل تدور وقائعه داخل أسوار السجن، والسجنُ وسطٌ تكره السلطاتُ المستبدّةُ في العالم العربي أن يكون بؤرة الحدث، لأنه يفضح عورات ويكشف سوءات لا يُراد لها أن تُعرّى. السجون السياسية في بلاد العرب بيوتٌ للموتى، وقبور فاغرة الأفواه تلتهم بشراسة كلّ من يُقذف إليها. (طريق جهنم) خطابٌ إنسانيٌ متميّزٌ توفّرت فيه شروط الإبداع الفنية والعقلية، يتجاوز الزمان والمكان، بل يتجاوز الجنسَ واللون. خطابٌ مُشبَع بالآلام والعذابات.

غلاف رواية طريق جهنم
غلاف رواية طريق جهنم (الصورة: الشبكة).

(طريق جهنم) حكايةٌ واقعية عن مسلخٍ بشريٍّ، يحسب قارئها للوهلة الأولى ولفرط غرابتها أنها محضُ خيالٍ وخرافة. مسلخٌ بشريٌّ يُديره زمرةٌ من المعتوهين تلبّستهم كلُّ الأمراضِ التي تُصيب النفوس والعقول، يقودهم مهووس مثلهم اسمه (العقيد)، لم يُبْقِ لِعتاة التاريخ ومجانين الدنيا صفةً ذميمةً إلا انتحلها لنفسه، فما أبقى للمركيز دي ساد، ولا كاليغولا، ولا نيرون، شيئاً ينفردون به.

(طريق جهنم) روايةٌ مثيرةٌ تنصبُ علاماتٍ فارقةً بين العقل والجنون، والمعقول واللامعقول. تُرْسِلُ خيوطاً متشابكةً من الأحداث، التي هي أشبه بخيوط العنكبوت الساكنة التي تُغري زائريها، فيقعون فريسةً لها، ومثل ذلك قارئ هذه الرواية حيث لا يجد مهرباً ولا فكاكاً من الرواية التي تأسره بأحداثها المثيرة ولغتها الساحرة. وأبطالُ رواية (طريق جهنم) شخصياتٌ حيّة تتحرّك فوق المسرح بعنفٍ حيناً، وبرتابةٍ حيناً آخرَ باحثةً عن مؤلّف، على رأي لويجي بيرانديللو، يحدّث عنها، ويكتب مأساتها، ويرسم لها لوحاتٍ فنيةً ولكن بريشة مغموسة في الدم، فوجدت ذلك في أيمن العتوم.

(طريق جهنم) معاناة حقيقية يرويها سجين رأي أمضى ثلاثين سنة في الجحيم. بطلٌ حقيقيّ من لحمٍ ودمٍ، عائدٌ من عالمٍ مخيف يحكي لنا عن رحلةٍ مرعبة شاركه في معاناتها وبلواها صفوةُ من أحرارِ ليبيا ومثقفيها. ثلاثون عاماً في غيابات جُبّ لم تِعْرف الطريقَ إليه بعضُ السيّارةِ.

إلى الخارجين من القبور بعد أن دفنوا فيها ثلاثين عاماً، أُهدي هذه القراءة.

● أيمن العتوم: ظاهرة روائية

ياسائقَ الإبِلِ إن تشرَب على ضمأ
من المهــــــانة، إنّ الإبلَ لم تَـرِد

هذي بلادي عـــــروقي بالمُنى نبَضَت
وخاطري والهوى المنقوشُ في كَبِدي

هي الحبيبَــــــةُ عمري كـلّه فلقد
رهنتُ أمسي ويومي دونها وغدي

أقولُ هم أهلُيَ الحــامونَ تُربَتَها
والذّائذون إذا السّــاداتُ لم تذُدِ

ليسوا أولئــك باعوها وأشرفُهم
لدى المزادِ على فِلْسَينِ لم يَزِدِ

الشعــــــــبُ أكبرُ من كلبٍ يُسيّره
والكلبُ يخشى قديماً هيئةَ الأسدِ

قِف في وجوه الذين استهونوا دمَنا
وأشعِلِ النــــارَ في جنبيك واحتشِدِ

علّم طُغاتــَك أنّ الأرضَ ثائرةٌ
وأنّ شعباً عن الثـوراتِ لم يَحِدِ

وفي النفوسِ براكينٌ مُؤَقّـــتةٌ
إذا هي انفجرت لم تُبْقِ من أحـدِ

* (أيمن العتوم: ديوان نبوءات الجائعين 99 – 100)

(أيمن العتوم) شاعرٌ وكاتب روائي يشكّل اليوم ظاهرةً أدبيّةً بحق، لا سيما في أعماله الروائية التي خرجت إلينا تترى، وهي ظاهرةٌ جديرةٌ بالبحث والدراسة. أعمالُ أيمن العتوم الروائية ظهرت عقبَ ثوراتِ الربيع العربي المجهضَة، إذ كتب أوّلَ رواية له (يا صاحبّي السجن) في عام 2012 ، ثم تتالت أعمالُه الأخرى: (يسمعون حسيسها 2012)، (ذائقة الموت 2013)، (حديث الجنود 2014)، (نفرٌ من الجنّ 2014 )، (كلمة الله 2015 )، (خاوية 2016)، (اسمه أحمد 2017)، (تسعة عشر 2018)، (طريق جهنّم 2018).

حقّقت رواياته التسع الأولى أرقاماً قياسية في إعادة طبعها حتى بلغ عددُ مراتِ إعادة طبعِ (يا صاحبيّ السجن) 18 طبعة، و(يسمعون حسيسها) 20 طبعة، و(حديث الجنود) 12 طبعة، و(ذائقة الموت) 14 طبعة، و(نفر من الجن) 18 طبعة، و(كلمة الله) 12 طبعة، و(خاوية) 11 طبعة، و(اسمه أحمد) 3 طبعات، و روايته (تسعة عشر) صدر منها 15 طبعة في غضون خمسة أشهر من تاريخ صدور الطبعة الأولى في يناير 2018، وروايته الأخيرة (طريق جهنم) التي صدرت في أواخر شهر سبتمبر 2018 ، قد أعيد طبعها عشر طبعات على الأقلّ ولمّا ينقضِ بعدُ على الطبعة الأولى أكثرُ من شهر، وكان مجموع كلّ طبعة يتراوح من عشرة آلاف إلى اثنتي عشرة ألف نسخة.

وهذه الظاهرة لم تقتصر فقط على روايات العتوم، بل تعدّتها إلى دواوينه الشعرية: (نبوءات الجائعين) 5 طبعات، (خذني إلى المسجد الأقصى) 6 طبعات، (قلبي عليك حبيبتي) 6 طبعات، (الزنابق) 4 طبعات، (طيور القدس) طبعتان.

هذا النهم نحو أعمال العتوم يستشكِلُ على الفهم لأنّ الشهرةَ التي حظيت بها أعمالُه لم يوصله إليها نقّادُ الأدب الذين هم غالباً مَن يقومون بهذا كما جرت العادةُ بذلك، ولكنّ هذه المرّة تمثلت في الجمهور. وهذا يتفق تماماً مع مذهب عالم النفس الفيلسوف هنري ديلاكروا في أنّ المجتمع هو صاحبُ الرأيِ الأوّلِ والأخير في الحكم على العملِ بأنه عبقريٌّ أو دون ذلك فهل ارتقت ذائقةُ الجماهير إلى هذا الحدّ؟. لا أملك جواباً. ولكن أرجو أن يكون الأمرُ كذلك، لأنّ الجمهور هم المستهدفون أولاً وأخيراً بأيّ عملٍ أدبيٍّ باعتباره خطاباً يستجيب لرغباتهم. والناقدُ الأدبيُّ يتعامل مع النصّ الأدبيِّ بمعايير غير تلك التي يستخدمها القارئ. ولا شكّ أن “الرغبة في الشهرة تُغري العقولَ النبيلةَ” كما قال القديس أوغسطين، وهي في الوقتِ نفسِه “ليست نباتاً يتغذى على أرضٍ جرداءَ يبابٍ” على رأي جون ملتون. ولقائلٍ أن يحتجَّ بمقولة فيلسوف التشاؤم آرثر شوبنهاور: “الشهرة سوء فهم يتجمع حول اسمٍ جديد”. نعم! هذا صحيح، ولكن إلى حدٍّ ما. فالشهرة التي تصنعها الغوغاء نبتةٌ شيطانية لا جذور لها زُرِعت في غير أرضها، ولن تلبث أن تلفظَها، وسوف تتبدّد كسحابةٍ في يوم صائفٍ. وينبغي ألا ننسى أنّ “للشهرة أعداءً يهجمون عليها كما يتهافت البعوض على ضوء المصباح”، هكذا حدثنا فيكتور هوغو. إنّ العمل الأدبي الرفيع الذي يتجاوز الزمان والمكان، ويتجاوز الجنس واللون، هو ذلك العمل الذي يستمدّ ديمومته من الإنسان نفسه. ومعيار الإنسانية في العمل الأدبي يتقدّم على المعايير الأخرى: اللغة، والبيان، والمعمار الفني. والعملُ الأدبيُّ الذي يستدعي قضايا الإنسان وهمومَه هو أدعى إلى الانتشار من غيره، لا سيما إذا خلا من التكلّف والصّنعةِ.

إنّ أعمال الروائي د. أيمن العتوم اجتمعت لها شرائط النجاح، فتهافت عليها القرّاء على اختلاف مشاربهم. فالقارئُ العاديُّ يجد فيها نفسَه كما تتمثّلُ الصورةُ في المرآةِ، فتُشْبِعُ وجدانَه وروحَه. والقارئُ المحترفُ، سواء أكان ناقداً أم أستاذاً أكاديمياً، يجد في النصّ الروائي أو القصيدة الشعرية للعتوم ما لا يجده غيرُه فيهما حيث ترتسم أمامه عبقريةُ اللغة وسطوةُ البيان. تلك هي متعةُ القلب المُعَنّى، وبهجةُ العقل المكدود التي تجتاحنا عندما نقرأ للدكتور أيمن العتوم الذي نحسبُ أنه يتكلّم بلساننا نحن المستضعفين.

أدب أيمن العتوم، أدبٌ لُحمته الصدقُ وسَدَاتُه الخِبرةُ، والتجربةُ الذاتيةُ سرٌّ من أسرار نجاحه وقبوله. وتجربته في السجن التي تحوّلت إلى أعمال روائية ومادةٍ شعرية ستصيّره واحداً من أشهر الكُتّاب في أدب السجون، لا على المستوى العربي فحسب، بل على المستوى العالمي لو صادفت أعمالُه مترجمين حاذقين.

تجربة أيمن العتوم في السجن، توزّعت في رواياته، وتلبّستها قصائدُه في زنازين البطش والإرهاب، فتناهبتها أيدي القارئين. في ديوانه نبوءات الجائعين، ينشد العتوم السجين في دهاليز سجن سواقة عام 1996:

أفِرّ من الممات إلى الممــــــاتِ
وأعلَمُ أنّ حتفي في حيـــــــــاتي

وأحفرُ من تـــراب الحَرْفِ قبري
وأحْمِلُ بين أفكاري رفـــــــاتي

وأهــلِكُ دون رأيي واعتقــــادي
لكي أنجو ففي هُلكي نجـــــاتي

سكبتُ دمي على أوراقِ شعـري
ومنه جعلتُ حِبري في دواتــي

بلادي سرُّ مــــأساتي وشـــعبي
لهيبٌ من جِراحي النازفــــــاتِ

أنا جُــرحُ الملايين اســـتفاقت
لتخرُج من شَتاتٍ في شـــتاتِ

تُساقُ إلى الهــلاكِ بـلا عيــونٍ 
وتَعـــمى أن تكــون مع العُماةِ

بلادي أيُّ جـــرحٍ سوف يَشفى
إذا ما كنتِ أصـــلاً في شَكاتي

أُحبُّكِ هل يكون الحبُّ جُــرماً
ويَحْبِسُني على حُــبي قًـــضاتي

ولا عجبَ أيحـــميني عــــدوي
وأعــجبُ أن يُعاديني حُمــاتي

كتبتُ على جدار الجهر شعـري
بأني قــــد برِئتُ من الطّـــغاة

أيمن العتوم، كاتبٌ فريد، وقلمٌ متوهج، يحمل بين جوانحه همومَ أمّةٍ جريحةٍ مخذولةٍ، تصارع للنهوض، وكلما همّت بالوقوف عاجلها أعداؤها بضرباتٍ موجعة. والأنكى، والأدهى، والأمرُّ عندما يغتالها أبناؤها وقد استبدّت بهم نشوةُ السُّكر والعربدة، فراحوا يرقصون على أشلائها الممزّقة. العمل الأدبي عند العتوم سواء أكان روايةً أم شعراً يستثير في كلّ فردٍ قدرته على اكتشاف الحق الجوهري الذي يمكن أن يُعينه على الخلاص من الفوضى واختطاط طريق في الحياة.. إنّ مهمة الفنان ورسالته هي أن يتمثّل الحياة بجميع صنوفها وألوانها، ويتقلّب في مدّها وجزرها من أجل أن يكتشفَ الحقّ ويظهره على رؤوس الأشهاد، وفي سبيل ذلك يتخذ من الأشياء الواقعية لا الأفكار والمفاهيم المجرّدة مادةً لفنّه.

● عبقرية العنوان في روايات أيمن العتوم

كنتُ كتبت فصلاً في كتابي (الوابل والطلّ) بعنوان (روعة العنوان في الأدب العربي الحديث)، تحدثتُ فيه عن (غواية العنوان)، فقلتُ:

“قد يسألني سائلٌ : هل لعنوان الكتاب غواية؟ فأجيبه: نعم. العنوان يُغوي كما تغوي ضروبُ الغوايات الأخرى. عنوان الكتاب بابه الذي يولَج إليه منه. وكلما كان البابُ جذاباً مثيراً دعا إلى قرعه، ومن ثمّ الدخول منه، ولو كان ما بداخله متواضعاً لا تدلّ عليه فخامة الباب. وكم من كتابٍ قبيح المظهر زهّد قارئيه فيه مع أنه غنيّ بالمعارف والعلوم، وكم من كتابٍ أغرى عنوانُه الجميل بالولوج إليه مع أنه ليس بذاك. ولا يتفطّن القارئ إلى ذلك حتى يبتلى بقراءته. ومن الطريف أنّ العنوان قد يبعث على النفور من مؤلّفٍ ما لسماجته، فيحكم القارئ على كلّ مصنفات ذلك المؤلف الأخرى الحكمَ عينه، وفي ذلك ظلمٌ شديد. لقد كان العنوانُ علامةً على الكتاب، وكان كثيرٌ من المصنِّفين والمؤلِّفين قديماً وحديثاً يُعنَوْن بإبداعه، وكان المتقدمون يتفننون في زخرفته باستخدام السجع والمبالغة فيه، فجاءت بعض العناوين آيةً في الجمال، وأخرى آيةً في القبح بسبب التصنع والتكلّف [.. ] وفي عصرنا هذا، التفت جمهورٌ من الأدباء والكتّاب إلى أهمية العنوان فأخذوا ينحتون عناوينَ جميلةً وطريفةً، تشدّ انتباه القارئ ولو لم تكن تعكس في بعض الأحايين حقيقة محتوى الكتاب”.

وأذكر من الأدباء المفتونين بالعناوين الجميلة، ميخائيل نعيمه. وعناوين مؤلفاته تعمل عملَ السحر في قارئها، فلا ينفكّ حتى يلجَ إلى عوالمها السحرية التي جُعِلت لها أبواباً وعتباتٍ.

ومن تلك العناوين: (البيادر)، (كرم على درب)، (زاد المعاد)، (المراحل)، (همس الجفون)، (النور والديجور)، (نجوى الغروب)، (الغربال).

وثمة عناوين كثيرة لدواوين شعرية جميلة، أذكر منها على سبيل المثال دواوين إيليا أبي ماضي: (الجداول)، و(الخمائل)، و(تبر وتراب)، وديوان (أفاعي الفردوس) لإلياس أبي شبكة، وديوان (الشفق الباكي)، و(أنين ورنين)، و(أنداء الفجر) لأحمد زكي أبو شادي، وديوان (أغاني الدرويش) لرشيد أيوب، وديوان (الأرواح الحائرة) لنسيب عريضة، وديوان (تذكار المهاجر) لقيصر المعلوف، وديوان (الملاح التائه) لعلي محمود طه، وديوان (أغاني الكوخ) لمحمود حسن إسماعيل، وديوان (وراء الغمام) و(الطائر الجريح)، وكلاهما لإبراهيم ناجي. ودواوين العقاد: (وهج الظهيرة)، و(أشباح الأصيل)، و(أشجان الليل)، و(وحي الأربعين)، ودواوين أحمد الصافي النجفي: (الأمواج)، (الأغوار)، (ألحان اللهيب)، (اللفحات)، (شرر). و(زنابق الفجر)، و(أغاني الليل)، و(بروق ورعود)، وديوان (من خوابي الزمن) لشكر الله الجر، وديوان (نوحُ العندليب) لشفيق جبري.

ومن الأدباء المولعين باختيار عناوين كتبهم مارون عبود، ذلك الكاتب الساخر الذي لا تملك أن تُلقي بكتابٍ من كتبه قبل أن تأتي عليه كلّه، وله: (على المحك)، (مجدّدون ومجترون)، (أشباح ورموز)، (دمقس وأرجوان)، (حبر على ورق)، (أحاديث القرية)، (سبل ومناهج)، (على الطائر)، (نقدات عابر).

ومن الأدباء الذين تأسرك عناوين مؤلفاتهم أيضاً، جبران خليل جبران. فله (دمعة وابتسامة)، و(الأرواح المتمردة)، و(الأجنحة المتكسرة)، و(عرائس المروج)، و(العواصف) و(البدائع والطرائف).

وأيمن العتوم له رؤيته الخاصة في اختيار العنوان، فقد جاء بشيء فريد في عناوين رواياته العشر لم يُعرف، أو على الأقل ندَرَ مثيله أو شحّ نظيرُه، إذ نسج من اللغة القرآنية مادةً لعناوينه. وكلُّ عنوانٍ لو تأمّله القارئُ الحاذقُ لَوَجَدَهُ يَشِفّ عن خفايا تنساب بشكلٍ أو آخرَ بين تضاعيف الكتاب، كالنُّسْغِ يجري في عروق النبات. فروايته الأولى تحمل عنواناً قرآنياً فريداً (ياصاحبيّ السجن) استلّه من سورة يوسف، السورة التي تحكي محنة السجن، والفتنة، والخيانة، والغلبة، والانتصار، والعفو والرحمة. وكلّ هذه اجتمعت في الرواية وشكّلت بنيتها الموضوعية. ونجد الشيءَ نفسَه في عنوان رائعته (تسعة عشر) الذي استلّه أيضاً من سورة المدّثر، وهي تعالج فلسفةَ الموتِ والحياة. وهذه الروايةُ الفلسفيةُ هي في ظني أهمُّ رواياته، ولعلنا نكتب عنها دراسةً في مناسبةٍ لاحقة. والشأنُ نفسه مع (ذائقة الموت)، العنوان المستلّ من سورة آل عمران، والأنبياء، والعنكبوت. وكذا روايته (نفرٌ من الجنّ) المقتبس عنوانها من الآية الأولى من سورة الجن، وروايته (خاوية) المقتبس عنوانها من سورة البقرة، والكهف، والحج. ولا يشقّ على القارئ أن يكتشف الرابط الوثيق بين هذا العنوان وموضوعات الرواية، إنه الكشف عن أسباب التفسخ والانحلال وعلل الفساد. وعنوان روايته (اسمه أحمد) مقتبس أيضاً من الآية 6 من سورة ص: {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ}، وتحكي قصة البطل الفلسطيني الأردني أحمد الدماقسة، وقد بُشّرت به أمُّه وهي تحمله، وأنّ اسمه سيكون (أحمد). وروايته الأخيرة (طريق جهنم) التي نحن بمعرض الحديث عنها، اقتبس العتوم عنوانها من سورة النساء، ومن قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (168) إِلا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا}، وقد أفلح المؤلف في هذا الاختيار إذ لم يجعل لفظة الطريقَ إلى جهنم معرفةً، فجاء بها نكرةً، ولم يجعل العنوانَ (الطريق إلى جهنم) لتتعدّدَ الطرق إلى الجحيم، لأنّ الأصلَ في التنكير الإبهامُ والعموم ، وكأنه يريد أن يقول إن الحوادث والوقائع المتعددة التي تجري في روايته لا تخرج عن أن تكون كفراً أو ظلماً، وكلّ ذلك يفضي إلى جهنّم، وأيّ جهنم !! والكلّ يقضي حظّه منها بقدر ما اقترفت يداه من جُرمٍ، وأقلّه في الدنيا عذاب النفس والروح الذي لا يفتأ يلاحق المجرمين حتى في منامهم، يُروّعهم ويقضُّ مضاجعهم.

وظاهرة عناوين الروايات المقتبسة من القرآن الكريم نجدها أيضاً في عناوين الفصول الداخلية لرواية (ياصاحبيّ السجن)، فتقابلنا عناوين من قبيل: (من قبل أن نبرأها)، و(يقصّ الحقّ)، و(ظلماتٌ بعضها فوق بعض)، و(اعملوا على مكانتكم إنّي عاملٌ)، و(ادخلوا مساكنكم) إلخ…

● أيمن العتوم: مبضع الجرّاح

آفاتُ الأفراد من الناسِ كثيرةٌ، وكذا الأمراض التي تنشب أظفارها في المجتمعات، وقد تخفى هذه أو تلك على العين، لكنها تظهر بمبضعِ الجرّاحِ الماهر. والكاتب إن لم يضع يده على مواطن العلل في القضايا التي يثيرها فلا يعدو أن يكون حكواتي. ومن هنا يُميّزُ بين الروائي المبدع الفنّان مثل غي دي موباسان وغوغول، والقُصّاص المناكير صنائع النقد الفاجر. فالكاتبُ الذي لا يكتبُ ما تَنْهَضُ به أمّتُه، وتسمو به لغتُها فهو أفّاكٌ صعلوكٌ وإن وُضِعَ على رأسه ألفُ تاج. والأديبُ المتصابي المتهتّك الذي لا يدافع عن القيم الأخلاقية والقيم الإنسانية العامة أُدباتي أو أُدَيِّب، وإن قَرّظَتْ أعمالَه جوقةُ المنافقين من المبهرِجين.

لم يَدَعْ الروائيُّ أيمن العتوم ظاهرةً سلبيّةً عَرَضَ لها إلا وأعمل فيها مِبضعَه بمهارةٍ فائقةٍ، ومبضعه هو عربيته الفريدة الراقية التي يستخفّ بها بعضُ ممن يدّعون وصلاً بالأدب، والأدبُ لا يُقرّ لهم بذاك. ومبضعه إيمانه بالحق والفضيلة، ومبضعُه إيمانه بالحرية والعدالة.

لم أجد هذا المبضع عند آخرين من أهل الأدب ممن اشتغلوا بتصوير محنة السجن ومأساة السجين السياسي بل لم أجده حتى في الأعمال الأدبية الأخرى، اللهمّ إلا اللمم. وإنما وجدتُ اعمالاً تُسمى أدباً هي أقرب في لغتها إلى لغة العامة، بحجّة أنّهم أهلُ الخطاب. رأيت صوراً سخيفةً، وثانيةً قبيحةً مُبتذَلة، وثالثةً متهتّكةً فاجرةً، عظّم من شأنها مرتزقةُ النقد في بلادنا العربية، فكانت أشبهَ بالموضوعات الإنشائية التي يكتبها التلاميذُ المبتدئون. وقد بلغ السّفَهُ بأحد القصّاص، وقد عدّ نفسَه ناقداً، أن قرّظ عملاً حُشِرَ في أدب السجون بأن صاحبه أشبهُ بدوستويفسكي، وكأنه يقارن ذلك العملَ برواية عملاق الرواية الروسية (مذكرات من البيت الميِّت)، مع أنّ ذلك الصاحب أو القاصّ يعترف بقلة زاده وضآلة محصوله لاسيما في اللغة.

إنّ آفةَ النقد، اليوم، وبَلِيّتَه التي حطّت من شأنه، تحوّلُه من أداة تقويم إلى أداة تزييف. وعالمنا الأدبي يعاني إلى حدّ كبير من حالة لا تدعو إلى مستقبلٍ زاهرٍ، وقد أفسدَ حاضرَه المناخُ الثقافيُّ الذي تعفّن بتعفن الأوساط السياسية التي تتحكّم في جميع الأذرع و المفاصل التي تقوم عليها مؤسساتُ الدولةِ.
إذا كان دوستوفسكي قد أثار اهتمام نقاد الأدب، فعدّوه محللاً نفسانياً لا يقل عن كبار المحللين النفسانين، إن لم يتجاوزهم ، فإنّ سيغموند فرويد درس عبقرية الروائي الروسي من خلال تحليله النفسي لروايته (الجريمة والعقاب) من خلال أربعة أوجه في شخصيته الغنيّة: الفنّان الخلاق، والمريض النفساني، والأخلاقي، والخاطئ (الآثم)، وكيف يجد المرءُ طريقَه في هذا التعقيد المحيّر؟. وهذه المعايير التي وضعها فرويد هي محلّ شكّ وتساؤل ـ باستثناء المعيار الأوّل. فليس شرطاً أن يكون المحلّل مريضاً نفسيّاً أو مصروعاً أو معتوهاً لكي يكون مُحللاً نفسانيّاً ناجحاً، والآثم المنغمس في الرذائل لا يقيم للفضائل وزناً، ولذا لا يُتوقّع منه صدورُ أحكام منصفة. والفرق بين العتوم ودوستويفسكي إذا افترضنا أنهما مُحلّلان نفسيان، فإنّ الأوّلَ منهما لم يجتمع في تجربته داخل السجن إلا بصنف واحد من الناس أكثره من الفضلاء من أصحاب الفكر وسجناء الرأي، والأسوياء من الناس، والثاني اختلط في السجن بالقتلة والمجرمين والمقامرين والشذاذ.

في روايات العتوم حساسية مفرطة تهيّجها المظالم، وتثيرها المقابح، عيونٌ لاقطة لكلّ ساقطة. وهذه الحساسية التي جعلت نفس العتوم تشمئزُّ من الموبقات والنقائص زرعها في أعماقه الوسط الذي تربّى فيه، ذلك الوسط المُشبع بالفضيلة والإيمان. فليس من العجيب إذن أن تتحوّل هذه الحالة إلى موقفٍ ملتزِمٍ في الدفاع عن الحقيقة والعدل والحرية. رواية (طريق إلى جهنم) كلّها أعينٌ تُبصِر، وآذانٌ تُصغي، وشعاع ضوءٍ حادّ يسري في أركان مسرح الحدث، فيكشف ما يجري في الظاهر المُعلَن والباطن المستور.

● آثار التجربة الذاتية في روايات العتوم

تُعد التجربة الذاتية عنصراً وثيقاً من أركان الأدب الواقعي، وسبباً من أسبابِ نجاحه. وأكثر روايات أيمن العتوم تقوم على التجربة الذاتية الشعورية والعملية، ولا سيما رواياته التي تصنّف في أدب السجون. فروايته (يا صاحبيّ السجن) تجربة ذاتية لأيمن العتوم عاشها في السجن، وعبّر عنها في آخر أسطر روايته بأبياتٍ شعرية لمحمد محمود الزبيري، يقول فيها:

خرجنا من السّجنِ شمَّ النفوس
كما تخرج الأسْدُ من غـــــــابها

نَمُـرّ على شَفــــــراتِ السّـيوف
ونأتي المنـيّةَ مـــن بــــــــــابِها

لِـــتعـــلمَ أُمّـــــــــــــــتُنا أنّنــا
ركـــبنا المــــــــــنايا حـناناً بِها

وهذه التجربة الذاتية انعكس أثرُها في روايته الأخيرة (طريق جهنم) حيث صار يُسقِطُ تلك التجربة على أبطال روايته هذه، فينثال على لسانه في كثيرٍ من المواضع كلامٌ هو عينه ما يريد أن يقوله هؤلاء، وكأنه يقوّلهم ذلك أو يقتنصه منهم، لأنّ تجربةَ السّجنِ ومعاناتها واحدةٌ في المجتمعات المستبدّة سواء أكانت في العالم العربي أم في غيره من العوالم الأخرى، تتفق في أشياء وتختلف في أخرى.

“إنّ الحريّة مساحةُ الشعوب التي يحرم على الجبّارين أن يطؤوها. هناك في هذه المساحة يصنعُ الناسُ تاريخَهم، ويرسمون بإرادتهم شكلَ حياتهم. إنّ الحريّة القدرة على أن تختار نوع المصير الذي تنتهي إليه. إنها الإرادة في أن تفعل، وليس الجبرُ في ألا تفعل. إنها النجمةُ الفارقة التي تتطلّع إلى التدثر بضيائها كلُّ المخلوقات بما فيها الحشرات!!” كذا يقول العتوم في (يا صاحبيّ السجن ص 169).

___________________________

نشرت بالسقيفة

الأجزاء: 234

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي
إلى الأعلى