“صياد متوحد” ..

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي
من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

“صياد متوحد” ..
قرأ ت مرةً هذا الوصف لماركيز، وهو يمعن في رسم شخصية بطل روايته الشهيرة ” الحب في زمن الكوليرا”، فرأيت سيرتي مكتوبة بأحرف من قدرٍ غامض الملامح، وبكيت ألف مرةٍ من جديد.
“صياد متوحد” ..
أتحين الفرص، وألعن الظلام ألف مرةٍ قبل أن أشعل في عينيه شمعة.
“صياد متوحد” ..
أرشو مرارة الحنظل بملعقة عسل، وأطارد استحالة الأماني بإمكانية الحدوث.
“صياد متوحد” ..
أمامي تنمو لهذه الكائنات مخالب مفزعة، وفي أفواهها تزدهر الأنياب، فيغمرني آنذاك شعورٌ جارف كالذي ينتاب جسد أرنب وهو يواجه نوايا الذئاب.
“صياد متوحد” ..
أفقد أصدقائي واحداً بعد الآخر، وتغيب عني وجوه أحبتي كما تنطفيء القناديل في حالك الظلام.
“صياد متوحد” ..
أنصب فخاخي بخبرة حكيم، وأقع فيها بسذاجة طفل، وأعشق بعدها بوجد درويش، ثم أعود نهاية المطاف بقصرٍ من الوهم لا تكاد حجراته تتسع لصرخة مخدوع .
“صياد متوحد” ..
والبلد من حولي تصرخ، والوجوه من حولي تتبدل، والنفوس من حولي قطعة صلصال تشكلها رغبة، وترسم ملامحها لحظة ضعف.
“صياد متوحد” .. 
متمهل كعادتي، لا أجيد الصراخ، ولا يهمني أن أفرض سلطاني على أحد، تبكيني شكوى يتيم، وتحزنني نظرات التحسر في عيون المشردين، لكني أتحول إلى حجر صوان إذا ما تعلق الأمر بمواجهة نذلٍ يعاني من عاهةٍ في ضميره منذ الولادة.
“صياد متوحد” ..
كتبت لأنثى أحببتها مئة ورقة صفراء، صنعت منها كتاباً فيما بعد، كنتُ أعرف أنها لم تحبني يوماً، لكنها كانت الوحيدة التي تعيد تكويني من جديد، وكانت الوحيدة التي كنت استمتع باقتناص انسانيتي معها في لحظات اللقاء.
“صياد متوحد” ..
هكذا أنا، ذلك الحزين منذ بدء تكويني، تعودت أن أخاف وتعودت أن اتعايش مع الخوف فأمضي رغم تحذيراته الصارمة.
وتعودت أن أسقط، لكني تعودت أيضاً أن أنهض مهما طال بي زمن السقوط.
“صياد متوحد” .. 
لم استطع أن أكمل هذه المرة، فقد تعالت الأصوات في الخارج، وبدا لي وكأن أحدهم يطرق الباب بعنف، فأدركت أن النهار قد أقبل من جديد، وأن الكائنات قد استيقظت كعادتها كل صباح لتمارس فعل افتراس بعضها كما تعودت أن تفعل كل يوم.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
من روايتي الجديدة “الكائنات”.

عن الصديق بودوارة

الاسم: الصديق ابريك سليمان بودواره تاريخ الميلاد: 24/8/1963 مكان الميلاد: المرج/ ليبيا مجالات الكتابة: القصة/ المقال/ الكتابة الساخرة. تعريف قصير: انتقل من مدينة المرج حيث ولد، إلى مدينة البيضاء حيث واصل دراسته، حتى تحصل على بكالوريوس في مجال الزراعة العام 1988.. له زاوية أسبوعية بصحيفة "الجماهيرية" بعنوان.. "قبل أن أنسى". إصدارات: شجر المطر/ قصص قصيرة/ 1998.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى