صف ازدحام بالأحلام في شعر فريال الدالي

الشاعرة فريال الدالي.
الشاعرة فريال الدالي.

سئل الفنان الراحل محمد عبد الوهاب عن رأيه في صوت الفنانة فيروز، فأجاب بأن صوتها لا يجعلك تلمس التراب، وهو ذات الوصف الذي ينطبق على نصوص الشاعرة فريال الدالي في ديوانها «محاولة لصف ازدحام».

الديوان ممهور بإمضاء واحد وهو الحلم دونما توقف، وكأنما الحلم هنا بطاقة الصعود إلى الفضاء الافتراضي الذي من خلاله يتحقق شرط التحليق الشعري، رافضًا الرضوخ لأي معادلة فيزيائية تشده إلى التراب ولو كانت تحت بند «الهبوط الاضطراري».

التقسيم الفني للديوان يبدأ فيما أرى بنص «تحية»،  وينتهي عند نص «دعاء»، استقبالًأ لتقسيم آخر هو محاولة تصفها الشاعرة لصف ازدحام تلتمس فيه مسارب طريقها المعلن في لغة الخطاب وغير المعلن في تفاصيله، وأخيرًا المحطة الثالثة في نص «استدعاء» وهي مسحة بانورامية للذاكرة في مشوارها السالف.

في نص«تحية» يبرق وميض التمرد معلنًا عن روح كينونة خاصة، تحاول اكتشاف عالمها الأنثوي من خلال الآخر ضاربة عرض الحائط بكل أشكال الضبط والتشكيل، ومن ذلك تنسج بهذه العلاقة شبهًا بعلاقة البحر بالرمل أو الماء بالمطر يقول النص «سأتكلمك /خارج النحو والصرف /بلا ضبط / بلا تشكيل / ألجك / دون مبالاة بحليبك الصباحي /المنطرح / بظلامك المضاء فقط / بالأوراق».

هنا تندفع الروح بوثوب واثق، فهي المجنحة بالحلم، تضع خطوطها العريضة وعناوين ممراتها بمقابلات تحاول أن تجد من خلالها جوابًا لتساؤلات تبدأ بالمتحرك وتنتهي عنده، تنتصر للديناميكي بدل الاستاتيكي، فالأول رامز لعالمها الذي تصنع له مصابيحه وألوانه وطيوره وأزهاره، وقبل كل شئ لابد للسؤال أن يكون حرًا وعفويًا ومجنونًا أيضًا، وهو بالاضافة إلى ذلك يحمل وجهًا من وجوه الفلسفة يقول النص «أيهما يستهلك الآخر/ البحر أم الرمل / أيهما يذوب في الآخر / الماء أم المطر».

بالسؤال الطفلي تدنو في خطواتها  نحو مفردات عالم لا تكن إلى رؤيته  بقالب مباشر ولا تنحو في المقابل الى التشابك معه بصيغة الإبهام الخالص، لكنه مزيج من الاستنطاقات الرومانسية المكتظة بالعاطفة، تقول في نص «أوبرا»، «البحر/ يعزف سيمفونية البقاء / والشاطئ / يرقص على أطراف موجه / النخيل يغني / هيلا ..هيلا».

هذا الإرسال الحالم يتواصل مع فضاء من الاسقاطات ذات الطابع الاحتفائي محتشدًا بالطبيعة ولغتها المختبئة في البحر والأرض والشمس يقول النص «والشمس / تلقي دثارها الفضي / الذي يتجلى أكثر بلون الذهب / حيث يبلغ اللقاء ذروته / وتواصل الأرض ذروتها / لتتكشف عن عيون الليل / تطرز سطح البحر/ الأزرق الهادئ».

المجموعة الشعرية محاولة لصف ازدحام.

محاولة لاسترجاع أو تبين ملامح مسارب مفقودة ولملمة الأوراق المبعثرة  في منعطفاتها

الأنثى تصبح في وسط هذه التنقلات عنصرًا من عناصر الطبيعة، وتحاول في قصيد ة «ملاذ» الاستراحة عند  شاطئ تمهيدًا لانتقالة يوازيها قلق يجعل من الصورة في هذا النص غائمة ومشوشة، مشدودة إلى الماضي ونافرة منه إلى الآني الذي يتراءى لها قاسيًا ورافضًا لها، يقول النص «الوقت جفاف / والمكان / يبني رفضه /على قلوب نابضة /الوقت سراب / والشجرة تعوي / يااا مطر / ما من سامع».

ربما الغاية هنا تبرر الوسيلة، لذا لجأت الشجرة للعواء إظهارًا لأعلى درجات الرفض، ومن تم التخلص من انضباطية المعنى واللغة طلبًا لعالم سحري يروم إلى واقع بديل، أو كما يقول أدونيس «إن جوهر الشعر الحديث قائم على عكس القيم الواقعية، إنه يبدل هرمونيًا الواقع بهارمونيا إبداعية ، ويجد حقيقة خاصة وراء واقع العالم، إن الشاعر المعاصر لكي يكون حديثًا بحق أن يتخلص من كل شيئ مسبق، ومن كل الآراء المشتركة، إن هدف القصيدة الحديثة، هي القصيدة نفسها , فهي عالم كامل».

في الديوان يتبادل اللونان الأبيض والأسود أدوار الظهور والاختفاء بحسب الحالة التحليقية للرؤى وكذا إرهاصات النشوة والانكسار، ونرى من ذلك التأرجح بين التمرد والخنوع، التقدم والتراجع، الوضوح والغموض، وإن كان للون يوائم بين ضفتين فهو يظهر مؤقتًا تمهيدًا لصورة لاحقة من صور التبادل اللوني.

إن اللونين هنا يمثلان بالدرجة الأولى العالم الأرضي والعالم السماوي، الأول الحياتي والأخير السماوي المجنح بلغة السحاب والمطر والنوارس والعيون، تقول في نص «صحبة»، «لا حل / سوى أن أحملك / الى طبقات الأرض العليا /البيضة الدامية / فلا موطئ فوق / إلا لقدام النار/ولا ملمس / إلا لأيدي الشهوة /عيون تلعق آخر قطرة بكأس النزوة».

في نص «محاولة لصف ازدحام» محاولة لاسترجاع أو تبين ملامح مسارب مفقودة ولملمة الأوراق المبعثرة  في منعطفاتها، وإن كان بعضها فقد في زحام اللغة وتدافع المفردات والصور والذكريات، وتهويماتها في شكل تعابير عائمة ضلت  طريقها في الوصف، فهي بمثابة ترميم تلك التصدعات والشروخ على خطين متوازيين، أولهما يعكس الاحساس بأخطاء البداية، والآخر يستدعي عالمه الآخر القصي، فهي في منطقة «البين بين»، تضيق بالعالم الأرضي ليصبح السماوي بوصلة الترحال، وذلك لن يكون إلا بالخيال وبأقوى جنوده «شياطين الشعر» يقول النص «تقاطرت علي شياطين الشعر / ترثي انكبات خواطري / فتذرف الحنين أملًا مسعورًا /وألم عناق بعيد /القلم مجروح / والورق /ينشد نزيف انكتابي / مهلًا ../سأصف ازدحامي طوابير».

مع الصعود تتورد الروح الأنثوية ببهجة مخضبة بألوان الفصول، فصول متوشحة بلغة الفتح السماوي كما في نص «تفاعل» وهو التفاعل الذي سيلحق ماسبق بما سيأتي، ليكون الهوى اسمًا لها، يقول النص «فاض مني حبك / فتهافتت علي كل الفصول /بيوم واحد /لتؤرخ لأول الفتح / سماني الهوى».

وهو ليس ببعيد عن المدار السماوي الذي تحول إلى طقس مسكون بلغة التصوف ومسكون بالوعد، الوعد بالحلم يقول النص «واستقال /الواقع من الجمال / الآن لأحلمك».

عن عبدالسلام الفقهي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى