سفرة من الماضي

من أعمال التشكيلي.. معتوق بوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق بوراوي

في يوم صيفي تتربع فيه الشمس في كبد السماء… بعد الحجز وقفت في ضل مكاتب السفروالسياحة التي اصطفت علي جانبي الشارع المزدحم بلافتاتها العشوائية في غير انتظام…”هيا بنغازي نفر بنغازي نفر” انتشر صبيان المحطة بين السياراتوالمكاتب يصطادون الركاب كالغزلان الشاردة بطريقة لا تخلو من الوقاحة…بعد انضمنت مكاني في السيارة خلف السائق وضعت حقيبتي المهترئة المنهكة من طول المسافات وكثر التفتيش في البوابات في صندوق السيارة. ومع قدوم اخر راكب بدانا بالتحرك سالكين اقصر الطرق للخروج من سبها.. كان السائق مستدق الوجه بشنب طويل ابيض كجناحينسر.. وعلي راسه يلف عمامة ذكرتني بأعشاش الطيور.

وباقل جهد يذكر عرفت أنه من العرب العائدون… بدأت معالم سبها بالتلاشي شيئا فشيئا لتلتهمنا الصحراء القاحلة الا من بعض الاطارات الممزقة وبضع سيارات صدئة هنا وهناك…في المقعد الامامي جلس رجلان خمسينيان كانا مستمتعان بقصص السائق الذي كغيره من سائقي التاكسيات يجتر هده القصص في كل رحله مضيفا عليها بعض النكهات وهويهز عمامته مستمتعا بالقيادة ودخان سيجارته تعمد مغازله انفي … في الكرسي الخلف تركبت امرأة ثلاثينية تلبس لحافا وتضع عطرا نفادا اتحد مع دخان السائق لجعل الرحلة اكثر قلقا… كانت المرأة الوحيدة في السيارة لذلك فرضت علي الركاب نمطا معينا من الاحاديث… كانت تسليتي الوحيدة هي لعبه الدودة في نقالي البيلة في محاولة مني للالتفاف علي الساعات الطويلة التي ابت ان تمضي قدما.

وبين الحين والاخر احاول استراق النظر الي عداد السرعة من خلف مقعد السائق الا ان عمامته الكبيرة تصد نظراتي العنيدة وتخلف في نفسي بعض الامتعاض من السرعة المنخفضة.. تراقص السراب امامنا بجنون علي امتداد البصر ونحن نهتز فوق طريق امتلأت بالتجاعيد والشقوق وغابت عنها الصيانة لسنوات بعيدة.. من بعيد بانت نقطة سوداء بدأت بالتجلي لتكشف عن بضع شجيرات ومبني صغير وسياراتان زرقاوان بخط ابيض فيا لمنتصف…”وتو اوراقكم واربطوا احزاماتكم” قالها السائق وهو يخفض صوت ابو عبعاب القادم من الماضي.

وقفع لينا جندي ذو سحنة سمراء وملامح قاسية يضع سيجارة في طرف فمه عاضا عليها بأسنانه الصفراء “طلعو اوراقكم” قالها بطريقة عدوانية مقحما راسه داخل السيارة .ابت بطاقتي الا ان تختفي في جيوبي وبعد ململة وبحث مضني وجدتها اللعينة .. مدت المرأة جوازها التشادي للجندي الذي بدأ يقلب أوراقها ويرمق المرأة بنظرات تخلوا منالبراءة.. بملامحها السودانية الجميلة وملحفتها الملفوفة عليها بإتقان طلب منها الجندي الخروج من السيارة واللحاق به.. دار حديث بينهما لم استطيع تمييزه لبعدالمسافة.. جاء إلينا بعدها وطلب من السائق أن يمضي قدما بدون المرأة.. اشتعلت في نفس السائق الشهامة والرجولة وأقسم بأغلي ما يملك أن لن يبرح الارض حتي يجد حلا للمرأة الوحيدة.. كان العرق يتصبب من جباهنا ونحن بين مشاعر الغضب لتأخير الرحلة وبين التعاطف مع المرأة التي تتحينها الذئاب.

وبعد تلاسن حاد وصياح توصلنا الي خارطة طريق لحل المشكلة تقضي بإرسال المرأة الي سبها في أول تاكسي… بدأت الشمس تسحب جيوشها ناحية الغرب مخلفتا ورائها ذيلا طويلا من الظل جلسنا تحته مقرفصين انتظارا لأول تاكسي تقل المرأة الغامضة.. مرت ساعات طويلة قبل ان تركب تلك المرأة عائدا الي سبها ونحن بدورنا ركبنا من جديد تنهش عجلات سيارتنا الطريق تاركين وراءنا تلك البوابة الحقيرة بذئابها الشرسة واستأنف ابو شنب طويل الشهم سرد قصصه التي لا تنتهي واستأنفت انا لعبة الدودة لتلتهم في بطنها ما بقي من ساعات رحلتي الي بنغازي.

أدنبرا 1/11/2015

عن إبراهيم دنقو

إبراهيم دنقو. مواليد 28/4/1973. حاصل علي بكلوريوس محاسبة. ماجستير تقنية معلومات. يحضر الدكتوراه في علوم الحاسوب في بريطانيا. نشرت أعماله في جريدة فسانيا وأخبار بنغازي.

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى