زمن الشعر وزمن الثرثرة

سألني أحد أصدقائي : هل لا زلتَ تنظم الشعر ؟

أجبتُه : لا … تركتُه منذ فترة طويلة.

سألني: لماذا لا تجمع قصائدك في ديوان ؟.

سألتُه: هل تظن أنها تصلح للنشر؟

أجاب: ولِمَ لا.

سألتُه: هل خطر في بالك يوما أن تسأل نفسك : هل ما نظمتٌه أنا يمكن أن يُسمى شعرا؟.

سألني متعجبا: وماذا يُسمى إذن؟.

سألتُه: هل تعرف ما هو الشعر؟

أجاب مستغربا السؤال : نعم …أليس هو الكلام الموزون والمعبِّر عن مشاعر وأحاسيس ورؤى الذات؟.

سألته مصدوما: هل هذا هو الشعر عندك ؟.

قال : نعم .. هل لديك تعريف آخر للشعر؟

قلتُ : عندي ألف تعريف للشعر غير الذي ذكرتَه… ودعني أقول لك إن الشعر المبدع في نظري هو الذي يثير في النفس ألف سؤال وألف دهشة ، ويُعرِّي المسكوت عنه ، ويكشف المجهول من مظاهر الوجود العيني والغيبي، بغض النظر إذا جاء موزونا أو غير موزون.

قال : هذا المفهوم يبدو لي جيدا ، لكن هل تقصد أن الوزن لا يصلح أن يكون حدَّا فاصلا بين الشعر والنثر؟.

أجبتُه : نعم … الوزن قد يكون في قصيدة ما مجرد حلية وظاهرة صوتية غير ضرورية ، وقد يكون في قصيدة أخرى عنصرا مُهمَّا يساعد على التذوق ويفتح لمتلقي القصيدة أفاقا للتحليل.

هناك كتابات لجبران والمنفلوطي والرافعي والماغوط وأنسي الحاج وغيرهم غير موزونة، لكنها تحمل طاقة شعرية ، وهناك في المقابل كلام موزون مقفَّى، لكنه منزوع الدسم الشعري .

الشعر يا صديقي قد يأتي في شكل قصيدة عمودية موحدة الوزن والقافية ، وقد يأتي في شكل سطور متفاوتة الطول منظومة في تفعيلة مكررة ، وقد يأتي في شكل سطور نثرية ليست منظومة في أي وزن

الشعر يا صديقي صار اليوم كشفا ورؤيا واستبطانا للذات والوجود، وهو لا يصدر عن العقل الجمعي والمنطق السائد ، وإنما يصدر عن عقل ومنطق الذات الشاعرة ، وقد يصدر عن الحدس والحلم ، ويستخدم لغة إيحائية تنحرف فيها المفردات عن دلالاتها العُرفية، لغة إشارية لا تسمي الأشياء بأسمائها ، بل تشير إليها من بعيد.

سأل مصدوما : إذا كان هذا هو مفهومك للشعر ، فهل تعني أن قصائدك ليست شعرا ؟.

أجبتُه: نعم إن ما نظمتُه من قصائد لا أعدُّه شعرا ـ وإن حسبتَه أنت كذلك ـ هو نظم أقرب للغو والثرثرة ، انقادت له نفسي في ميعة الشباب وعنفوانه، فكنتُ أنظم فيما يَعِنُّ لي من خواطر وأحاسيس في الشأن السياسي والاجتماعي والعاطفي ، وكنتَ أنت ونفر من الأصدقاء تشجعونني عليه ، حتى صدَّقتُ حينها أني شاعر ، وحتى زيّنتْ لي نفسي أن ما أنظمه هو شعر جيد، ومن المؤمل أن أكون في المستقبل شاعرا مجيدا ومشهورا.

ولكن حين كبرتُ وقرأتُ المعلقات وشعر المتنبي والمعري والسياب ونزار والجواهري وأدونيس والشعر الانجليزي من خلال كيتس وكولريدج ووردزورث وميلتون وهاردي وويتمان وغيرهم أدركتُ أن ما نظمتُه بمناسبة ودون مناسبة ليس بشعر إنما هو ضرب من اللغو الموزون ، وذلك بدافع التسلية والمحاكاة وحب الظهور، وأيقنتُ أن الشعر أكبر وأسمى من هذا النظم الغث ، وأن الشعر الخالد هو تجربة ومعاناة ورؤيا وليس معرضا للمشاعر الجياشة ورصفا للكلمات على نغمات الأوزان ، حينها زهدتْ نفسي في نظم الكلام فتركته.

قال: لكن مفهومك هذا لا يصدق على أغلب الذي يُنشر الآن تحت عنوان شعر.

قلتُ: هذا صحيح … خبراء الشعر قلة في كل زمن ، لهذا يحدث الخلط دائما بين الشعر وشبه الشعر .. هناك نص لغوي يُصنَّف بأنه شعر، ونص آخر يُشبَّه للبعض بأنه شعر، النص الشعري المبدع ليس متوفرا في كل وقت حتى بالنسبة للشعراء الكبار ، ليس كل ما كتبه السياب والجواهري وأدونيس يعد من الشعر المبدع، الإبداع له أوانه وظروفه لذلك يعمد هؤلاء الشعراء إلى التكرار واستنساخ تجاربهم السابقة.

قال : إذن أنت بهذا تستبعد معظم ما يكتب من شعر من خانة الشعر … أنت تريد على الدوام شعريا إبداعيا، مع أنك تدرك أن هذا محال.

قلت: من حيث التمني أنا أتمنى أن أقرأ كل صباح القصيدة الخلاقة المدهشة المختلفة عن القصيدة التي قرأتها في صباح الأمس، ما يضايقني ليس التشابه والتكرار في النتاج الشعري ، فهذا يحصل للآداب والفنون في كل زمن … ما يضايقني هو انتهاك حرمة الشعر وتعمد الحط من هيبته من قبل الأدعياء والمتسلقين.

سألني: من هم أدعياء الشعر؟

أجبتُه: يا صديقي إني لأعجب والله من صنفين من أدعياء الشعر ، صنف اطلع على نماذج من قصائد النثر فحدثته نفسه أن يحاكيها ، فأخذ يثرثر ويبعثر ثرثرته وتخيلاته في سطور غير منضبطة في وزن أو إيقاع ، متوهما أنه شاعر .

وصنف آخر تعلم العروض واتخذه وسيلة للشهرة وادعاء الشاعرية ، فكلما رأى منظرا يبعث على الرضا أو الغضب ، أو سمع بمناسبة سياسية أو اجتماعية أو دينية ، أو ذهب مع أقران له للنزهة ، وأصاب من الطعام ما لذَّ وطاب ، تقيأ لغوا مكرورا وثرثرة موقَّعة على تفعيلات الخليل.

والأعجب من هذا أن يجد هذان الصنفان من أدعياء الشعر من ينشر لهما ثرثرثهما وما يتقيآن به من لغو الكلام في الصحف السيارة ، ويجد كلاهما من يحفل به ، ويقدمه للجمهور على أنه شاعر ، وربُّ الشِّعرى ليس ما تقيئاه بشعر، ولا هو بشاعر ، ولكن شُبِّه لهم.
أظنك تذكر أنك منذ بضع سنين ألححتَ عليَّ أنت ونفر من الأصدقاء في جلسة ليلة صيفية أن أقرأ لكم شيئا مما نظمتُه ، فقرأتُ بعضا منه على مضض، وسمعتُ منك ومن معك عبارات الإعجاب والاستحسان ، وقلتُ في نفسي حينها إذا تنفس الصبح غدا سأنهي هذا المشهد الكوميدي الساخر.

في صباح اليوم التالي جمَّعتُ كل ما كتبتُه من نظم وأشعلت ُ فيه النار، وكان مجموعه بحسب ما أذكر خمسا وخمسين نصا ، أكثره منظوم في إطار البيت الشعري ، وقليل منه منظوم في إطار السطر .

سألني صديقي محتجا: لماذا أحرقته؟ ألم تفكر أن حكمك عليه ربما يكون وليد لحظته ؟ ألم تشعر بالندم بعدما أحرقته؟.

أجبته: لا لم أشعر بالندم ، بالعكس أنا خشيت لو أبقيتُه لربما في غيابي يقع في يد ابن أو حفيد تدفعه عاطفته وحماسه ، فيدفع به إلى المطبعة ويخرجه ديوانا، أو ربما يقع في يد طالب علم غرٍّ لا يميز ما بين الشعر والنظم ، فيتقدم به لإحدى الجامعات ليدرسه بغية الحصول على شهادة عالية ، وليشيد بما نظمتُ، فيزعم بأنه إبداع في اللغة والتصوير ، ونتاج تجربة ثرية ومعاناة وجدانية ، وغيرها من سائر الأحكام التي يطلقها ناشئة البُّحاث وهراطقة النقد الأدبي الذين يدلِّسون على القراء ، ويوهمونهم بأن هذا الشعر أو ذاك يكتنز رؤى إبداعية ، ويحفِّز متلقيه لفك شفراته.

قال صديقي: عجيب أمرك .. أراك مرتاحا لما فعلت.

قلت : نعم مرتاح جدا، لأني لم أُرِدْ أن أكون من بين أدعياء الشعر ، احتراما لهيبته وصيانة لمكانته … أنت تعرف يا صديقي أني أعشق الشعر المبدع ، وأعشق الشعراء المبدعين ، وهم عندي بمنزلة العلماء والمفكرين والمعلمين الكبار ، منهم تعلمتُ الكثير ، واكتشفتُ الكثير، وبشعرهم أحسست بقيمة وجودي ، واستمتعت بحياتي، سأظل أدعو الله ما حييت أن يطيل زمن الشعر، وأن يوقف زمن اللغو والثرثرة .

عن عادل بشير الصاري

ـ عادل بشير عبد الله الصاري ، مواليد زليتن ، 1958م ، متزوج. ـ عضو هيئة التدريس بكلية اللغة العربية والدراسات الإسلامية ، الجامعة الأسمرية. ـ أستاذ مادتيْ الدراسات الأدبية والنقدية منذ عام 2000م. | المؤهلات والدرجات العلمية: ـ ليسانس من قسم اللغة العربية ، كلية التربية ـ جامعة طرابلس،1982م. ـ ماجستير في الأدب والنقد من قسم اللغة العربية، كلية الآداب،جامعة المرقب، 1999م . ـ دكتوراه في الدراسات الأدبية والنقدية من قسم اللغة العربية ـ كلية الآداب ، جامعة دمشق . سوريا . 2008م. | ـ محاضر عام 2008م . ـ أستاذ مساعد عام 2012م. | النتاج العلمي: ـ كتاب ( الغموض في القصيدة العربية الحديثة) دار رؤيا، زليتن، 2006م. ـ لغة الشعر الليبي المعاصر ـ مخطوط، ومعد للطبع. ـ بوح الخاطر ـ مقالات ، مخطوط ومعد للطبع . | مجموعة من الدراسات والبحوث المنشورة منها: غموض الخطاب الشعري المعاصر،مجلة فضاءات ، العدد 2 ، 2002م. تطور لغة الشعر العربي الحديث ، مجلة الجامعة الأسمرية، العدد3،2004م. الشعر الليبي عبر العصور القديمة،مجلة الجامعة الأسمرية،العدد 7،2007م. هواجس الذات في شعر إبراهيم الأسطى عمر،مجلة كلية اللغات ،العدد 6 ،2012م. عروض الخليل بين جدل ومحاكمة نقاد العصر، مجلة التربوي ،كلية التربية، الخمس ،العدد 2، 2012م. الصورة الشعرية ، مفهومها وتقنياتها في النص الشعري الحديث ، مجلة الجامعة الأسمرية، العدد 17،2012م. | المهام المُكلَّف بها: ـ رئيس قسم معلم الفصل بكلية التربية ، الخمس ، 2000م. ـ وكيل الشؤون العلمية ، كلية اللغة العربية والدراسات الإسلامية 2012م.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى