رواية: الفندق الجديد (الفصل الثاني)

الفصل الثاني :: علامات بنغازي المُضيئة

منارة سيدي اخريبيش في بنغازي.
منارة سيدي اخريبيش في بنغازي.

السماء تتلبد بالغيوم، وتكاد تنفطر بالمطر الغزير،صقيع عاصف، و شتاء  ليس ككل فصول الشتاء علي هذه البقعة الهامة من بقاع الكرة الأرضية، أعتقد أنه  سيستمر حتي مايو هذا العام، ونتيجة لرياح البحر وارتفاع الأمواج وتلاطمها على شاطئ وصخور كورنيش الصابري أواخر فبراير، وتلاشي الأفق، يتبلور ليتراي هنا في بنغازي وعلي أحد أجمل شواطئها شاطئ الصابري المفتوح، مشهداً ربانياً  غريباً وفريداً، وكأن السماء تصرح مبكرا بأنها ستبارك ما سوف يحدث !!

… وابتداء من رأس المنقار الكبير إلي البنكينة مرورا برأس المنقار الصغير وبياضه درباش ورأس التونسي والصالتو والشابي وحتي البنكينة في منطقة جليانة هناك، حيث المراكب تصطف في انتظار البحارة المصريين والتوانسة، والرياس الليبيين، وعلي غير عادة شهر مارس من كل عام، تسربوا بعض الأشخاص  المتدينيين والذين يهرولون علي الرمال البيضاء منذ ساعات الفجر، لتتطاير من وقع أقدامهم طيور النوري أو ما يطلق عليه بالعامية طيور (البوحوام)، كانوا ملتحيين وكأنهم، أقاموا معسكرهم، لاكتساب بعض اللياقة البدنية استعدادا لمهام عضلية قادمة ومهام جسيمة !!

تحدث مصباح إلي نفسه ساخراً:

– ماذا يريد المتدينين، من ممارسة رياضة الهرولة الصباحية الجماعية هذه ؟

– هل  سيشاركون في الاحتجاجات ضد النظام ؟

– هل هم مُقدمين على عمليات تتطلب الجري والمطاردات ؟

وأضاف:

هؤلاء من أكثر  الناس المترددين على المساجد !!، يُخال إلي أنهم  قد اتخذوا من هذا الشاطئ معسكرا سرياً، استعدادا للمشاركة في مرحلة تتجاوز المظاهرات السلمية التي خرج بها شباب بنغازي الأسبوع الفائت .

وأستمر ( مصباح ) يفكر صامتاً….

  لقد خلا الشاطئ من صيادو المنطقة والذين يطلقون عليهم باللهجة المحلية مصطلح (الحواتين)، (أو الحواته)، والذين كانوا يمارسون الصيد بطريقتين، إما برمي الجولاطينة والتي يشتهر بتصنيعها سكان الصابري وما جاورها فقط ،أو أنهم يقومون برمي الشباك عند غروب الشمس، نتيجة خبرتهم بالأمكنة واتجاه الرياح، وعن طريق عدد اثنان من الحواته المستقلين لظهر مركبا خشبيا متهالكاً في أحسن الظروف، أو ما يعرف بـ(الفلوكه)، يقومون بالتجديف حتي يصلون لأماكن مرور أسراب السمك اليومية، فينزلون  الشباك  في المكان المحدد، وعلى بعد مسافة من رمال الشاطئ، وحين يبزغ ضوء فجر اليوم التالي، يلملمون تلك الشباك، والتي قلما تكون فارغة عند سحبها  فتتنوع غلتهم اليومية مابين أسماك البوري والسردين والحمرايا والفروج والبطاطا وقد يكون الحوات محظوظا، فيحظي ببعض الأسماك النادرة الظهور في شاطئ الصابري.

هناك أيضا بعض الغواصين من أبناء الصابري وهم يرتدون لباس الغوص ويحملون بنادق صيد البحر فيما يعرف بالعامية (الفيزقا) وقد يخرج بصيد جيد ككلب البحر أو سمكة فروج ضخمة في أحسن الظروف.

لكن هناك حركة علي غير العادة ليست حركة للمصطافين أو رواد البحر أو المتدينين، فهناك شيئاً خطيرا أنه عمل جريء يكاد يصل الي  درجة التهور.

…. صياح وهتافات ضد النظام وتدافع ناحية محكمة شمال بنغازي، ومقر الأمن الداخلي القابع خلف تلك المحكمة.

وهناك هناك ازدحاماً ملحوظاً كذلك في الطريق الساحلي شرق الصابري بدءً من جزيرة دوران منطقة سيدي يونس وحتي جزيرة دوران منطقة (بودزيرة)، لتستمر صعوبة مرور السيارات الي كوبري ضاحية سيدي خليفة، لقد كانت بعض العائلات الموالية لحكومة القذافي تغادر بمركباتها بشكل سريع جداً، تاركة،  مساكنها ومتاجرها، بل كل أملاكها، لقد زحفت  كأسراباً لطيور مهاجرة كانت متدفقة في ذاك  الطريق الشرقي لمدينة بنغازي وكانت وجهتهم المنفذ الحدودي امساعد.

“هل هم هاربون ؟”

تسأل مصباح في قرارة نفسه كذلك.

ثم أجاب نفسه:

لا لا….لا أعتقد ذلك  بل قطعاً مستحيل !!

… فقد أقسموا في برقيات العهد والمبايعة التي قدموها في كل المناسبات الوطنية والغير وطنية، بأنهم رجاله، وحواريوه المخلصين، وأنهم  سيقدمون أرواحهم وأبنائهم فداء له، فهو الصقر الوحيد وملك ملوك أفريقيا، كما ينعتوه ويهتفوا له في المناسبات الثورية المجيدة !!

لا أعتقد أنهم يفرون ليتركوا من غنوا له بأهزوجة ” يا بو عبا دونك ثلاث ملايين ” وأهزوجة ” زيد تحدي زيد تحدي —- نحن أرجالك وقت الشدة ” وغيرها.

أنهم لن يفعلوها ويتركوه في السفينة المنتهية لمصير الغرق، ليقاوم إعصار التغيير الجارف وحده.

هل تعلمون أن ومنذ أربعون سنة، لو يتم تجميع  ما يقُدم في كل عشرات الدقائق الأولي في نشرات  قناة الجماهيرية الإخبارية، سوف يتم الوصول الي ما يقرب من  سنتين من بث مادة برامجية مكررة  تحتوي الهتافات المؤيدة والمعززة لخطوات رأس النظام الليبي العقيد معمر القذافي، وبرقيات العهد والمبايعة التي يتنافسون هم وأبنائهم علي تقديمها أمامه بل أنهم يحتكروها احتكارا،  أنه لو تم تجميع المادة الإعلامية المكررة، ولو فعلنا ذلك بحسبة مالية، سيتم توفير تكاليف كانت تدفع من أجل نفس المشهد، وأن هذه الميزانية المهدرة نستطيع بها بناء مدينة صناعية كاملة تنهي حالة البطالة السائدة بين الشباب والتي اندلعت بسببها هذه التظاهرات الغبية كذلك!!

تجهش وجه مصباح وتقاطرت الدموع  علي غير عادته من عينيه، فتوقف عن قيادة مركبته وبدأ يركل الدواليب برجليه متأسفاً، ثم صعد من تذمره فوجه لكمة قوية ناحية زجاج النافذة فتهاوي الزجاج مبعثرا علي الطريق ـ وهياهات من يستطيع إعادة الزجاج المكسور إلي طبيعته؟

لقد كانت ردة فعل عنيفة جراء ما حدث ويتوقع حدوثه في البلاد ولم يتوقف حتي صاح به أحد الشباب  المارين بدراجة وباللهجة الليبية  العامية:

“شن أدير يا مطرشق “……. وكرر الكلمة نفس بطريقة قذرة مسرعاً، مبتعدا من مصباح ومركبته، والذي سكن لحظات علي إثر سماعه لهذه الكلمة الخادشة والجارحة  لمشاعره  الإنسانية والمهينة لمستواه الفكري، وبدأ يتأمل ويفكر من جديد، ويتحدث مع نفسه:

يا لا الهول يا لا الهول، غباء بل منتهي الغباء لقد تذكر عبارة من عبارات العقيد القذافي حينها في كتابه الأخضر والغير مرغوب به هذه الأيام والتي تقول  (أن الجهل سينتهي، عندما يُقدم كل شيء علي حقيقته)..

هؤلاء الفتية المتحمسين للتغيير وإسقاط النظام، لم يعلموا أن حي  الصابري خاصة ومدينة بنغازي عامة، دأبت ولا تزال ملاذاً ومسقطاً لرأس أكبر أدباء ومثقفي وفناني ورياضيي  بل أشهر شخصيات  ليبيا  وعلاماتها المضيئة، من أمثال (الأديب الراحل الصادق النيهوم، والمعلق الرياضي محمد بالرأس علي، والمطرب الفذ محمد حسن، وأول الشخصيات النسائية البارزة الراحلة  حميدة العنيزي، والإعلامية الرائدة الراحلة  خديجة الجهمي، والشاعرة المتألقة بدرية الأشهب، والكاتب الراحل خليفة الفاخري، والأديب رئيس تحرير صحيفة أخبار بنغازي سالم العبار، والأديب الراحل سعد نافو، الأديب المترجم عطية الأوجلي، والإعلامي الراحل حسن بن عامر، والإعلامي القدير ابراهيم بن عمران، والصحفي الراحل السنوسي الكاديكي، والإعلامي عبد المجيد الفيل، والإعلامي في مجال الرياضة زين الدين بركان، والتربوي الراحل محمد الشويهدي، والتربوية الكاتبة مرضية النعاس، وفنانو المسرح ومخرجوه  كالمخرج المسرحي الفذ فرج بوفاخرة، وداوود الحوتي والراحل علي الجهاني، والفنان رجب العريبي، ورجب إسماعيل، والفنان الرصين علي العريبي، والكاتب علي الفلاح، ومنصور العيساوي  وميلود العمروني، وصاحب العدسة المرهفة المصور فتحي العريبي، والشاعر علي الفزاني، والإذاعي اللامع  عز الدين بلاعو، والشاعرة الدكتورة مني الساحلي، والكاتب والإعلامي المناضل  أحمد الفيتوري، والمؤرخ سالم الكبتي، والمؤرخ الرياضي فيصل فخري، والروائي الأديب عبد الرسول العريبي، والقاص محمد المسلاتي، والممثل الشهير والذي تقمص شخصية بلال بن رباح في  فيلم الرسالة المحمدية ذاك الفنان صاحب الصوت المُميز جدا علي أحمد سالم، والإذاعي الممثل الراحل صاحب أجمل الأصوات الإذاعية العربية عبد الفتاح الوسيع، والإذاعية الرائعة عزيزة عبد المحسن، والإعلامي المخضرم  الدكتور إبراهيم بن عمران، والملحن الفذ إبراهيم أشرف، والملحن الجميل عبد الجليل خالد، والمطرب إبراهيم فهمي، وكُتاب الأغاني فرج المذبل، وسليمان الدرسي، وفنانوا المرسكاوي عبد الحميد الكيلاني والهادي اسكابة والحاج على الشهير بأسم (اعليويكة)، وشهير الغيطة الليبية الأسمر سعد الوس، والممثل المحبوب  فتحي بدر، والذي شارك في المسلسل التاريخي (حرب السنوات الأربعة)، والمطرب الفنان عادل عبد المجيد، والفنان عازف آلة العود الشهير سيف النصر، والفنان العالمي أحمد فكرون والموسيقار الجميل  حميد الشاعري والفنانة المسرحية شعلة  المسرح الليبي سعاد خليل، وأختها الجميلة كريمان جبر، ودينمو الثقافة الليبية خليل العريبي، والشاعر محمد المزوغي، والشاعرة هنية الكاديكي، والنحات الفنان التشكيلي علي الوكواك، الرياضيين الأفذاذ أمثال احميدة كشبور ملك ملاعب كرة القدم (الإستاك)، علي البشاري، وفوزي العيساوي، وونيس خير، واحمد الفلاح، وصلاح الجهاني، وفتحي بوحلفاية، وفتحي القزيري، واخيه عمر القزيري، وديمس الصغير والكبير وأحمد بن صويد، والفيتوري رجب، وطه الساحلي، وعيسي مخلوف، وفرج ميلود، ويونس راشد والقاضي بالمحكمة العليا  الراحل عبد الهادي أبو أصبع، والمحامي النزيه  نوري الأوجلي، والمحامية اللامعة انتصار العقيلي، والمحامي الفذ صالح عمران الورفلي، المحامي العام عبد الرحمن العبار، والراوي حسن أبوقباعة، وغيرهم وغيرهم، من المتميزين على الصعيد الثقافي والرياضي والإعلامي  الليبي والعربي والذين التحقوا بالركب المشرف.

فهم وجوها مضيئة وعلاماتً بارزة تدعوا و تأخذ بمشاعرنا إلي التفاؤل والأمل والاطمئنان، فلو انتبهوا اليها والي مثل هذه النعمة الربانية، كون هذه الأرض سترقي  وتنهض بطرق غير تصادمية بعيدة عن العنف والتخريب والإرهاب ولكن هيهات أن يرجعوا للخلف ويتأملوا في نصف الكوب الممتلئ في بلادي.

ألا يقتدوا هؤلاء الفتية بما فعله  ويفعله الحاج (أنور)  أو الشاب الناجح (فرج)، فهما  نموذجان رائعان للمنطقة، وكان من المفترض أن تُسلط عليهم الأضواء من طرف الإعلاميين في صحف الحكومة أو منابرها الإعلامية، صحيح أن منطقة الصابري قليلة  التعداد السكاني، وبالتالي رجالات الأعمال يندرون بها لكن بعض  من أبنائها، اعتبرتهم نموذجا مذهلاً، للإقتداء فلقد اجتهدوا، فطوروا من أدائهم فتضاعفت مواردهم المالية وتنوعت مشاريعهم، فبرزوا كرؤؤس أموال وأثرياء في المنطقة الفقيرة.

فنجد (الحاج أنور) ومشاريعه المتجددة، الذي يوشك أن ينتهي من بناء  فندقاً جديداً من فئة  الأربعة نجوم ذو المدخلين هذه الفترة،  لينظم هذا الفندق التحفة العمرانية إلي مجموعة مشاريعه التنموية، فمدرسته الخاصة  تطورت، فاتسعت، لتشمل جميع المراحل التعليمية، بعد أن كانت مقتصرة فقط على السنتين الأولي والثانية الابتدائي، ومعمله الخاص بتجهيز طلبيات الحلويات الواقع خلف الفندق علي الشارع الرئيسي الخلفي، والذي يغذي به كافة  مناسبات السكان والمؤسسات في المنطقة ومحيطها ومحطة البنزين الخاصة به، تعمل على مدار اليوم الكامل، كذلك عيادته الخاصة فحدث  عنها ولا حرج، فقد اشتهرت حتي بدأت تستقبل الأطباء المشاهير من مصر والأردن وتونس.

أما رجل الإعمال الصغير (فرج)  فقد صار كبيرا في فترة وجيزة نظرا لصدق نيته وانتهاجه لطريق الكسب الحلال، فقد كان متميزا عن أقرانه لقد، رايته منذ بضعة سنوات وهو يتردد على مكاتب حجز تذاكر الطيران عند ضريح عمر المختار، شابا نشيطا يرتدي البدل الأنيقة وقليل الكلام يأتي لمكاتب الخطوط  ليحجز تذكرة سفر الي مدينة إسطنبول التركية  والأمارات وسنغافورة، ممتهنا مهنة تاجر شنطة نهاية الثمانينات ومطلع التسعينات  فلقد كان يقوم في إولي رحلاته  بتوريد بعض الأحجار الكريمة كالفيروز الأزرق وبعض حقائب الدراسة بطريقة إدارة وقت رائعة فقد كان يسافر الأربعاء عبر طيران  الخطوط الليبية ويرجع ليلة السبت عبر طيران الخطوط التركية، مقللا مصروفاته، ونفقات سفرياته بشكل غير عادي بطريقة ( التوفير عمل ) حسن، ليزيد من أرباح رحلته القصيرة جدا، لقد تمكن بسرعة من شراء عقداً من الذهب والذي  تعرفه النساء في بلدي بمسمي عقد المجارات وأسوارات تسميهن نساء ليبيا  (حدايد الزقزيقة) بدلا من  عقد (الكردان  بو ثلاثة اهلله) و(الدبلج  المفكرن)  التي ابتاعته والدته لتمكن ابنها  (فرج ) من توفير رأس المال المطلوب لانطلاقه  في عالم التجارة، و ليبدأ أبنها مشوار السفر والربح، و ليصبح من علامات الصابري الجميلة، بل مدينة بنغازي الكبري كذلك.

لقد نجح (فرج)  نجاحاً باهراً في مقصده، فها هو يفتتح سلسلة من أكبر متاجر الملابس في بنغازي بدءً من شارع الخطوط بمنطقة الصابري وشارع عشرين في وسط البلاد وفي الحدائق وها هو يُدشن المقر الرابع لسلسلة محلاته في شارع دبي الجميل.

لقد كان متميزاً بإدارته لفروع محلاته لقد شدني يوما مشهدا لعدد كبير من سيارات الهونداي نوع إكسنت كان عددها اثني عشرة مركبة بيضاء اللون جميعها قام بتأجيرها من معرض سيارات عائلة نجم الأصيلة، في موسم الصيف وأخذن يسيرن في شوارع وميادين مدينة بنغازي طيلة أسبوعا كاملاً، لتعلن للناس أن هناك دفعات ملابس صيفية وصلت إلي فروع محلاته الأربعة، فسارت تلك السيارات الإثني عشر متتابعات، ومصدرة أصواتا الأبواق، بنفس طريقة سير موكب الزفة في العرس الليبي الرائع”.

هذا ما كان يدور في فكر مصباح وهو يقود مركبته متذكرا الأشياء الجميلة التي حدثت في منطقته الصابري، متأسفاً علي ما يتوقع حدوثه الأيام القريبة في بلاده حيث جموع الشباب تجهز البنزين والفتيل والقطن في زجاجات المشروبات الغازية، لتصنع قنابل المولوتوف وما كان يعرف بالعامية (اشيش القازوزة القزاز) ويجمعون علب الطماطم المعجون الفارغة ليصنعوا مزيدا من المتفجرات فيما يعرف بالعامية بالجولاطينة، في تطورا خطيرا لتستعد المظاهرات السلمية للانحراف بقدرة قادر الي عمليات عنف وتخريب وتفجير.وبتغلغل واندساس أجانب بين صفوف المتظاهرين أبناء البلاد.

وبينما ينقطع حبل تفكيره بين الفينة والفينة، نتيجة تركيزه علي كلمات أغنية المطرب الليبي الفذ ( محمد حسن ) والتي تقول كلماتها:

يلادنا زين على زين ــــــــــــــــ بلادنا ورد وياسمين

فيرفع صوت مذياع سيارته عند وصول الأغنية إلي الكلمات :

الصابري عرجون الفل ــــــــــــــــــــــــ الصابري عمره ماذل

” الصابري زين علي زين ــــــــــــــــــ الصابري ورد وياسمين

ياعيـــــــــــــن ياعيــــن ـــــــــــــــــــ ـ أنتي ـــ هانا والغالي وين.

ثم يُخفض الصوت عند مشاهدته، لجموع كثيرة تهرول في اتجاه المدخل الجنوبي لنادي التحدي الثقافي الرياضي، كانت العائلات تهرول والنساء تجرجر الأطفال،  والرجال تتسابق  في  ذلك الاتجاه!!.

أطفئ مصباح  مذياع مركبته وأخذ ينظر من أمام مفترق الطريق، تاركاً البحر من خلفه دائسا علي البنزين ومبدلا مقبض السرعات ثانية، فثالثة، فرابعة، لتصدر دواليب مركبته، نتيجة احتكاكها بالإسفلت، صراخا هائلاً، مما أسترعي هذا الفعل انتباه رجالات الأمن المستنفرين أمام مركز شرطة الصابري، وأتجه مسرعا ناحية عمارات السبخة ليستوضح الأمر ويتبين سبب زحف العائلات ناحية مدخل نادي التحدي الرياضي.

لحظات فقط و أيقن مصباح علي إثرها، أن الهدف لم يكن نادي التحدي الثقافي الرياضي، لقد كانت الشقق الجاهزة والمزمع تسليمها لمستحقيها بموجب إيصالات قانونية ضامنة لحقوقهم.

توقف مصباح عن قيادة مركبته ثم ترجل منها واقترب من مدخل العمارات السكنية الجديدة ليري عن كثب ما يحدث، فأدركه أحدهم بحوار مباغت.

– “ازقوب ياأستاذ دونك شقة أزقب عليها  قبل ماتدعك”.

التفت مصباح إلي المتحدث  وأشار اليه بيده بإشارة لها معني وحيد الا وهو (لست معنيا بالأمر) ودون أن يتلفظ مصباح بكلمة البتة، رجع قافلا الي مركبته ومارس التجول مستذكرا شريط الذكريات ونفس مشهد الاستيلاء على المساكن الجاهزة وبيوت الطلبة بمنطقة الكيش بداية التسعينات، وكيف رجع الي البيت ليخبر أخوته، أن هناك شققاً استولي عليها المواطنين، واقترح أن ينهضوا ليستولوا علي شقق مثلما فعل  بعض من اهل بنغازي، وتذكر كيف كيف

 وبخه احد أخوته الأربعة قائلا:

– “ما لناش في الحرام  يا مصباح، ورد بالك تأكل رزق حرام راك  اتكملها  مرض ومستشفيات وندم “.

ثم عاد بذهنه إلي ما تركه وراؤه  من مشاهد غير طبيعية فقهقه ضاحكا وردد محدثا نفسه باللهجة العامية الليبية:

– ايقولوا العرب “اختار الجار قبل الدار” باهي ها ظوما جيران وسراقه، واختاروا بعضهم كجيران بعض، شنوا انسموها الحالة هذي ؟!

“حقا من ليبيا يأتي الجديد” وأكملها ضاحكا مرددا “حقاً أن شر البلية ما يضحك “.

دوي انفجار كبير مصدره المستشفي العسكري الواقع في منطقة السلماني الشرقي والمواطنين يفتكون الأسلحة من مخزن بالمعسكر هناك.

يا ساتر يا ساتر رددها مصباح بصوت عالي.

أنتهي به التجوال الي الفندق الجديد الواقع في الركن الغربي بمنطقة الصابري فقرر أن يترجل ليتعرف على مالكه الحاج أنور، فقد يستطيع أن يقنعه بمشروع دعائي صغير لصالح مجموعته الاستثمارية.

عن حسن أبوقباعة

حسن ابوقباعة المجبرى،مواليد :1970 ،بكالوريوس علوم 1993 ،حائز على الترتيب الثالث بمسابقة الابداع الشبابى على مستوى ليبيا 2010 ، له رواية صادرة عام 2005 هى رواية (غياهب الحى المقابل ) ، يكتب في صحف ورقية عدة اهمها ( أحبار بنغازى / وأخبار طرابلس ) اسس صحيفة الأيام وترأس تحريرها حتى 20 يناير 2013، عضو اللجنة التحكيمية في المسابقة اليومية لقصة الومضة .

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى