رواية: الفندق الجديد (الفصل الثالث)

الحاج أنور

من أعمال التشكيلي عبدالرزاق الرياني.
من أعمال التشكيلي عبدالرزاق الرياني.

 ..عند مدخل الفندق المشيد حديثاً، ثمة نقاش حاد وجدل قائم بين رجلاً بديناً بهي الطلعة تظهر على ملامحه  أثار النعمة، ويرتدي قميصا طويلا ناصع البياض مثل  ذلك القميص الذي يفضل لباسه سكان المنطقة الحدودية  الليبية الشرقية ، وفوق القميص ذاك أرتدي  فرملة بنية، وشنه حمراء وهي لباس ليبي موروث، كذلك كان يضع النظرات الطبية، كعادته علي عينيه ولكنها لا تُخفي إتساعهما  وجمالهما ، كان هذا الرجل هو رجل الأعمال بمنطقة الصابري (الحاج أنور) وقد كان يتحدث مجادلاً شخصاً أخر، كان يرتدي بنطلونا وقميصا من نوع الجينز، وفانيلا قديمة سوداء اللون ممزقة تتضح من تحت القميص المفتوح، كان خفيف الحركة بسبب ارتدائه لحذاءً رياضياً وممسكا مفكا وبعض أدوات تركيب الأقفال أيقن ( مصباح )  أنه عامل صيانة المفاتيح والأقفال.

–  تحدث (الحاج أنور ) ساخرا كعادته  باللهجة العامية الليبية :

تعال يا أسطي لبز هنا موش  المفروض ادير قفل الأبواب الرئيسية قبل الأقفال الأخرى.

– يرد الأسطى ( مفتاح ) :

 سواء سواء يا حاج أنور شن المشكلة؟

– الحاج ( أنور) :

النظام نظام والأولويات قبل كل شيء المدخل الأمامي والمدخل الخارجي  أهم من كل شيء أنت  خليت الفندق فندق…. تبيها كيف حال هالبلاد هالأيام ( خيمة من غير أرواق)  ايخش  فيه كل من هب ودب !!

 – يرد (مفتاح) باللهجة اهل الغرب الليبي :

حاضر هي حنركبهولك كيف ما تحب .

يتجهم وجه ( الحاج أنور) مبيناً عدم ارتياحه للكلمة ( انركبهولك ).

– وتمتم  باللهجة الليبية العامية :

” هظا بيش يرطن واضح أنه من الوطن الغربي ”

 صدق من سماك رباية الذايح يا بنغازي ” ….أضاف ضاحكا.

…في لحضات أنهي الأسطى( مفتاح ) عمله في تركيب أقفال الأبواب وأنحني ليلملم  حقيبة أدواته  وبينما كان يهم خارجاً من الفندق.

– صاح ( الحاج أنور) بأعلى صوته  :

تعالي يا (مفتاح ) الزفت …. ثم يضيف تعال يا قفل  وين باقي المفاتيح.

  يتراجع (مفتاح ) خطوات للوراء عائدا إلي مكتب (الحاج أنور)  الواقع داخل الفندق مبيناً رأسه فقط ثم يقول عندك كل المفاتيح .

– يعلو صوت (الحاج أنور) قائلا  باللهجة الليبية العامية :

“موش مفروض أربعة نسخ لكل قفل يأ سطي لبز؟”

– يرد (مفتاح ) باللهجة المصرية المهجنة بالليبي: 

“عليش بتقول كده يا حق ويستدرك فيضيف يا حاج قصدي ، كل افل  ثم يعيد الكلمة ، كل قفل ” معاه ثلاثة  مفاتيح واسأل المعلم الكبير الحاج (رزق الله ) وأتأكد  بنفسك دلوقتي ..ما معاك التلفون اهوه؟  يانهار أزرق و موش فايت .”

– (الحاج أنور)  يحاول أن يجاري مفتاح باللهجة المصرية هذه المرة  :

حسأل ايون حسأل برضو، أن حتكلم معاك زى إخوتنا المصريين وفيها إيه يا خويا.

– ويضيف باللهجة الليبية العامية  :

  تي هظا إ يصمه؟، و من وين جاي ؟ من أمغرب والله من أمشرق .. تي ماهو قلناها بلادنا خيمة من غير أرواق ” وكل من هب ودب زاقبلنا و يداعك فينا يا عليك حالة والله ، ثم يضيف نازعاً قبعته  الحمراء والمعروفة، بإسم الشنة ليدعك صلعته حائراً، والتي برزت وكأنها إكلة عصيدة الدقيق الفرينه ، تلك الأكلة  الليبية الشهيرة.

  “دوخني العطيب ”

 – ثم يضيف  الحاج أنور رافعاً من وتيرة صوته :

أنت المن من العرب بلا مصغرة ؟

– رد الأسطى ( مفتاح )  بالرد الشهير والمتداول بين أبناء المنطقة الشرقية تلك الأيام :

” إعرييي ، وكمان برعوصي”  ناسبا نفسه بسخرية إلي تلك القبيلتان الليبيتان العريقتان.

وبينما كان (مفتاح ) يغادر الفندق الجديد، كان ( مصباح ) قد شاهد كل ما دار من عمل وحوار بين الرجلين وشاهد حتي طريقة خروج  الأسطى (مفتاح ) من باب الفندق بشكل مريب و الذي أخرج المفاتيح من جيبه وقذفها بها عاليا  في الهواء ثم التقطها  من جديد،  بطريقة سريعة مُظهراً ابتسامة ماكرة  جعلت (مصباح ) ، يؤجل الدخول للفندق لغرض التعرف على شخصية رجل الأعمال الناجح في منطقة الصابري (الحاج أنور)، ومبدلاً  لوجهته ناحية مصدر الإنفجارات المتتالية والتي صاحبها انفلاقاً للسماء، لتهطل الأمطار بشكل دافق وغزير جدا، فلم تحدث في تاريخ بنغازي مثل هذه الغزارة في هطول الأمطار !!.

…  خرج ( الحاج أنور) مذعورا من جراء صوت التفجيرات المتتالية لتتلاقي نظراته مع نظرات (مصباح ) ، فقال له :

” أعتقد أن الانفجار الكبير من جهة الهواري ياولد …. يستر الله اتكون في المديرية!

…وأضاف  فاضي يا أسطي انصكروا الفندق ونمشوا نستطلعوا الأمر” معتقدا أن ( مصباح ) يعمل سائقاً لتاكسي.

– رد مصباح مجيباً :

ليش لا … فقد وجدها فرصة ملائمة جدا للتعرف بهذا الإنسان الناجح عن كثب .

– وأضاف مصباح متقمصاً شخصية سائق التاكسي :

  تفضل أركب يا حاج … ومضي به إلي منطقة الهواري حيث مديرية أمن بنغازي مصدر الانفجار الكبير .

– الحاج أنور بالهجة الليبية العامية:

خوذ طريق البحر يا أسطي  أفضلك من بره لبرة نتفادوا بيها الزحمة.

– مصباح باللهجة الليبية الدارجة :- 

أسمي( مصباح) يا (حاج أنور)  وقبل جايك باش نعرض عليك أفكاري في الدعاية والإعلان عن مجموعة مشاريعك الناجحة ، أكيد أنك تعلم بطبيعة وأهمية الجانب الإعلاني لجذب الزبائن ، لكن ظروف البلاد يا ( حاج أنور) والوضع اللي ساير الأيام  إتخليني أنوحر جيتي لك في كل مرة.

– ( الحاج أنور) :

صدقت ياوليدي ظروف البلاد موش تمام ، لكن ما يمنعش أنك أتكون جنبي وتتردد عليا سواء في الفندق اللي اقريب أنكمل تجهيزه وبين المدرسة والعيادة وحتي الحلواني ومحطة البنزين.

وفي أثناء الحوار وبينما ( مصباح )  يقود المركبة في زحام الكورنيش ، تراجع (الحاج أنور) بهامته إلي الخلف وأمعن النظر في تقاسيم وجه (مصباح) ثم في هامة ( مصباح) وطريقة تحدثه وجلوسه وقيادته للمركبة.

ثم باغت( الحاج أنور) مصباح  بسؤال باللهجة الليبية العامية:

– المن مالعرب يا ( مصباح ) أنت العيت من وخوالك من بلا مصغرة؟

مصباح انا ولد عيت المجبري وخوالي مصاريت.

– الحاج أنور :

 بالجودة بيك …عيت المجبري ناس طيبة وديمة في حالها ، ودماغك تجاري اكيد قرعة عرب مصراتة ضاربة فيك.

– ثم أردف قائلا :

أنا نظرتي ما تخيبش أنت إنسان طيب ومجتهد وذكرتني ببدايتي في الشغل، لما كنت في سنك  ، أسمع الشغل موش عيب،أهم شيء الرزق الحلال والسعي في طلب الرزق الحلال يبدأ بعد صلاة الفجر خاصة، فابواب الرزق مفتوحة بأذن الله ،شوف يا وليدي ..خليك جنبي، وانا حنشغلك في توصيل طلبات للعمال الأجانب في  منطقة بوعطني ، يعني أتمر عليا كل صبح عند الساعة سبعة انا أنقولك شن نبي واتجيني  قيس المغرب باش أنصلوا مع بعضنا، وبعد الصلاة ، أنقمعزوا في مكتبي لعند صلاة العشاء كل يوم انخليك تفتح الانترنيت، من الفندق  ودورلي في موقع سوق ليبيا المفتوح علي أراضي علي الرئيسي بشرط فيهن شهادة عقارية.

– مصباح :

حاضر يا (حاج أنور) شكرا علي  اعطائك لي فرصة التردد علي حضرتك وأنا أكيد حنتعلم منك حاجات مفيدة تنقصني.

– الحاج أنور :

أنت تستأهل لو كنت موش محب للشغل وراضي باللي قسمه ليك ربي ، راه توا واحد من اللي خرجوا في التظاهرات ضد النظام.

وفي هذا الأثناء  وعند الوصول  الي مستشفي الأطفال لاحظ ( الحاج أنور) طابورا من المركبات الصينية يقودهن الشباب، فأيقن أنهن تلك السيارات الصينية التي استوردتهن الدولة واستولي عليهن المواطنين من منطقة قنفودة بدون وجه حق.

– فقال ( الحاج أنور) هامسا في أذن (مصباح ):

هلت منه فيه، عليك حالة والله  ، الهوايك ماعقبوا شيء، لا حول ولا قوة إلا بالله .

…أستمرت السيارة مُسرعة متجاوزة  جامعة العرب الطبية وبعد مفترق الطريق تبين الأمر فهناك  أثراً، لإنفجار هائل في أحد أركان مديرية أمن بنغازي ، والناس تستولي علي بعض ماكان فيها دون إكتراث، وهناك سيارات وقفت كاطابورا لتعبئة بنزين من آلة تعبئة بنزين  وجدت داخل المديرية.

– صاح أحدهم موجها الكلام لمصباح :

تعال البنزين بلاش تعال عبي واغمة راهي .

– ضحك ( مصباح )  ساخرا ً،وقال هامساَ في أذن (الحاج أنور) :

تعرف يا(حاج أنور ) أنا أمس تركت شقق بلاش قيمتهن أربعون الف دينار ليبي لانه رزق حرام ،  ويريدوني هاظوما  نملأ تنك البنزين في سيارتي بما يساوي سبعة دينارفقط .

– ضحك ( الحاج أنور) وقال  :

دور وأرجع  للصابري يا (مصباح ) الموضوع كبير وخطير، دوبينا أدمرت المديرية فعلي الأمن السلام يا بنغازي.

أنسحب ( مصباح ) راجعا من أحد شوارع منطقة الرحبه، متجها الي ناحية الجامعة الدولية الليبية ثم شارع الوكالات الي الكيش وكوبري المدينة الرياضية  متجاوزا منطقة راس اعبيدة حيث يترأي هناك مركز الشرطة  وقد تم حرقه حديثاً

– مصباح :

أنظر يا (حاج أنور ) اعتقد أن مركز شرطة رأس أعبيدة، قد أصابه انفجار هو الأخر .

– نظر ( الحاج أنور) الي حيث يشير مصباح بأصبعه وقال :

فعلا الموضوع خطير وحيعطل شغلنا .

– مصباح باللهجة الليبية الدارجة  :

شوف شوف يا(حاج أنور)  السيارات يجتازن إشارة المرور الحمراء ناحية جزيرة دوران الجرات، موش هكي شروع في القتل ؟

– يرد الحاج أنور ساخراً:

يحدث فقط للمواطن الراقد ريح بعد مايتأزم ويخترق إشارات المرور، لكن الدولة بعد تتأزم عادي الأمور مايمنعش يجتازوا الإشارة الحمراء و حتي الإشارة الوردي الشولاكي.

قهقه الجميع واستمر مصباح  في قيادة المركبة متجاوزا جزيرة دوران الجرات بمنطقة السلماني ثم عمارات السبخة في إتجاه سوق العرب وفجأة  أضطر مصباح أن يدوس علي الفرامل بشدة فأصدرت السيارة صوتا صارخا نتيجة احتكاك الدواليب علي الأرض متفاديا دهس شخصا يبدو أنه  معتوها، كان يرتدي ثيابا رثه ممزقة ويحمل عكازاً يضرب به السيارات المارة ، كان يضع نظارة مكسورة على عينيه، ويقف في الطريق أمام سرعة السيارات، محاولا إيقافها طلبا للمال ، أو ضربها بالعكاز .

– صاح (الحاج أنور) متزامنا مع وقوف السيارة :

ردبالك اقريب ودرتنا يا (مصباح ) ودفسنا المسكين (علي) .

–  سأل (مصباح ) وهو  مستمرا في طريقه للفندق :

– هل تعرف هذا الشخص المسكين ؟

– الحاج أنور :

نعم هذا شخص دائم التواجد هنا لغرض الشحاذة  أسمه (علي ) .

– مصباح :

شن قصته يا ( حاج أنور)؟

قصة طويلة عريضة و مأساوية وخطيرة جدا بل أخطر من الخطورة، سببها إمراءة العوبان شاكية فيه ،أتضح فيما بعد أنها ماتبيش يشهد علي بلاويها في الشارع، بس تعرف يا (مصباح ) الراجل هظا  أتضح بعدين أنه مظلوم ، ممكن اترد عليه ؟

– وأضاف :

 أنا نبيك أدور وترد عليه،الراجل هظا أنا نعرفه أكويس قبل ما ايدخلوه مستشفي الأمراض النفسية،  ونعرف أهله ناس طيبة ،  دور سيارتك ورد عليه بالله عليك ،  حنعطيه غرفة البدروم  في الفندق جنب الباب الخلفي، خلينا انسكنوه ونطعموه وعالجوه بطب العرب خير من مستشفيات الدولة الخاربة ، بلكي انال بيه ثواب و نكسبوا فيه أجرعند الله.

– مصباح:

 بارك الله فيك يا(حاج أنور) أجرك حاصل ورجع قافلا بسيارته الي مكان وقوف (المسكين علي ) في الطريق  أمام مدخل سوق العرب.

 – وأضاف :

لكن أنا متشوق لمعرفة تفاصيل القصة المأساوية والنبي احكيها ليا.

 – الحاج أنور :

في مرة جاية  انكون رايق حتجي فرصة نحكيها ليك بالتفصيل تضحك عالدنيا ومافيها  نين تبطل.

وفي هذا الأثناء وصلت السيارة بهم الي الفندق الجديد، فترجل (مصباح ) و(الحاج أنور) ساحبين (المسكين علي ) الي غرفته من الباب الخلفي .

– تمتم (مصباح) متعاطفا مع ( المسكين علي ) :

– سبحان الله … حقاً أن كيدهن عظيم

– وتمتم  ( الحاج أنور ) في نفس اللحظة:

– اللهم بارك في رزقي وأجعل هذا الفندق عتبة خير

عن حسن أبوقباعة

حسن ابوقباعة المجبرى،مواليد :1970 ،بكالوريوس علوم 1993 ،حائز على الترتيب الثالث بمسابقة الابداع الشبابى على مستوى ليبيا 2010 ، له رواية صادرة عام 2005 هى رواية (غياهب الحى المقابل ) ، يكتب في صحف ورقية عدة اهمها ( أحبار بنغازى / وأخبار طرابلس ) اسس صحيفة الأيام وترأس تحريرها حتى 20 يناير 2013، عضو اللجنة التحكيمية في المسابقة اليومية لقصة الومضة .

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى