رواية: الفندق الجديد (الفصل الأول)

الفصل الأول :: مصباح

من أعمال الفنانة التشكيلية فجر إدريس.

من أعمال الفنانة التشكيلية فجر إدريس.

 

ثمة ضجيج وصخب هائلين ناتج عن تسرب همامات واصوات مخنوقة ومكبوتة طيلة أربعة عقود، تتسرب من هناك من عند محكمة الشمال ببنغازي وشارع عمر بن العاص وميدان البلدية وسوق الحشيش وميدان الشجرة ،يُقال أن أهالي ضحايا (مجزرة بوسليم) خرجوا عن طورهم هذه المرة وصعدوا من مطالبهم ضد الحكومة وانطلقوا منتصف فبرايرمن أمام السفارة الإيطالية ليرفعوا لافتات تحمل عبارات جريئة جدا هذه المرة، فمن كان يجروء على فعل ذلك قبل هذا التاريخ؟

 

تجمع الشباب من عدة أحياء بنغازي، ليستطلع الأمر أولاً، فتحمس وتجرأ بعضهم مع المتظاهرين، ولقد كان هناك شبابا، لم يكونوا أصلاً طرفاً في الأزمة فأنظموا للركب!!

أنهم بعض من أولاد البلد والذين يقطنون في مناطق الصابري وسيدي خريبيش وشوارع وسط البلاد،ثم أولاد البركة والماجوري وسيدي حسين شارع جمال عبد الناصر والكيش الجديد والقديم والسبالة،فقد شبوا في ظل الأزمات الاقتصادية التي عصفت في البلد حقبة التسعينات، فخلفت ركودا اقتصاديا أدي إلي تضخم البطالة بين أحياء مدينة بنغازي ثاني مدن ليبيا.

الحناجر تصدح بإصلاح النظام في اليومين الأولين وبعد ذلك صدحت نفس الحناجر بإسقاط النظام،وأعتقد أنها هي نفس الحناجر التي هتفت فرحا بقدوم القائد عند زياراته لمدينة بنغازي في احتفالات سبتمبر المجيدة!.

تدفقت الحشود وتسربت عبر شوارع الخطوط ومن خلف منارة سيدي خريبيش وسوق الجريد وشارع المهدوي ومحمد موسي والعقيب ومصراتة وميدان البلدية وجمال عبد الناصر وجليانة.

 

لكن هناك آخرون بدأوا يستطلعون الحدث الجسيم بمركباتهم ومن هؤلاء كان ابن الصابري عرجون الفل الشاب مصباح والذي يصفه أقرانه بالعزلة وعدم الاختلاط وقد وصل الأمر بهم بنعته بالانطوائية والدروشة وعدم قدرته حتي علي التحدث البتة ولو بجملة واحدة مفيدة.

كان مصباح يسابق الخطي ويتنقل بين احياء بنغازي ويجمع المعلومات ويحلل بدماغه التفاصيل ويربط المسائل بالأسباب ويتأمل ويتوقع ما سوف يحدث تدريجيا ً في مدينته بنغازي

كان يتجول بمركبته ابتداء من حدود منطقته الصابري الشرقية( رأس المنقار الي مديرية الأمن منطلقاً عبر الطريق البحري).

لقد شاهد كيف يتجمع المتظاهرين من حي اللثامة ومن الزراريعية ومنطقته دكاكين حميد وسوق احداش وخريبيش والكورنيش ثم الكيش وطابلينو والرحبة الي أن يصل ألي مديرية الأمن التي يحرص على الوصول اليها ليطمئن قلبه وفكره برصد وجودها تلك اللحظات، فمديرية الأمن هي حصن المواطن وهي رمزية الأمن والأمان في أي مدينة فمبالك مدينة بنغازي التي تشهد الاضطرابات المعلنة والغير معلنة طيلة سنوات القبضة الحديدية التي عاشها المواطن تحت حكم العقيد معمر القذافي.

وبسقوط واستهداف المديرية يصبح الأمر جدياً وليس لعبا للعيال كم يشكك به السكان ويرددوها بالعامية.

شعور بالحزن والآسي تمكن من التسرب الي قلب مصباح فقد أيقن أن عجلة التقدم البطيئة في بنغازي ستتوقف تماماً جراء هذا المسلك التصادمي الغبي الذي سلكه أولاد البلد هذه المرة.

فردد بينه وبين نفسه ( دودة … أفلتت من عنق الزجاجة،فولجت برميلاً مُعتماً. ) حسن… وأضاف هذه حالة بلادي فقد افلتت من أزمة لوكربي فسقطت في كنف مؤامرة خطيرة.

وأضاف لالا لا ألوم الشباب فهم يعيشون حالة من الفقر المدقع والفراغ الفكري والزمني فهو، يطولهم طيلة الوقت، هكذا تمتم مصباح وهو يمارس هواية التجول في شوارع وميادين بنغازي لاسيما هذه الأيام فقد بدأت ملامح تغيير عارمة ستأكل الأخضر واليابس وتقضي علي كل من يقف في طريقها.

لكن مصباح يتأسف لأنه يعلم أن الحكومة قد بدأت إصلاحاتها، ففي حي الصابري المطل علي البحر تحديداً مثلا وهو أحد أحياء مدينة بنغازي، بدأت ملامح العمران السياحي تلوح، فثمة بعض الفنادق التي شُيدت وبعضها تحت التشييد، وهناك في الحدود الشرقية للمنطقة تبرز قواعد لمستشفي ضخم سيمكن جل شباب المنطقة من إنهاء حالة البطالة والتسكع السائدة.

وهاهي عجلة البناء تتقدم مُتثاقلة ببطء، لتتجاوز العراقيل المُكبلة لطموحات الحكومة جراء الحصار الاقتصادي بحنكة غير مسبوقة، والذي فُرضته الدول العُظمي علي الدولة الليبية ككل حقبة التسعينات،” أصبحت بلادي تنهض” هكذا ردد ها وكررها وهو يقود مركبته، وأستمر في تفكيره “بلادي مستهدفة بلادي مستهدفة، و ليعلم الجميع أننا مطمع كل الدول المعادية، لليبيا و التي تنعم بخيرات تفوق كل الحسابات والتوقعات جراء امتلاكها لمنابع الذهب الأسود، والطاقة الشمسية، والشاطئ السياحي الحلم، والذي بدأت تنتشر من حوله القري والمنتجعات الجاذبة لرواد من كافة أرجاء المعمورة، لهذه الأسباب وغيرها أمست البلد هدفاً لكل إعلاميا شاذا وطامعاً في حفنة من الدولارات السريعة يعد بها قيادات خليجية تقبع في الدول المجاورة كتونس ومصر وتشاد والنيجر والسودان والجزائر، هذه التنظيمات السرية كانت تترصد لهفوات النظام الليبي وتنظر بعين العدو اللدود و الحسود لما يجري في الدولة الليبية من خطوات عملاقة،فينجحون في تجنيد عمالة إعلامية خائنة، ليسارعوا في تحريك أقلامهم في اتجاه بث الشائعات والفتن ضد الحكومة والنظام الليبي. .

ولقد تزايد الإعلاميين المأجورين وتكاثرت البرامج المعادية، وأنشئت القنوات المعادية فتضخمت الآلة الإعلامية ضد الدولة الليبية حينها.

ليبيا هذه الدولة الطموحة والمنافسة بقوة لكل الدول المنتجة للنفط علي الصدارة الاقتصادية العالمية، فمنظمة الأوبك ترأسها شخصية ليبية مرموقة والتعويضات دفعت لأهالي ضحايا ضاحية لوكربي الاسكتلندية .

لكن الموقع الجغرافي الاستراتيجي والهام لليبيا والاتجاه إلي إنشاء أكبر مواني توريد وتصدير في مشروع ما عُرف بالمنطقة الاقتصادية الحرة، كان من أكبر أسباب العداء، وأدي إلي تعاظم العمل ضد عجلة التنمية والتقدم فيها.

وجراء هذا العداء المُعلن والغير مُعلن تعطلت حركة التنمية المتثاقلة في ليبيا عامة ومدينة بنغازي خاصة، يجب أن يعي أبناء الصابري ذلك يجب أن يعي أبناء بنغازي ذلك .

ليتني أمتلك قناة إعلامية أو صحيفة حتى، لأقنع المتظاهرين بحجم المؤامرة التي سنتعرض اليها لكنهم لا يعتبروني سوي درويشا أهبلاً (طايح علي راسه) كما يرددون أمامي وخلفي كلما انطلقت بمركبتي وبدلتى الأنيقة، معتقدين أن من يرتدي البدلة فقط العريس، وأنه يؤنق نفسه (علي سبة البنات) كما يشوشون دائماً، أما عن حمله لمفكرته يقولون أن (القراية للبنات فقط) وعن تفاؤله وأ بتساماه الدائم حين يمر من أمامهم كل صباح أنه أكيد (زارط احبوب هلوسة امخليته جوه سمح).

ومن جراء هذه المغالطات والتشويش والإقصاء والتهميش لأصحاب الفكر المستنير تغلغل الفوضويون وتكاثروا وتزاحموا فأقنعوا الجميع بأفكارهم المسمومة التي ستؤدي في اعتقادي الي انهيار الدولة برمتها ” هذا ما وصل به تفكير مصباح وهو يتجول بمركبته راصدا لتفاصيل رياح التغيير في منطقة الصابري وما حولها.

 

هنا من أمام المركز الثقافي بمنطقة الصابري والتي تحوي في طابقه العلوي كوكبة من أعضاء اللجان الثورية والذين رفضوا انضمامه إليهم ومنحه عضوية اللجان الثورية معتبرينه أنه سوف سيختلس كل الميزانيات إن منحوه حتي بطاقة العضوية،فلقد تجرأ مصباح ذات يوم على رئيس قسم العضوية بالمثابة فسأله:

مصباح:

أنا خريج عام 1992 وأحمل الشهادة الجامعية ولم أتحصل علي فرصة عمل حتي الأن فلماذا يأستاذ موسي لا تمنحني عضوية اللجان الثورية ؟ لتكون لي كالمفتاح ولا تحصل بها على فرصة عمل “فالثوري هو الإنسان الإيجابي الذي يحمل فكراً ايجابياً ومؤثراً في حياة الفرد والمحيط” حسن.

تجهم وجه الأستاذ موسي وقال:

“تعرف أنا لو انوافقلك على العضوية حتلهتها كلها” وأقفل الحوار ثم غادر المكان.

 

هنا أدرك مصباح أنه له قدر كبير ولكنه في اتجاه يختلف عن اتجاه هؤلاء المدعين للثورية.

وأستمر مصباح في تذكر المشاهد الحادثة في كل ركن من أركان منطقته ومدينته فمن أمام تلك المثابة، قد خرجوا ليلة الرابع عشر من فبراير ليطلقوا وابل من الألعاب النارية ويتجهوا ناحية مركز شرطة الصابري وكأنهم هم من قرروا إعطاء الأذن وشرارة أولي للتغيير، وللتظاهر فهل هي عملية ابتزاز للنظام لدفع مزيد من الميزانيات لتحسين أدائهم الثوري؟

لا أعتقد ذلك كررها مصباح في دواخل نفسه مقنعا نفسه بأنهم هم جنود القائد ورجالاته المخلصين فلن تصدر منهم مثل هذه السلوكيات الابتزازية الهدامة.

ومن جراء هذه المغالطات والتشويشات علي المشهد الحياتي في أحياء بنغازي البائسة، أُصيب أجمل أحيائها ومناطقها الصابري بالركود وبالتالي أغلب شباب هذا الحي بالبطالة، فعانت المنطقة وسكانها من تصدعات في البنية التحتية والتي يحتاج إصلاحها إلي ميزانيات تعادل أضعاف إي ميزانية مرصودة لمنطقة أخري في هذه المدينة الشامخة كون هذه المنطقة تتعرض لعوامل تعرية والبناء يحتاج لمواد ذو تركيبة كيميائية مقاومة للملوحة علي عكس المناطق البعيدة عن رياح وهواء غير مثقل بمياه البحر المحاذي.

لم ينتبه سكان هذا الحي البسيط، هؤلاء السكان والذي يغلب عليهم صفات البساطة والشهامة والكرم إلي حجم المؤامرة التي تقترب من النظام والحكومة في بلادهم .

فعن طريق الإعلام المناهض لليبيا والمتسرب الي كافة السكان، بدأ الناس التذمر من رجالات الدولة وبدأت المطالبات بالخلاص تُسمع فكبرت شعلة الفتنة واستوقدت بنار مسربيها والمحرضين عليها.

 

لالا لم ينتبه أغلبية السكان لما تنجزه الحكومة تلك السنوات فقط نادوا بإلغاء الفوائد علي القروض والسلف الاجتماعية والشكاوي ضد رجالات الأمن الداخلي والذين تمادوا في اعتقال عديد الشباب طيلة سنوات وصفوها أغلب سكان الصابري بالظلم والقهر والفقر فخرجوا ليشعلوا ليلة الرابع عشر من فبراير وصباح الخامس عشر فتيل التغيير.

 

عن حسن أبوقباعة

حسن ابوقباعة المجبرى،مواليد :1970 ،بكالوريوس علوم 1993 ،حائز على الترتيب الثالث بمسابقة الابداع الشبابى على مستوى ليبيا 2010 ، له رواية صادرة عام 2005 هى رواية (غياهب الحى المقابل ) ، يكتب في صحف ورقية عدة اهمها ( أحبار بنغازى / وأخبار طرابلس ) اسس صحيفة الأيام وترأس تحريرها حتى 20 يناير 2013، عضو اللجنة التحكيمية في المسابقة اليومية لقصة الومضة .

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى