رواية: الفندق الجديد (الجزء الرابع)

السجين جاد الله

من أعمال الفنان محمد الشريف.

…في ذلك اليوم الغائم من شهر مارس، ومنذ ساعات الفجر الأولي، طغت أصوات الأقدام المتعاظمة علي أرضية ساحة سجن الكويفية الواقع علي بعد اثنين كيلومتراً، من منطقة الصابري.

… السماء تُنبي بحدوث شيئا عظيماً، خارج أسوار مؤسسة الإصلاح والتأهيل تلك .

السجناء أغلبهم لا يدركون ما يجري  في خارج السجن، فقد كانوا يتحركون بالإيعاز العسكري الروتيني ، ذهاباً ومجيئاً، وبنظام محكم  تحت أعين  الحراسات المستنفرة ، والحذرة نتيجة إلمامهم  بحجم الحدث الجسيم المُقبلة عليه البلاد تلك الأيام.  

وبعد شوطا من التمارين الصباحية الروتينية للسجناء، تقدم العريف المكلف ، بورقة تحمل أسماء لسجناء سيتم الإفراج عنهم هذا الأسبوع.

كان من ضمن القائمة شاباً أربعيني، هلل جميع السجناء مباركين للإعلان عن انتهاء محكومتيه،

رجلاً يافعاً، قليل الحركة ، قليل الكلام ،مكتمل الرجولة ، يمتلك نظراتاً حادة،  كان يرتدي ثياباً متهتكة،يبدو أنه لم ينسلخ عنها،ولم يتنازل عن ارتدائها منذ دخوله قبل أربعة سنوات، بنطلونه من نوع جينز، وفانيلة فوقها قميصاً مفتوحاً  به مربعات وحذاء رياضي قديم .

كان أسمه (جادالله ) ،يعلم كل زملائه من نزلاء سجن الكويفية، أنه أقوي النصابين في بنغازي بل في ليبيا برمتها .

… سيخرج  ( جادالله ) من السجن بعد قضاء محكومتيه، بسبب ارتكابه لجريمة استيلاء  علي حافلة نوع (فيتو )  وترك السائق،  بعد أن أعطي تعليماته لعصابته بالقدوم إلي محطة المسافرين الواقعة قرب الفندق البلدي وسوق الخضروات، ليأتوا فرادة، فرادة في ساعات مختلفة، وليتجمعوا أمام مكتب السفريات ذاك، وكأنهم غرباء عن بعضهم البعض، وكل شخص تظاهر بأنه  يرغب في السفر إلي مدينة  (اجدابيا )، حيث استقلوا الحافلة، كلهم موهمين السائق أنهم  مجرد مسافرين، وفي الطريق أنقض (جادلله )، علي السائق ضرباً،علي عنقه ،فأغمي عليه وسلبوه السيارة ،وهاتفه، وساعته، ونقوده، ورموا به على قارعة الطريق الواقع بين ( قمينس) و(سلوق) و(سي عبد العاطي ) مُعتقدين أنه قد فارق الحياة.

…أنتهي الجمع الصباحي للسجناء وعادوا جميعهم الي عنابرهم، فألتف عدد من النزلاء حول زميلهم ( جاد الله ) مباركين مهللين، وطلبوا منه بأن يقوم ببعض الخدمات لهم ،والمواقف تجاههم ، بعد مغادرته قضبان السجن.

– أحد النزلاء  باللهجة العامية :

رد بالك يا (جاد الله ) تنسي الموضوع المتفقين عليه .

– جا د الله يرد بنفس اللهجة :

 ممكن أتذكرني بيه ؟

– نفس النزيل :

الوسخ ابن الذين (صالح سعيد)  نبيك اطيح دين أمه  ليا في أي قضية ، باش انزروه علي تنازل بتنازل، ونطلع من القضية ، الوسخ دكني في الحبس،وطار يحسابني ناسيه ولد الوسخة.

… لم يرد (جاد الله ) حول ماتفوه به النزيل ، رغم أنه أنصت إليه باهتمام .

– تحدث نزيل أخر موجهاً بالحديث إلي (جادالله ) كذلك :

عليك أمان الله  يا (جادالله ) ما تقطع علينا الزيارات، ومنوصيكش  حاول كيف اتهربلنا صنف حشيش باهي ياباهي ، وجهاز تلفون …موبايل،  شوف كيف اتزرقه لنا معاك في اي زيارة .

– تمتم (جادالله ) :

  حاضرين أعيوني ليكم، ورادفها متمتما كذلك، ومحدثا نفسه  بالمثل الشعبي ( غير أطلق عمك بجرده )، ثم أنسل مبتعدا عنهم ، حيث أنزوي في ركن مظلم في العنبر (123) منتظرا قدوم موعد الإفراج الرسمي.

وبعد سويعات قليلة حدث شيئا غير متوقعاً ، أدي إلي حدوث فوضي عارمة داخل عنابر السجن!!

فبعض القذائف تنطلق من علي ظهر سيارات ذات دفعاً رباعياً، فتطال السجن،ويعقبها هجوماً مسلحاً علي البوابة الرئيسية لمؤسسة الإصلاح والتأهيل .

… السجناء يفرون كالجرذان من جميع المنافذ، وفي لحظات ، أصبح السجن خالياً من جميع النزلاء، فيما عدا ( جادالله )، فقد كان حكيماً، فلقد قرر المكوث لبرهة، متبيناً الأمر، فقد تكون خطواته نحو بوابة السجن لها أثرا عكسيا علي قرار الإفراج الصادر صباحاً،  والذي تم  أعلن عنه في التمام الصباحي.

… تفرق السجناء في أزقة المناطق القريبة من سجن الكويفية بدء من منطقة ( الكويفية) نفسها، فــ(بودزيرة ) و(حي السلام)( وأرض أزواوة) ، و(السلماني) و(سيدي يونس ) و(الوحيشي ) و(السرتيه ) و(أرض شبنة) و(الصابري) و(سيدي خليفة)، ثم أختفوا داخل زحام المدينة العريقة بنغازي.

… خيم الليل علي السجين و(جادالله)، وهو لا زال منتظراً قدوم لأي مخلوقا ، فلم يحدث ما كان يرجوه ، وخاب أمله .

…عند هبوط الليل ، قرر( جادالله ) التوجه مشياً علي الأقدام كونه، لا يملك  المال الذي يمكنه من أخذ أي وسيلة مواصلات، لتقله إلي  شارع (جمال عبد الناصر) حيث مقر (إدارة  البحث الجنائي) ، أو لـ (منطقة الهواري ) ،مقر (مديرية الأمن) ،ليقوم بتسليم نفسه لهم ، وليوضح لهم ،أنه ليس هاربا من السجن كبقية الفارين ، حيث أنه قد أعلن الإفراج عنه هذا الصباح، ولم يتسني له اخذ صورة من قرار الإفراج حتي يستخدمه، كـدليلا علي إنهائه لمحكومتيه ، مُعتقداً أن الأمور لازالت اعتيادية، أو كما هي منذ تاريخ دخوله إلي السجن قبل أربعة سنوات .

….سلك طريقاً معبدا وسط (مقبرة سيدي عبيد ) تاركا منطقة ( أرض أزواوة) خلفه ،و(بريد السلماني) عن  شماله، و( محطة بنزين ) تترأي من منطقة ( دكاكين حميد ) عن يمينه.

ومن بين عمارات السبخة ، تسرب حتي محلات (نادي الهلال الرياض الثقافي الإجتماعي ).

 في الطريق بدأ الأمر يتضح شيئا، فشئياً، وعند تجاوزه لضريح (عمر المختار) وأزقة (منطقة السكابلي ) ، تفاجأ بآثار لهدم النصب التذكاري لــ (جمال عبد الناصر )، وأبخرة دخان متصاعدة من براميل القمامة حيث تم حرق الكتب من مكتبة ( مركز دراسات وأبحاث الكتاب الأخضر) الواقع في بداية شارع جمال عبد الناصر فيها !!..

… أنحي بنفسه جانبا، فأكمل المسير، حتي لايتورط معهم ، فيجد نفسه قابعاً من جديد خلف القضبان بتهمة أمن قومي ، وكانت وجهته كتيبة (الفضيل بوعمر ) الواقعة في منطقة (الحميضة ) هذه المرة.

فأصطدم بأن الطريق عند مبني (إدارة الضمان الاجتماعي) الواقع في منطقة (السيلس ) ،قد تم إقفاله وغلقه ، وبالتالي  يجب عليه أن يُكمل مسيره من طريق نادي الفروسية مارا من أمام مبني بيوت الشباب الواقع خلف ملعب( ثمانية وعشرين مارس ) أو مايعرف بـ (المدينة الرياضية ).

تسرب من ذاك الطريق ، فأشتم رائحة بعض الأطعمة من أحد المطاعم الشهيرة هناك، تحسس جيوبه ،تلك اللحظة ، فلم يعثر علي قرشاً حتي  ، فخطرت بباله أن يتوجه إلي ( البنكينة)  الواقعة في منطقة  ( جليانة ) مقابل (فندق أوزو ).

وبينما هو يسير، وصل إلي مسامعه تحذيراً، أرسله أحد الشباب المتحمسين لمجموعة من أصدقائه المبتعدين حيث قال لهم باللهجة الليبية الدراجة  محذراً :

ردو بالكم بكرة فيه مجموعة لابسة طاقيات لونهن أصفر وهراوات ناويين يشتبكوا معاكم

– رد أحد الشباب المستمعين لتحذير زميلهم :

قبعات صفر من وين جونا هظوما ؟

– أجاب صاحب التحذير باللهجة العامية الليبية كذلك :

الله أعلم بس نفس طاقيات عمال  الصيانة اللي في جامعة قاريونس .

– رد نفس الشاب  المستمع للتحذير :

لالا لا أعتقد أن (جامعة قاريونس )  حا أتشارك في قمعنا نحن المتظاهرين، عن طريق أرسال ودعم أصحاب القبعات الصفر … مستحيل !!…

… ترآت أخيراً  بوابة البنكينة لـ (جادالله ) ومن محاسن الصدف أنه، وجدها مُشرعة لأبوابها نتيجة موجه العنف والسرقات ، فدخل وقرر أن يجهز بنفسه  وجبة من بعض الأسماك الطازجة.

أكمل وجبته وأنسل إلي إحد مراكب الصيد ونام نوما عميقاً متوسدا لحقيبة أموالاً يبدو أنها لبعض الصيادين،  دون أن يدري. 

 غط ( جادالله ) في النوم إلي مساء اليوم التالي ،حيث أستيقظ وإذا به يستشعر أنه متوسدا لرزم كثيرة من الاف الدنانيرالليبية ، فقرر أن يتوجه إلي أقرب ، صالوناً للحلاقة ،  ومن ثمه لمتجراً لملابس ليتبضع بدلة أنيقة،ولاينسي أن يشتري هاتفا خلوياً ، ثم يستقل سيارة تاكسي ، فيستقر إلي حين، في أحد الفنادق القريبة من شاطئ البحر في المدينة.

ــــــــــــــــــــــ

يتبع الفصل الخامس

عُمال الفندق الجديد

عن حسن أبوقباعة

حسن ابوقباعة المجبرى،مواليد :1970 ،بكالوريوس علوم 1993 ،حائز على الترتيب الثالث بمسابقة الابداع الشبابى على مستوى ليبيا 2010 ، له رواية صادرة عام 2005 هى رواية (غياهب الحى المقابل ) ، يكتب في صحف ورقية عدة اهمها ( أحبار بنغازى / وأخبار طرابلس ) اسس صحيفة الأيام وترأس تحريرها حتى 20 يناير 2013، عضو اللجنة التحكيمية في المسابقة اليومية لقصة الومضة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى