رواية الفندق الجديد (الجزء الخامس)

عُمال الفندق الجديد

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

تنتاب الحاج أنور في كثير من الأحيان، حالة من الإعجاب المفرط بنفسه،يتولد عنها شعوراً بالعظمة بعد موجة فرح وغبطة وسرور تعتريه جراء وصوله إلي تحقيقهدفاً جديداً ، كان قد خطط له ووصل به إلي مرحلة الإنجاز.

فها هوا (الحاج أنور)، يجوب الفندق ركضاً تارة ومشياً تارة أخري، مُتيقناً بأن لا أحد يراه في تلك اللحظات سوي (مصباح ) الذي بدأ يتردد علي الفندق الجديد ، منفذا لرغبة (الحاج أنور).

 ..طقوساً غريبة تحدث جراء خفة دمه النادرة، والتي تطبع بها منذ نعومة أظافره ، كان يطبقها  في طوابق فندقه الجديد السبعة، مرددا بأعلى صوته :

“ننقلي الحمد لله  ياربي” ” ننقلي الحمد لله ياربي” ويقوم بتقبيل يديه وجها وظهرا ، بعد كل هرولة.

 وكلما وصل إلي طابق من الطوابق السبعة كان يتدخل ( مصباح ) مقترحاً .

– مصباح :

هنا كبار النزلاء سيكونون سعداء بتسكينهم في الطابق العلوي ، اعتقد سيكونون في أمكنة أقل تشويشا،  فلا يجوز أن توطن الفلاسفة أو الأجانب السواح القادمين من دول العالم المتطور بين بقية النزلاء الشعبيين، فالطابق السابع المطل علي البحر مناسب لهم .

– الحاج أنور باللهجة العامية الليبية :

توا فيه  فلاسفة وسواح في ها لوقت يا ( مصباح )؟

– وأضاف ساخرا مقهقهاً :

ومن وين نلقوا السواح وسقراط وزيكو ومارادونا؟

– مصباح :

ما أقصده يا حاج  أن هناك نوع من الناس ، متميزون، فقد يكونوا أصحاب تجربة حياتية ضخمة وناجحون مثل حضرتك، فيحتاجون الي  أمكنة بها مناخاً يسوده الهدوء ويصلح لتوطيد العلاقات الراقية، فلا يجوز أن ندع نزلاء عاديين يحملون عقولا عادية أن تحيط بهم، فقطعاً  ستحدث مشاكل ( كالنقد تجاههم ومراقبتهم وتتطور إلي النميمة من خلفهم والدسيسة، وحتي الإيذاء بسرقتهم ، والحسد والاستكثار علي النعم التي يتمتعون بها ، الخ ).

– الحاج أنور ساخرا باللهجة المصرية :

 دكتور فنادق حضرتك ؟

– وأردف :

أستمر يا(مصباح ) نورني،  وريني كيف نتعرف علي مستوي معيشة وفكر الزبائن القادمين لإيجار الغرف في فندقي الجديد.

– مصباح :

عن طريق اختلاف الأسعار والخدمات التي سوف يقدمها الفندق لزبائنه، فهي ستحدد بشكل كبير قدرة النزلاء علي اختيار القيمة، وبالتالي نوعية الغرف والطوابق بالدرجة الأولي، وعن طريق توظيف عاملاً موثوق بصدقه، فتجعله يعمل كمخبراً سرياً يقدم لك تقريراً يومياً أو أسبوعياً، لينقل لك ما يدور في كواليس طوابق الفندق السبعة أولاً بأول.

أصغي (الحاج أنور) لما يقدمه (مصباح ) من فكراً  باهتمام شديد

فالبدروم  يصلح كمخزن والغرفة التي تقع بجانب المدخل الجنوبي مناسبة جدا (لـلمسكين علي) فهي بعيدة عن أعين النزلاء ونستطيع أن نهتم بـ (المسكين علي) داخلها وقد  تتحسن حالته الصحية فيستطيع الخروج والدخول من الفندق دون أن يلاحظه أحد.

الطابق الأول  سيكون مناسباً للنزلاء الراغبين في  السكن في غرف بالفندق من شريحة العُمال والطلبة،أي.. من هم لا يحملون شهادات علمية ويكون سعر حجز غرفة لليلة واحدة في هذا الطابق  في متناول الجميع، فهم يحملون عقولا وفكرا عادياً، وهم في الغالب عقلاء، فالعاقل من صفاته القناعة، وفكره ثابتاً، في اغلب الظروف ومخرجاته مكررة ومحدودة سواء أكانت ايجابية أو سلبية.

ولكنه لن يستوعب بعض ما يصدر عن عقليات غامضة، كعقليات من أشرت عليك بتسكينهم في الطابق العلوي فسيكون جاهلاً لنمطية حياته، لذلك من الأفضل أن تقلل من فرص الالتقاء يبعضهم البعض، بتسكينهم كالخليط دون تنظيم .

الطابق الثاني  سيكون مناسبا لنزلاء من شريحة متوسطة فهم الأذكياء الميسوري الحال .ويكون سعر الليلة الواحدة بهذا الطابق اعلي قليلا من سعر الغرفة في الطابق الأول وأقل من الثالث وهكذا.

أما الطابق الثالث سيكون مُلائماً لعقلية يحملها شخصاً لبيباً، فالشخص اللبيب أكثر ذكاء من الشخص الذكي، فهو سريع البديهة يغلب عليه استعمال لغة الإشارة، ولا يتكلم إلا بالمختصرات في اغلب الظروف وهو شخصية رائعة، إذا لم ينحرف بعقله إلي منحي الدهاء.

ثم الطابق الرابع يستحسن أن يكون قاعة للأكل فهي في المنتصف وتناسب حركة الجميع.

الطابق الخامس للمفكرين والمثقفين ورجال الأعمال والإعلاميين  وخطاب المساجد والمعلمين وا .. وا

– تدخل (الحاج أنور) بتغيير مجري الحديث، و ليوقف استرسال مقترحات (مصباح ) الصعبة الفهم :

يا( مصباح ) نبيك توا تنشر لي إعلان عن رغبتي في توظيف عُمال وموظفين لتوظيفهم ، بشرط اجتياز المقابلة الشخصية بمكتبي بالفندق.وبعد مدة نبيك تنشر إعلان أخر عن موعد الافتتاح ..  فشنو عندك من أفكار.

– مصباح :

أنت عارف يا(حاج أنور) أن الوقت غير ملائم لنشر إعلان في التلفزيون، أو في الراديو، فالناس مُنخرطة في مجريات الثورة، لكن فيه شيء يدعوا للتفاؤل، فلقد لفت انتباهي أن هناك نشرات و مطويات ورقية توزع على مفترقات الطرق وعند محكمة الشمال، وأنا أقترح عليك أن نعمل مطوية فيها الإعلان المطلوب نشره ،ونبدأ بتوزيعها بشكل مُنظم عن طريق اثنان من الأولاد يرتدون لباساً يحمل شعاراً للفندق الجديد وكذلك عن طريق تضمينها داخل ثنية أي صحيفة صادرة، بالاتفاق مع أكشاك ومكتبات بيع الصحف الدورية، فلقد تكاثرت الصحف مع أحداث التغيير ولقد فاق عددها سبعون صحيفة حتي شهر يوليو.

– الحاج أنور :

   فهمتك يا (مصباح ) ،ومع أنه هناك تعقيدا في تطبيق أفكارك لكني سأحاول تطبيق بعض منها تدريجيا …

– وأردف  قائلاً:

 تمام ، تمام، تمام ،يا (مصباح )هي علي بركة الله ، اتفقنا يا (مصباح).

… في غضون أسبوعا واحدا فقط ، قام ( مصباح ) بتجهيز مطوية الإعلان التي طلبها منه (الحاج أنور)، فلقد تم طباعتها بالكمية الملائمة، ثم فكر في اختيار أثنين من الأولاد اليافعين لتوزيعها بانتظام وبكميات يومية محسوبة وفي أمكنة مختلفة ،فلم يجتهد كثيرا فلقد وجد ضالته بسرعة ، فوقعت عيناه على ولدين مراهقين يقومان ببيع زيوت  السيارات عند منطقة جزيرة دوران سوق الجمعة وهي أخر مساحة من مساحات منطقة الصابري العريق .

ترجل مصباح من سيارته، تجاههم وعرض عليهم الأمر، وأقنعهم بأن توزيع المطويات أفضل كثيرا من بيع الزيوت المُهربة، فوافقوا بسرعة خصوصا عند رؤية القمصان المزركشة والتي تحمل شعارات الفندق والتي سيحضون بارتدائها دون سائر الأولاد .

بدأ توزيع المطويات ،فانهالت المكالمات علي ( الحاج أنور) ،مستوضحة مواعيد المقابلات.

…أجري (الحاج أنور)عديداً  من المقابلات مع الراغبين للعمل في فندقه الجديد، وأختار علي إثر هذه المقابلات ، عددامن المتقدمين  للعمل،ففي مكتب استقبالالفندق الأمامي وقع اختياره علي الجميلة (فاطمة )، أما مكتب الاستقبال الفندقالخلفي فوجد أن الفاتنة السمراء (عائشة )هي الأنسب.

ثم وافق على الشابين (صالح ) و(محمود)، فوجدهما ضروريان لحمل حقائب النزلاء من وإلي غرفهم.

ولقد قرر أن يضع الأسمر( محمود) عاملا في مكتب الاستقبال الخلفي للفندق، ليكون قريباً من موظفة الاستقبال السمراء  (عائشة ) ، و( صالح )، عاملاً في مكتب استقبال الفندق الخلفي.

ثم وبعد جهد جهيد أستقر اختياره علي أربعه من العمال الأجانب وهم من بنغلاديش، فلقد عجز عن توظيف عمال نظافة ليبيين !!، ولقد أتفق معهم أن يقوموا بتنظيف كل ما يتعلق بالفندق فيما عدا  التنظيف بداخل الغرف، فهي مهمة ستكلف بها ابنة صديقه الكادح والراحل ( سيدي عيسي ) تلك الأرملة (عواطف وبناتها فوزية وسعاد )، كجزء من مواقفه النبيلة، والغير منظورة والتي يقوم بها ( الحاج أنور) تجاه الآخرين .

وفي الكافتيريا  قام بتوظيف عدد أربعة من الشباب المُتحمسين للعمل فأعطاهم الفرصة لإثبات الذات. وبعد أن أعتقد ( الحاج أنور)، أن كل ما يحتاجه الفندق الجديد من موظفين،قد تم اختيارهم،وتوزيعهم بالشكل الأنسب، قرر أن يكون ،بداية شهر نوفمبر هو الموعد الملائم ، و أنه أفضل موعداً للافتتاح الرسمي للفندق الجديد،  خصوصا أن البلاد  قد انعطفت انعطافا كبيرا بعد مقتل القذافي في  مدينة (سرت ) ،  أواخر شهر أكتوبر المنصرم ،وبدأت الاحتفالات، تقام في أغلب مناطق ومدن ليبيا ،وبالتالي سيبدأ بداية جديدة مع بداية الدولة الجديدة.

عن حسن أبوقباعة

حسن ابوقباعة المجبرى،مواليد :1970 ،بكالوريوس علوم 1993 ،حائز على الترتيب الثالث بمسابقة الابداع الشبابى على مستوى ليبيا 2010 ، له رواية صادرة عام 2005 هى رواية (غياهب الحى المقابل ) ، يكتب في صحف ورقية عدة اهمها ( أحبار بنغازى / وأخبار طرابلس ) اسس صحيفة الأيام وترأس تحريرها حتى 20 يناير 2013، عضو اللجنة التحكيمية في المسابقة اليومية لقصة الومضة .

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى