رواية الفندق الجديد (الجزء الثامن)

سائق البلدوزر الشهم

من أعمال التشكيلي علي الوكواك
من أعمال التشكيلي علي الوكواك

نجح ( مصباح ) في تنفيذه للخطة الترويجية، المُعلنة عن موعد الافتتاح الرسمي للفندق، فبالتوزيع الميداني المباشر عن طريق الأولاد، عند جزيرة دوران الجرات بمنطقة السلماني، تمكن من إيصال المعلومات إلي ما يقارب عن عشرين ألف شخص هم سائقوا السيارات والحافلات والشاحنات وحتي البلدوزرات المارة عبر هذا الطريق، فوصلت المطويات إلي عوائل ومعارف كل من استلمها خلال يومين من العمل المرهق للأولاد.

وعند الكورنيش تمكن نفس الأولاد في غضون يومين آخرين كذلك، من توزيع ما يقارب عن ثلاثة الآف نسخة من نفس المطوية.

لكن (مصباح ) لم يكتفي بذلك،فقد كثف من حملته الإعلانية، فأتفق مع إدارة الإعلان في راديو بنغازي ( إف إم )، ببث خبراً عن موعد الافتتاح لمدة عشرة أيام متواصلة بمعدل أربعة مرات في اليوم بتكلفة مناسبة.

وأقنع (الحاج أنور) بضرورة تحرير رسائل رسمية إلي كافة المؤسسات الحكومية والخاصة، والنوادي الرياضية ومنظمات المجتمع المدني التي بدأت تظهر أعمالها ونشاطاتها للعيان بفحوى مطوية الإعلان مع بطاقات دعوة رسمية لحضور الحفل الساهر.

ثم قام بإطلاق صفحات علي منصات التواصل الاجتماعي الفيس بوك، والتويتر للترويج عن نشاطات الفندق، وأهمها صور لحفل الافتتاح،لاستقطاب مزيدا من النزلاء من دول صديقة في مرحلة قادمة، وهي إستراتيجية لبدء علاقات تجارية وسياحية مع مكاتب السفريات المحلية والعالمية في دول أخري، لجذب أفواجاً من مواطنيها والذين يحلم ( مصباح ) في استقطابهم كسواح لشواطئ ورمال منطقة الصابري المبهرة.

وقد قام بتطبيق نفس الأسلوب الذي يطبقه رجل الإعمال الصغير إبنالصابري ( فرج ) في الترويج لإعلاناته،فقد استأجر ( مصباح ) عدد خمسة سيارات هونداي ذات لون أبيض من نفس المعرض الخاص ببيع وتأجير السيارات، فوضع ملصقات علي تلك السيارات، وبدأت تدور في طرقات وشوارع وميادين مدينة بنغازي، لمدة خمسة أيام معلنة عن موعد الافتتاح وموقع الفندق الجديد.

جموعاً كبيرة، بدأت تتوافد علي الفندق، والعمل علي قدم وساق، لتهيئة أجواء احتفالية لائقة بمستويات الضيوف.

….مداخل الفندق الجديد مشرعة علي مصرعيها، والموظفين يرسلون الابتسامات وكلمات الترحيب هنا وهناك.

حوارات بين الضيوف،فيما بينهم.

… وعمال الكافتيريا القابعة بالطابق الرابع يقع عليهم العبء الأكبر، فهل هم علي قدر المسؤولية؟

ثلاثة من الشباب كانوا يؤدون عملهم علي أكمل وجه فيما عدا الشاب الرابع (جمال )، والذي بدأت تتسرب من تصرفاته عدم الجدية في تأدية واجبه المنوط، فهو يقوم بتصرفات غريبة عند حمله لبعض المشروبات والمرطبات لبعض الضيوف، فلقد قام بوضع بعض الأقراص المهلوسة، والتي أخرجها من علبة السجائر، ووضعها في كوب، كان قد قدمه لأحد الضيوف الجالسين وهو شاب مثقفا كان يعمل أستاذا في التوعية الثقافية مع منظمة مجتمع مدني تهتم بالثقافة الليبية المحافظة، والذي كان يجلس منسجما مرتدياً بدله فاخرة وربطة عنق رائعة،وواضعا رجلا فوق رجل، متصفحاً لبعض المجلات والجرائد، ومدونا لبعض الملاحظات في مفكرته الصغيرة،ولقد رأته ابنتا الأرملة (عواطف )،اللاتي كن يختلسن مشاهدة الحفل من زاوية غير منظورة، وكيف تغيرت تصرفات الضيف من حالة الهدوء والاستمتاع والكتابة والإطلاع التي كان فيها، إلي نوع من التوتر والهيجان حين تجرع ذلك الكوب المقدم من عامل الكافتيريا (جمال )، حتي أن الضيف أصبح يهرول بين ممرات الطابق الرابع ويهذي بكلمات ويرسل في إشارات غامضة دون أن يدري، ثم توقف مسترخياً مرهقاً في إحدي الزوايا المعتمة في صالة الاحتفال.

سارعت الفتيات (فوزية) و(سعاد )،بإخبار (الحاج أنور )، ليتدارك الأمر قبل أن يُفسد العامل (جمال ) الحفل بتصرفاته الإجرامية تلك مع ضيوف آخرين لم يروقوا له.

…وبينما كانتا الفتاتان تهمان بالدخول لمكتب ( الحاج أنور)،لاحظتها فاطمة، فهمست لـ (عائشة ) أن (سعاد ) و(فوزية ) على علاقة غير شريفة مع (الحاج أنور) وخصوصا ( سعاد )

– (فاطمة) باللهجة الليبية العامية :

شوفي يا (عائشة ) أنا أعتقد أن (سعاد )علي علاقة غير شريفة مع (الحاج أنور ) فهي كثرة التردد عليه، وتختلي به في مكتبه المغلق.

– (عائشة) :

أعوذ بالله منك، عيب الكلام هظا الراجل كبير وفي عمر والدها.

– (فاطمة) :

أنا قلتلك إني أعتقد، وماقتلكش…متأكدة

– (عائشة ):

“إن بعض الظن إثماً ” يا (فاطمة ) أنتي بس تفكيرك وحش ومش تمام.

– (فاطمة ) في قراره نفسها :

حسنا سوف أتأكد من تصرفات (الحاج أنور) بطريقتي.

في هذا الأثناء أخبرت الفتاتان ( الحاج أنور ) بما جري للأستاذ المثقف والذي حضر مع كوكبة من المثقفين من منظمات المجتمع المدني،وجلسوا مستمتعين بفقرات الحفل.

أستوعب (الحاج أنور) الأمر وقرر بسرعة في قراره نفسه، أن يصعد إلي الطابق الرابع ليصحح الأمر بهدوء.

… فسارع فور وصوله بجذب العامل (جمال ) من يده بلطف وأمره أن يجلس في ركن معين وأن لا يغادر المكان حتي نهاية الحفل، ثم توجه ( الحاج أنور) إلي الأستاذ المثقف وتحايل عليه إلي أن أقنعه بالجلوس معه علي مائدة واحدة معه ومع ( مصباح ) ثم همس في أذن مصباح :

قم وأتصل بمركز الشرطة سرا ليقوموا بالتحقيق في أمر هذه الواقعة.

– (مصباح ) :

أي واقعة ؟ وأي آمن ؟

– (الحاج أنور ):

لقد قام العامل بالكافتيريا واسمه( جمال ) بوضع أقراص مهلوسة في شرابا، ثم قدمه لهذا الشاب المثقف، وشربها المسكين دون أن ينتبه وهو الآن تحت تأثير الأقراص المربكة لتفكيره ألم تراه يهرول هنا وهناك والآن جالسا بيننا يهذي.

-( مصباح ):

نعم..نعم ولكني اعتقدته يرقص علي أنغام الموسيقي بطريقة مجنونة عن عمد فقط.

– (الحاج أنور) :

إذن عليك بإبلاغ رجال الشرطة للقبض علي ( جمال ) وتوصيل هذا الشاب إلي بيته.

– (مصباح ) :

أي آمن يا (حاج أنور )،لقد انهارت المنظومة الأمنية الشرطية السابقة، وحلت محلها كتائب الثوار المسلحة، تطبق منظومة أمنية وطرق جديدة، لبسط الأمن في المدينة، وهناك سلسلة من الاغتيالات بدأت تستهدف رجالات الشرطة والجيش وحتي الناشطين عن طريق انفجارات لسيارات ملغمة بطرق غامضة ورجالات مراكز الشرطة في حكومة القذافي في هذه الأيام لا حول لهم ولا قوة فقد أنفرط عقدهم.

– الحاج أنور :

والحل ؟

– (مصباح ):

الله أعلم الشعب ينتظر حكومة قوية وحاكماً أفضل وأقوي من معمر القذافي، ليفرض منظومة الأمن والأمان في ربوع الوطن من جديد، وهم حذرين في التعامل مع الكتائب الأمنية الجديدة والذين اتخذوا من المدارس مقارا لفرض هيبتهم.

في هذا الأثناء لاحظ ( الحاج أنور) و (مصباح ) قدوم (المسكين علي ) لأول مرة إلي الطابق الرابع فقد أوصلته نغمات الموسيقي إلي مصدرها

– (الحاج أنور) :

يا (مصباح ) بسرعة بالله عليك،قف وأحضر (المسكين علي ) للجلوس معنا، فلقد بدأت حالته الصحية تتحسن وهاهويعود الي طبيعته وكأن مسا من السحر كان مصابا به و أنفك عنه الآن.

– ( مصباح) :

حاضر يا (حاج أنور )

وعندما نهض ( مصباح ) ليجذب (المسكين علي )، لنفس الركن الذي يجلس به ( الحاج أنور) و(الشاب الأستاذ المثقف)، الواقع تحت تأثير المخدرات وأقراص الهلوسة،وقف أحد الضيوف من ركن أخر تاركاً الاستمتاع بالموسيقي، ومتوجها إليهم، وإنحني أمام (المسكين علي ) ليتمعن ويتبين في تقاسيم وجهه وتفاصيله، فأستفسر منه ( الحاج أنور ) عن سبب هذا التصرف.

– (الحاج أنور ) باللهجة العامية الليبية :

تفضل يا أستاذ شنو فيه هذا راجل طيب، أنا امسكنه هنا تحت رعايتي وأنحاول أنطلعه من حالته المرضية، اللي أوقعوه فيها أولاد الذين منذ سنوات، لكن من حضرتك ؟

– يرد الشخص الضيف:

 (عادل ) انا اسمي (عادل ) واعمل كسائق بلدوزر، أنا أقوم بتهيئة الأراضي، إذا ما تم الاتفاق علي أن تكون مخططات سكنية جديدة، وأخبركم أن هذا الشخص واقع تحت تأثير السحر.

– (الحاج أنور) و(مصباح ) باهتمام :

سحر ؟ كيف ؟

– (عادل ):

 اعتقد ذلك فمنذ عدة أشهر، قمت باستصلاح بعض الأراضي وتمهيدها عن طريق البلد وزر الذي اعمل به في منطقة البحيرات السياحية في منطقة السبخة الواقعة بالقرب من مقبرة سيدي عبيد تحديدا بين مثلث مناطق (أرض أزواوةوالزراريعيةواللثامة ) أليس كذلك ؟

– مصباح :

نعم نعم هي منطقة مشروع البحيرات السياحية السبع المتعثر إنجازها منذ سنوات…أكمل حديثك أرجوك

– عادل :

 وبينما أنا منهمك بتسوية الأراضي بالبلدوزر، وجدت نفسي وقد اقتلعت صخرة ظهرت من تحتها حفرة، وعند ترجلي أليها وجدت صورة حائطية مدفونة، لشخص يحمل نفس ملامح (المسكين علي) هذا،ولقد كانت الصورة مكبلة بالسلاسل، والأقفال ومتوارية، منذ سنوات في ذلك المكان ومنذ ذلك اليوم وانا مهتم بالبحث عن صاحب الصورة،وقلق لإيجاد هذا الإنسان فقد أيقنت أنه واقع تحت تأثير السحرالأسود.

رد (الحاج أنور) :

بارك الله فيك، أيها الشهم،والحقيقة أن (المسكين علي)، بدأ يتحسن منذ شهور واعتقد أن السحر بدأ ينفك منه منذ وقوعك علي صورته المدفونة.

وأضاف الحاج أنور قائلاً:

وهذا يؤكد من جديد صحة القصة التي بدأت تتداول عنه من بعض السيدات المحترمات التي كن يعشن بقرب سكن والدته الطيبة والتي سأت حالتها منذ فقدانها أبنها وابتعاده عنها،بوضعه في مستشفي الأمراض النفسية قسم ( أ ) بطريقة كيدية دون علمها. فهي لم تستطع البحث عنه ولا حتي أن تقوم بإحضار طعامها من المتاجر في المنطقة لولا تدخل بعض أبناء الحلال في إطعامها من حين لأخر لفارقت والدته الحياة جوعاً.

– وأضاف باللهجة العامية الليبيةأحيانا والعربية في أحيان أخر موجها الحديث الي مصباح هذه المرة :

تعرف يا (مصباح ) ما حدش عارف سبب شكوي إحدي النساء عليه، بس فاح الخبر بعد مدة وعرفنا أن المشتكية عليه، حاولت إبعاده عن الشارع، فقد أوصت بوضع أكداساًلأكياساً من القمامة المتعفنة أمام بيته ونظره يوميا، حتي لا يجلس أمام بيته في الشارع من جراء التفعن والعفونة،وبالتالي لن يشاهدها وهي تقوم بخيانة أهلها، مع بعض الوافدين الأجانب المتزاحمين في المنطقة.

لكن هذا المسكين لم يغادر مكان جلوسه أمام بيته، ولم يرغب في بيعه كما تمنت تلك المرأة، فاشتكت منه وادعت أنه يرغب في استمالتها، وأنه يعمل علي مضايقتها،كلما خرجت للشارع،فأقتادوه في إحدي الليالي عنوة، ووضعوه في مستشفي الأمراض النفسية قسم ( أ ) دون عرضه علي النيابة.

لكن بعد سنتين تقريباً، أبلغت بعض السيدات المحترمات في الشارع والتي علي خلاف مع المشتكية،،عن أن المرأة المشتكية علي (المسكين علي ) كانت علي علاقة غير شرعية مع عامل أجنبي، كان يسكن في شارعهم ضمن مجموعة عمال أجانب اتخذوا من بيوت قديمة في منطقة الصابري مسكنا جماعيا لهم،، وكان (المسكين علي) نشيطاً جداً و كثير الحركة،ويشاهد في خيانتهاكلما خرج من بيته مصادفة،، فادعت عليه كذبا حتي لا يشهد ضدها،وبدلا من ان يضعوه في السجن،وضعوه بالتواطوا مع أقاربها في مستشفي المجانين، لان الناس لن يعتدوا بشهادة مجنون لو فكر أن يتكلم عليها.

– ( مصباح ):

– هذي جريمة كاملة مستحيل تحدث في ليبيا، وكيف وصلتك المعلومات يا (حاج أنور) ؟

– أبتسم (عادل) وقال ضاحكا :

– البلاد مختلطة يا (مصباح ) ودخلت علينا ثقافات وسنياريوهات جرائم يقشعر منها الأبدان وأشياء مبتكرة في عالم الجريمة تسللت مع الأجانب الذين دخلوا حدودنا بدون رقيب ولا حسيب أوتنظيم.

– أضاف (الحاج أنور) موجها حديثه إلي (مصباح ) خاصة:

….مش قتلك نساء الشارع المحترمات تعاطفن مع (المسكين علي )، وتحدثن عليها، لأن أولاد المشتكية،بعد أن كبروا طلعوا من ناحية الملامح وشكل الجمجمة وحجم الجسم والتكوين شبه أولاد العامل الأجنبي، و الذي رجع من السفر وأخطأفأحضرأولاده الشرعيين من زوجته الشرعية،بنت بلاده،ليعملوا معه في ليبيا وسكن نفس الشارع،فظهر الشبه الكبير سبحان الله بين الأولاد الشرعيين والغير شرعيين من الجهتين، وكأنهم حبه من الفول وانقسمت اثنين !!.

– (مصباح ):

وماذا حدث للمرأة الخائنة ؟

– رد (الحاج أنور ):

لقد ابلغ زوجها عن وفاتها ذات يوم جراء إصابتها بسكتة قلبية فجائية، وأعتقد أنه هو من قتلها بطريقة ذكية كدس سم فئران أو تغيير أقراصاً لدواء كأقراص علاج مرض الضغط بدلاً من أقراص علاجية أخري، وأدعي أنها ماتت عن طريق سكتة قلبية،والله أعلم، فهناك قضايا حيرت رجالات الأمن، ثم أهملت، كونهم عجزوا عن حل ألغازها.

عن حسن أبوقباعة

حسن ابوقباعة المجبرى،مواليد :1970 ،بكالوريوس علوم 1993 ،حائز على الترتيب الثالث بمسابقة الابداع الشبابى على مستوى ليبيا 2010 ، له رواية صادرة عام 2005 هى رواية (غياهب الحى المقابل ) ، يكتب في صحف ورقية عدة اهمها ( أحبار بنغازى / وأخبار طرابلس ) اسس صحيفة الأيام وترأس تحريرها حتى 20 يناير 2013، عضو اللجنة التحكيمية في المسابقة اليومية لقصة الومضة .

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى