رواية الفندق الجديد (الجزء التاسع)

في غياب الأمن والأمان

من أعمال التشكيلية الليبية خلود الزوي.
من أعمال التشكيلية الليبية خلود الزوي.

فوضي عارمة تعم المدينة هذه الأيام، وموجة غريبة من سلسلة تفجيرات من خلال سيارات مُلغمة، يصحو علي إثرها سكان مدينة بنغازي مذعورين.

…الدماء تسيل بغزارة كغزارة الأمطار التي أغرقت الشوارع ، بداية الثورة ،وخيام المأتم انتشرت في أغلب الأزقة ، فسدت هي والمياه العائمة جراء تصدع شبكات الصرف الصحي وتهتك البنية التحتية في المدينة كل الطرقات،  فزادت من صعوبة التنقل والتجوال التي كان يمارسها ( مصباح ) اغلب أوقات فراغه بين ميادين مدينة بنغازي انطلاقا من منطقة الصابري  عرجون الفل  الي حيث لايدري .

…كان يتجول  للتحقق  بنفسه من دوافع قتل المستهدفين في عمليات التفجير المختلفة.

فلم يستطع الوصول إلي مقر السفارة الأمريكية ،  حيث تم قتل السفير الأمريكي  بطريقة مؤسفة ، ولم يستطع التحقق من دوافع قتل اللواء عبد الفتاح يونس ،والمحامي عبد السلام المسماري والمحامية سلوى بوقيعيقيص ،فأصبحت وسائل الإعلام،وحدها وأخبارها المفبركة هي مصدر المعلومات وهي من تحرك المشهد السياسي ، فتؤثر علي مجريات الحياة ،وأثرت في المعيشة كذلك ،وقد سربت معلومات أغلبها كانت غير حقيقية لخلق حالة من العداوة بين سكان ليبيا، فسادت ثقافات جديدة بين السكان ، ومنها التخوين والتشكيك وانتشار الفساد والسرقات  حتي عمت بين السكان ثقافة  جديدة هي الهلت.

وهاهي حالة من العبث  تعم أرجاء البلاد والبلاغات عن وجود مفقودات وسرقات  في غياب مراكز الشرطة وبالتالي غياب الأمن ، في كل المؤسسات الحكومية العامة وحتي الخاصة فطالت غرف وطوابق الفندق الجديد كذلك.

نزلاء  الغرف رقم ( 1 ) و ( 2 ) و ( 3 ) و( 4 )،حتي الغرفة (30) من الطابق الأول ،اشتكوا لموظفي مكاتب الاستقبال ، عن تعرضهم لسرقات مختلفة وعديدة.

ساعات يد ومحافظ نقود وجوازات سفر، وبعض من المصوغات الذهب ، وحني مصابيح وأسلاك الكهرباء بعض منها اختفت،وقد أبلغ عن فقدانها في ليلة الاحتفال بافتتاح الفندق رسميا.

سادت حالة من الارتباك الشديد علي تصرفات (الحاج أنور)، والذي بدأ يتحرك هنا وهناك دون وعي بين طوابق الفندق السبعة، وبين الفينة والأخرى كان يحاول إجراء   بعض من الاتصالات الهاتفية ،واستخدام لأرقام هواتف جهات أمنية كانت مسئولة عن حفظ الأمن فلم يهتدي إلي نتيجة .

أصابع الاتهام تتجه إلي عامل الكافتيريا ( جمال )، حسب تخمين  موظفي الفندق و(الحاج أنور).

… لكن ( مصباح ) كانت له وجهة نظر أخري، فهو يوسع من دائرة الشك ليصل بها إلي كل من سكن في كل الغرف المسروقة منذ البدء في إسكان الغرف بالفندق الجديد .

وكذلك نبه ( مصباح ) (الحاج أنور ) ،عن وجوب استدعاء عامل إصلاح المفاتيح والأقفال المدعو ( مفتاح)، فهو يحضر إلي الفندق خلسة وبطريقة مشبوهة فقد يكون هو السارق الحقيقي! .

(الحاج أنور ) يتذكر أن لديه دفترا صغيرا به أرقاما هامة لكبار رجالات أمن المدينة،  فيهم بإحضارها من خزينته ، لكنه لم يجدها !!ويكتشف أن أوراق ملكية الفندق قد اختفت بدورها .

التحقيق مع عامل الكافتيريا (جمال ) أدي إلي اعترافه بسرقة أموال (المسكين علي ) فقط والتي كان يجمعها كل يوم من  عملية التسول التي يمتهنها قبل شفائه من جراء المرض والسحر.

…الأرملة ( عواطف )، تتدخل،فتقوم بالإفشاء بمعلومات خطيرة عن عاملات الاستقبال، ( فاطمة ) وعائشة ) ، فتخبر ( الحاج أنور ) أن  العاملة (فاطمة ) في بعض الأيام كانت لا تغادر الفندق إلي بيتها فهي تبيت في الغرفة رقم ( 100 ) مع النزيل  ( جادلله ) في تلك الأيام ، و العاملة (عائشة ) تفعل الجرم نفسه مع النزيل (رزق الله ) والذي يقوم بتغيير الغرف  في الطابق الأول والطابق السابع بعد كل فترة وأخري !. ونبهت إلي أنه قد يقوم باستنساخ لنفس المفاتيح وبهذا هو يملك نسخاً عن مفاتيح كل الغرف التي سكن بها حتي يقوم بسرقتها في حالة وجود نزلاء أغنياء بعد فترات زمنية .

 كاد الجميع أن يغفل عن أداء صلاة المغرب ، جراء الأجواء المشحونة بالمعلومات الخطيرة ، والتحقيقات ،الجميع كان مهتما بكشف الحقائق،لكن صوت أذان الصلاة من مسجدالمغيربي القريب أجبر الكل علي إقفال الموضوع لحين .

وبينما هم يؤدون الصلاة  وفي الركعة الثانية تحديداً، ترجل فجأة  مجموعة من الرجال الملثمين إلي داخل الفندق، وفتشوا أروقة الطابق الأرضي، حتي وجدوا المصلين ، فانهالوا  عليهم بالضرب المبرح بالمواسير الحديدية ، واقتادوا أحد المصلين  عنوة إلي خارج الفندق .

ثم أركبوه ووضعوه  ليتوسط رجلين آخرين في سيارة نوع مرسيدس سوداء اللون كانت تتوسط عدد تسعة سيارات ذات الدفعالرباعي، واقفة أمام المدخل الخلفي للفندق ،منتظرة إنهاء عملية القبض تلك ثم سارعت بالمغادرة به جميعها في اتجاه الجنوب.

أنفضت الصلاة جراء هذا الإرباك ففر  بعض المصلين إلي أركان بعيدة عن مكان العنف وبعضهم أصابه فقداناً للوعي وحين أنفضت المشكلة لم يعلم أحد من هو الذي تم اقتياده من بينهم ، فصاح الجميع بملء حناجرهم :

أين الأمن ؟ أين الأمن؟

وخرجوا جميع نزلاء الفندق والعمال و(الحاج أنور ) و(مصباح ) إلي قارعة الطريق صائحين بأعلى الأصوات

نريد الأمن………….. نريد الأمان.

وصلت صيحاتهم واستنجاد اتهم إلي مسامع  بعض الشباب ، فسارعوا باستخراج بنادقهم وأسلحتهم  من مركباتهم وأطلقوا وابلاً من الرصاص تجاه موكب السيارات التي هاجمت و غادرت الفندق ، فرجعت من موكب المهاجمينبعض السيارات، لتتبادل إطلاق النار مع شباب المنطقة والأحياء المجاورة لحي الصابري ، وتتطور المعركة باستخدام أسلحة متوسطة ، أجبرت كل من في الفندق والبيوت القريبة علي الإخلاء الفوري ، وبمجرد خروجهم ، أطفئت الأنوار ، وعم الظلام المكان ،فسقطت بعض القذائف العشوائية هنا وهناك، فطالت المساكن القريبة من الفندق والذي لم ينجو هو كذلك من القصف العشوائي، فأصيبت الطوابق الثلاثة الأولي بقذائف أربي جي.

ترنح (الحاج أنور) وكاد أن يسقط مغشياً عليه أمام الفندق ، لكن ( مصباح ) ، عالج الأمر ، فجذبه بعناية إلي مركبته ، وفعل الشيء نفسه مع (الشاب المثقف) و(المسكين علي ) وأبتعد بهم مغادرا خارج المنطقة متقدما الجموع ويقودهم للمطالبة بتكوين الدولة والقانون .

..أزداد الهتاف فواصلت الجموع المشي  عبر الشوارع علي الأقدام إلي حديقة 23 يوليو المقابل لفندق تيبستي،والتفت حولهم جموعاً أخري من جميع فئاتالسكان الذين رددوا هاتفين باللهجة العامية الليبية :

نبو دولة نبو دولة …………….. العيشة صارت مش معقولة

نبو جيش ونبو شرطة ………..بنغازي صارت في ورطة.

*****

تمت

عن حسن أبوقباعة

حسن ابوقباعة المجبرى،مواليد :1970 ،بكالوريوس علوم 1993 ،حائز على الترتيب الثالث بمسابقة الابداع الشبابى على مستوى ليبيا 2010 ، له رواية صادرة عام 2005 هى رواية (غياهب الحى المقابل ) ، يكتب في صحف ورقية عدة اهمها ( أحبار بنغازى / وأخبار طرابلس ) اسس صحيفة الأيام وترأس تحريرها حتى 20 يناير 2013، عضو اللجنة التحكيمية في المسابقة اليومية لقصة الومضة .

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى