دار المحفوظات التاريخية في تسعين عاما

فعالية ثقافية جديدة اقترحتها علينا الجمعية الليبية للآداب والفنون ضمن خطتها للنصف الأول من موسمها الثقافي 2018 – 2019 حيثُ كان الجمهور على موعد مع محاضرة ثقافية تندرج في إطار التوثيق لأهم مظاهر الثقافة في بلادنا بعنوان ” دار المحفوظات التاريخية في تسعين عاما ” قامت بإلقاءها الباحثة أسماء الأسطى وذلك مساء الثلاثاء الموافق للسادس من الشهر الجاري بقاعة المحاضرات بدار الثقافة والفنون والتراث بشارع ميزران باستضافة من مكتب الثقافة طرابلس .

محاضرة دار المحفوظات التاريخية في تسعين عامًا.
محاضرة دار المحفوظات التاريخية في تسعين عامًا. | تصوير: رامز النويصري.

البداية وكما هو متبع كانت مع كلمة مدير النشاط , الأستاذ أحمد سمير الشارف الذي استهل كلمته بالترحيب بضيوف المحاضرة والإشادة بدور الجمعية في تنظيم الفعاليات الثقافية التي حرصت على أن تكون متنوعة , ولم ينسى أن يشكر الجمعية كذلك على اختيارها له لتقديم الباحثة وإدارة الجلسة , وقام من ثم بتقديم الباحثة , حيث سرد على أسماعنا شيئا من سيرتها العلمية والمهنية وذلك للتعريف بالأستاذة المُحاضِرة وكتهيئة للدخول في أجواء الموضوع الذي أولتهُ الباحثة الكثير من الأهتمام والعناية وأحاطت بكل تفاصيله في مجهود تجميعي وتوثيقي يستحق كل الثناء والإشادة .

والباحثة بحسب ما قدمها مدير النشاط تحصلت على الماجستير سنة 2005 وعملت كوزيرة للثقافة ووزير الدولة للمرأة والشؤون الأجتماعية بحكومة الوفاق وهي إلى ذلك تتمتع بعضوية العديد من منظمات المجتمع المدني وعضو في الأتحاد العربي للمكتبات والمعلومات كما تحمل عضوية أتحاد الأدباء والكتاب الليبيين ولها اهتمامات واسعة بالكتابة للطفل وحصلت على عدة جوائز تقديرية وتكريم على مجهوداتها البحثية ورُشِحت كعضو في الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور وتهتم بتوثيق التاريخ الثقافي الليبي بكل تنوعه وثرائه , ونشرت دراساتها وبحوثها وإنتاجها الأدبي في العديد من المواقع الإلكترونية مثل ليبيا المستقبل وليبيا اليوم , وعمِلت في مجال المكتبات المدرسية وصدر لها عدة مؤلفات من بينها الصحافة الليبية من عام 1866 – 2003 و ” كاتبات ليبيات ” و ” يا بلادي عن هموم الوطن وشجونه عقب ثورة 17 فبراير , هذا غير كتابتها للشعر والقصة , وطبعا هذا بعضا من سيرة الباحثة مما استطعنا تدوينه فيما فاتنا الكثير مما قراه مدير النشاط في عجالة , وهذا في ما اتصور كافٍ لبلورة فكرة عن صاحبة المحاضرة من ناحية سيرتها البحثية والعلمية .

أما الباحثة التي استلمت بعد ذلك السرد المستفيض لسيرتها العلمية والمهنية مكبر الصوت فقد استهلت حديثها بشكر الحضور وشرعت في إلقاء محاضرتها بمساعدة جهاز العرض المرئي الذي ساعد المتلقي كثيرا في تمثل واستيعاب موضوع المحاضرة الدسم , وفي البداية وفيما يشبه المرارة والغصة وهي العارفة بكل ما يتصل بموضوعه , حذرت من خطر داهم يتهدد ارشيفنا الوطني ويعرضه للضياع لأنه يعاني من ظروف التخزين السيئة والإهمال , ودعت من منبرها ذاك إلى توفير ظروف أفضل وشروط حفظ تضمن عدم ضياع الأرشيف وبناء قاعدة بيانات متينة .
أنتقلت الباحثة عقب هذا الإستهلال إلى الحديث عن دار المحفوظات وذلك منذ تأسيسها وحتى اللحظة من خلال بحثها وتنقيبها عن كل ما يخصها من معلومات وحقائق تاريخية ومن خلال الوثائق الإدارية للدار نفسها حيث تعرفنا من خلال هذا السرد على تاريخ تأسيس الدار وعلى من تعاقبوا على ترأس لجنة إدارتها , وعرّجت عل دور المستشرقين الإيطاليين في حماية الوثائق التاريخية مثل أوجينو الذي لعب دورا كبيرا في تنظيم الأرشيف العثماني وأوقف عملية ضياعه واندثاره ومثل توماسو سالفينه وكارلو الفونسو بللينو أستاذ اللغة العربي في المعهد العلمي بنابولي وبجامعتي باليرمو وروما الذي أعاد تنظيم الأرشيف السياسي العثماني في طرابلس . 

محاضرة دار المحفوظات التاريخية في تسعين عامًا.
محاضرة دار المحفوظات التاريخية في تسعين عامًا. | تصوير: رامز النويصري.

وخطوة بخطوة تتبعت الباحثة التي أعطت موضوعها حقه من الجهد والبحث , تأسيس الدار وتغير مسمياتها وأهم أقسامها الداخلية إلى أن وصلت إلى حادثة إحراق جزء من هذا الأرشيف فيما عُرِفَ بعد ذلك وظهر كخبر في الصحف الصادرة آنذاك ب زحف القوى الثورية لحرق ملفات السجل العقاري في عهد القذافي , كما تطرقت الباحثة إلى افتتاح مكتبة دار المحفوظات التاريخية واستعراض أسماء من تعاقب عل إدارتها من أساتذتنا الأجلاء وبينت دور الدار في توفير المستندات القانونية والوثائق التي تعزز حق الدولة في ما يخص المنازعات الحدودية وغيرها من القضايا , ويبدو أن الدار لعبت دورا فيما يتعلق بقضية الجرف القاري التي أُثيرت منذ عقود ما بين ليبيا وتونس , وعن معاناة موظفي الدار ورؤساءها ومكاتباتهم للجهات المختصة بشأن توفي الإمكانيات التي من شانها أن تساعد في حفظ الوثائق بشكل علمي تحدثت الباحثة بشيء من التفصيل سيما وأن كل الجهود لتوفير الإمكانيات ذهبت سُدىً ولم تلقى آذاناً صاغية , ولتأكيد وتعزيز الحقائق التاريخية والمعلومات حرصت الباحثة في سياق محاضرتها على عرض بعض صور الوثائق والخرائط والصور الفوتوغرافية عبر جهاز العرض المرئي المكبر , مثلما عرضت بعض الخطط والدراسات المتعلقة بالدار ومهامها التي لم يتحقق منها شيء في ذلك الوقت , ولم تنسى أن تستعرض بعض المؤلفات المتصلة بموضوع المحاضرة مثل كتاب ” حكاية قلعة طرابلس السرايا الحمراء ” لمحمود الصديق أبو حامد , ولم تقتصر مهمة الدار على الحفظ والتنظيم بحسب الباحثة بل أن الدار أصدرت عدة مطبوعات مثل الدورية السنوية التي صدرت سنة 1964 باللغات العربية الفرنسية والإيطالية مع أنها لم تكن منتظمة .

وتحت عنوان ” التشريعات القانونية الوطنية والأتفاقيات الدولية ” عرّجت الباحثة على الجانب القانوني في المسألة بإشارتها إلى قرارات منظمة اليونيسكو في هذا الصدد والتشريعات الوطنية مثل قانون حماية الأثار والمتاحف والمباني التاريخية رقم 3 لسنة 1994 .
” أهم أعلام دار المحفوظات التاريخية ” تحت هذا العنوان أيضا استحضرت الباحثة أسماء كل من محمد توفيق محمد الأسطى صاحب المؤلفات المتعددة والمُساهم في إعداد موسوعة ” طرابلس في مائة عام ” والتي تشرفت الباحثة – كما نوهت – بالتتلمذ على يديه وتلقي بعض الدروس منه لبعض الوقت , وكذلك أشارت إلى شخصية محمد بهجت على غالب القره مانلي والذي بدوره أشرف على كتاب ” طرابلس في مائة عام ” ببيروت حيث تمت طباعته , وترأس الإثنان لفترة من الزمن إدارة الدار.

أما المؤرخ عبدالسلام أدهم محمد المدهم المولود بمدينة زليطن سنة 1898 فقد سردت علينا الباحثة نُتفا من سيرته بما فيها تلك التي تخص عمله بالدار , وكان العرض سلسا وهينا وخفيفا سيما وأن المحاضِرة ألقت محاضرتها وهي واقفة بعكس طريقة الإلقاء التقليدية , وهي تلقي على مسامعنا تفاصيل المحاضرة وفقراتها المعروضة أمامنا على القماشة البيضاء , ولم تكتفي الباحثة بقراءة ونقل ما هو مكتوب ومدون بل أنها توسعت في الشرح والتعليق وحتى الإستطراد كلما تطلب السياق ذلك , وهذا جعل من الساعة ونيف التي هذ زمن المحاضرة تمر سريعا مع تدفق المعلومات والسرد التاريخي المتسلسل وتغطية الموضوع من جوانبه المتعددة بحيث أن الباحثة لم تترك للمستمعين الكثير من المساحة ليتحركوا فيها بأسئلتهم ومداخلاتهم , حين أتت على كل التفاصيل وأشبعتها بحثا وتمحيصا .
وعن سؤال أحد المتداخلين بشأن إعادة طباعة بعض الأعمال المهمة أجابت الباحثة بأنها تعكف حاليا على العديد من المشاريع البحثية التي من بينها محاولة طباعة الأعمال الكاملة للمؤرخ والباحث الراحل محمد الأسطى – الذي هو عمها وشقيق والدها – وستعمل على إصدارها حال الأنتهاء من تجهيزها .

توالت المداخلات من كل من الأستاذ يونس الفنادي والأستاذة أحلام الكميشي حول أهمية العناية بالأرشيف الوطني للرجوع إليه عند الحاجة وطرح الأستاذ رامز النويصري رأيا حول أمكانية توثيق الأرشيف إلكترونيا دون التحجج بقلة الإمكانيات لأن الأمر لا يحتاج إلى أكثر من ألات تصوير وبعض الإمكانيات التي لا يتعذر توفيرها , وأوضحت الباحثة في عجالة نظرا لتأخر الوقت وارتفاع أذان المغرب وتسرب الجمهور واحدا تلو الآخر بعد نفاد شحنة التركيز , أن للأرشيف أهمية قصوى في فض النزاعات الداخلية والخارجية وإثبات الحق في قضية ما , إلى جانب أنه يمكن استثمار الأرشيف الذي هو ثروة وطنية كمصدر لدعم الخزينة العامة بالمال عن طريق دفع مقابل مادي عند طلب الحصول على صورة مستند أو وثيقة أو حتى لمجرد الأطلاع عليها كما يحدث في دول العالم المتقدمة التي يتعذر الوصول إلى أراشيفها إلا بعد اجتياز مراحل عديدة واستيفاء إجراءات صارمة بعكس ما يحدث في ليبيا حيث الأرشيف مهدد بالضياع ما لم تُتخذ اجراءات نوهت الباحثة إلى بعضها لتلافي ما هو أسوأ , وطبعا ما قامت الباحثة بسرده وشرحه غزير وما نقلناه عبارة عن غيض من فيض , وما لم تسعفنا القدرة على تتبعه ورصده أكبر وأكثر مما أشرنا إليه في هذه المداخلة المحدودة وما نقلناه هو مجرد محاولة للإحاطة بالمحاضرة ونقل شيء من أجواءها العلمية التي دارت فيها .

وعلى أمل الألتقاء في موعد قادم لن يكون بعيدا , أنفض المجلس وتفرق الأصدقاء كلُ إلى غايته وختتم النشاط .

عن ناصر سالم المقرحي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى