حواء عند العتبة.. قراءة في نص: وقوفاً عند العتبة، للشاعرة: حواء القمودي

الشاعرة: حواء القمودي

الشاعرة حواء القمودي.

 

النص:

حواء القمودي: وقوفاً عند العتبة

يريدني أن أكتب شعراً حاراً

حين تلمسه يدٌ تحترق بلهب المعنى

يسري مع أنفاس البحر

طبول حبّ وزغاريد مطر

أن ألضم دفاتر الأيام بخيط ملون

بأجنحة فراشات الربيع

أن تزهر القصيدة مثل تبرعم نهد

أن أشهق بالرغبة،

وأخمش بأظافري.

لكنني كل يوم

أقف عند عتبة الصباح

أقول: هذه الشمس مشرقة،

أصوات الصغار مليئة بالشغف

الدكاكين رافلة بالمواد الغذائية

الفراولة تشهر الأحمر

فلماذا قلبي مليء بالغم

وهذي ريهام صديقتي الصغيرة، تحب القراءة

تشغف بقصص يوسف الشريف

تسيل ابتسامتها، ويتورد خداها

فلماذا؟

لماذا أنظر لتلاميذ الصف الرابع،

والسبورة والطباشير الحديث،

وقلبي يبكي.

***

أتعثر في الطريق  إلى المدرسة

حجارة وأسمنت،

ورجال بلحي طويلة،

وقفاطين مقصرة.

***

كم أحتاج الصراخ

كتابة قصيدة عارية

تشهر حنيني لقبلتك

الشوق النازف لرائحتك

لكن

بلادي تموت

وأنا واقفةٌ عند عتبة السادسة والخمسين.

 

القراءة:

تمثل تجربة الشاعرة “حواء القمودي” النص الأنثوي –في الأدب الليبي- بامتياز، فبالرغم من اعتراض كثير من النقاد والأدباء، حول تسمية أو مصطلح (الأدب النسوي)، إلا أن “حواء” تؤكد هذه الحقيقة، في نصوصها الشعرية التي تعتمد فيها على استنطاق مكامن الأنوثة، وغواية القارئ.

حواء القمودي، تمارس الكتابة عن وعي، لذا فعندما تعمد استنطاق الأنثى فيها، لا تسعى إلى الاستنطاق الحسي (المادي)، إنما روح الأنثى؛ لذا فهي تبحث عن صورة البراءة التي تسكن البنت، أو إعادة إنتاج سيرة الطفلة التي كانت. وقد تعمد إلى رصد لحظات التماس، والبوح. أما القارئ، فتؤثث له المشهد بما يدهشه.

في نصها المعنون (وقوفاً عند العتبة)، تفتتح الشاعرة “القمودي” نصها بخبر لمبتدأ هو طلب الحبيب؛ والذي جاء في قائمة مكونة من 4 طلبات:

  1. أن أكتب شعراً حاراً، حين تلمسه يدٌ تحترق بلهب المعنى، …..
  2. أن ألضم دفاتر الأيام بخيط ملون، …..
  3. أن تزهر القصيدة مثل تبرعم نهد
  4. أن أشهق بالرغبة، وأخمش بأظافري

الشاعرة هنا تصنع جسراً للوصال، في أربع حركات: (أكتب = أتواصل)، (ألضم = أتصل)، (تزهر = تنتشي)، (أشهق = أصدح).

هذا المشهد، الذي يستنطق مكنوناتها كأنثى، والذي يسحب القارئ، تُحدث فيه (لكنني)  الاستدراكية المفاجأة، عندما تنقلنا الشاعرة لنجد أنفسنا أمام المشهد الحقيقي، تقف إلى نافذتها، أو هكذا نتخيل المشهد، بشكل يومي، وهي تتأمل المحيط باحثة:

لكنني كل يوم، أقف عند عتبة الصباح

أقول: هذه الشمس مشرقة،

أصوات الصغار مليئة بالشغف

……..

حتى ينتهي هذا المقطع عند:

لماذا أنظر لتلاميذ الصف الرابع،

والسبورة والطباشير الحديث،

وقلبي يبكي.

 

هذا التحول المقصود، هو إجابتها لطلب الحبيب، إجابة أنثى موزعة بين ما تريد وما تجد، بين الحلم والواقع، متعبة، ومستهلكة، تصدمها الحقيقة التي تعيشها؛ حيث تتعثر في طريقها للمدرسة، بالحجارة، والإسمنت، وعيونهم:

أتعثر في الطريق  إلى المدرسة

حجارة وأسمنت،

ورجال بلحي طويلة،

وقفاطين مقصرة.

في هذا المشهد، تصنع الشاعرة المفارقة، بالتضاد، على مستويين:

مستوىً أول: في تجرأ الرجال المفترض التزامهم (دينياً)، بالنظر، بدلاً من غض البصر.

مستوىً ثان: من خلال التقابل؛ لحي = قفاطين / طويلة = مقصرة. في دلالة تحمل الكثير من التأويلات.

هذه الصورة لا تلخص معاناتها كامرأة، إنما معاناة النساء في ليبيا، في مجتمع يضع العراقيل أمام مشاركة المرأة (حجارة)، وهو يبحث عن مكان متقدم له، ويسعى للتطور (أسمنت)، وتحكمه عقلية ذكورية لا تعترف بها كعضو في المجتمع (رجال بلحي طويلة/ وقفاطين مقصرة).

أمام الحقيقة التي تعيشها الشاعرة، تحاول الشاعرة ما يمكنها، باحثة مخرج، عن حالة تجلي وتواصل، معبرة عن حاجتها للصراخ، إثباتاً لوجودها، و التعبير عن نفسها بكل حرية وشفافية، كتابة قصيدتها المشتهاة، عارية، التواقة إليه. لتعاود الشاعرة الاستدراك (لكن)، وتكتشف إن الواقع أشد قسوة، مما تستطيع أن تحدث من تغيير، في معادلة طرفيها: (الوطن) الذي يحتضر، و(الزمن) الذي يحتضر. وهي الحد الثابت، كأنثى، في المعادلة:

كم أحتاج الصراخ

كتابة قصيدة عارية

تشهر حنيني لقبلتك

الشوق النازف لرائحتك

لكن

بلادي تموت

وأنا واقفةٌ عند عتبة السادسة والخمسين.

حواء القمودي، في هذا النص مازالت كما عهدناها شاعرة تستخدم اللغة ضمن الواضح، والسلس، ولا تغامر كثيراً في تلوين المشهد، وحشده بالتفاصيل، نصوصها ذاتيه، لكنها ذاتيه غير مغلقة، ذاتية منفتحة، مما يجعل القارئ يجد ذاته أيضاً.

 

عن رامز النويصري

الاسم: رامز رمضان النويصري. تاريخ ومكان الميلاد: 25/8/1972 – القاهرة. المهنة: مهندس صيانة طائرات. .عضو رابطة الأدباء والكتاب-ليبيا .عضو اتحاد كتاب الإنترنت العرب مجالات الكتابة: الشعر/ القصة / المقالة / القراءة النقدية. ترجمت مجموعة من النصوص إلى: الإنجليزية/ الفرنسية/ الإيطالية. الإصدارات: - قليلاً أيها الصخب (شعر)/ أفق (إلكتروني)/ 2003. - مباهج السيدة واو (شعر)/ منشورات مجلة المؤتمر- طرابلس/2004. - بعض من سيرة المشاكس (شعر)/ دار البيان للنشر والتوزيع والإعلان – بنغازي/ 2004. - فيزياء المكان (شعر)/ اللجنة الشعبية العامة للثقافة والإعلام- طرابلس/ 2006. - قراءات في النص الليبي-الجزء الأول (نقد)/ مجلس الثقافة العام- بنغازي/ 2006. - قراءات في النص الليبي-الجزء الثاني (نقد)/ مجلس الثقافة العام- سرت/ 2008. - النافذة (شعر)/ بلد الطيوب (إلكتروني)/ 2010. مشاركات: - الشعراء الشباب (ديوان جامع)/ دار البيان للنشر والتوزيع والإعلان – بنغازي/ 2005. - من السطر الأول للرواية الليبية/ إعداد: صلاح عجينة/ دار أنامل/ 2004. - نهر الليثي- شعريات ليبية (أنطولوجيا)/ جمعية البيت للثقافة والفنون/ الجزائر/ 2007. - نصوص عربية من المحيط للخليج-قصص قصير (مترجم إلى الفرنسية)/ نتيا/ 2005.

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى