حركة الهيبيين

مؤسس الحركة هو شاعر أمريكي معروف يدعى آلن جينسبرك، كانت كتاباته وأشعاره تعبر عن إحباطات العالم، وقد شاركه أراءه العديد من الشباب الأمريكي الذين بدؤوا حركة التمرد والتظاهر ضد الحكومة. ولد آلن لأم يهودية منتمية الى الحركة الشيوعية، وأبٍ أرثوذكسي محافظ شاعر ومعلم لغة إنجليزية كان أستاذه الأول في الشعر. نشأ آلن مناهضاً لكل العادات والتقاليد والسياسات التي اعتقد أنها سلبت الناس العفوية والإنسانية، ورأى أن تلك العادات والقيم سبب في قمع الحريات. كما رأى أن هيمنة المادة وسلطان التقليد قتل كل جميل في الحياة وأطفأ وهجها في قلوب البشر، وناضل بكل قوة لنشر أفكاره فتعرض بسبب مواقفه إلى السجن عدة مرات، وقدم للمحاكمة. وقد شبه آلن النظام المادي الرسمالي بالإله الفينيقي مولوخ، وهو إله شرير، كان الفينيقيون القدماء يقدمون أطفالهم قربانا له لإرضائه، ويحرق الأطفال وهم أحياء على مذبحه.من أهم قصائده وأشهرها “العواء”، وهي قصيدة طويلة ارتبطت شهرته بها، هذه القصيدة سببت في مصادرة ديوانه الذي حمل اسم القصيدة بحجة أنه مخل يالآداب العامة، وقدم بسببها إلى المحاكمة، إلا أن القاضي الذي نظر في القضية حكم بتبرئته، وأنهى المرافعة القضائية بقوله: لكي نكون ديمقراطيين ومتحضرين في هذا البلد، لابد علينا أن نقبل بتنوّعنا واختلافنا وأن تبقى حريّة التعبير فوق الجميع. وقد سأل المدعي العام محامي الشاعر: هل ستصمد هذه القصيدة؟ فرد عليه محامي آلن بأن محاكمة هذه القصيدة ستجعل منها أشهر قصيدة في هذا القرن بأكمله.

وذلك ما كان، فقد أصبحت القصيدة علكة يلوكها الجيل الثائر في الغرب، من فقرات هذه القصيدة نقرا:

“شاهدت أفضل عقول أبناء جيلي يدمرها الجنون والجوع والهستيريا والعري
يجرجرون أقدامهم في شارع الزنوج عند الفجر بحثاً عن مخدر غاضب
هيبيون برؤوس ملائكية يتحرقون لذلك الارتباط السماوي العتيق
بتلك القوة المزينة بالنجوم في ماكنة الليل
الذين بفقرهم وأسمالهم وعيونهم الخاوية ونشوتهم يدخنون
في الظلام الخارق للطبيعة للشقق الفقيرة ويحلقون فوق قمم المدن
ويفكرون بالجاز
الذين تعرت عقولهم للسماء تحت قنطرة الجسر وشاهدوا الملائك المحمدية
تترنح في أنوارها فوق سطوح الشقق
الذين عبروا الجامعات بعيون مضيئة واثقة
تسكنهم هلاوس آركنساس وتراجيديا بليك المنيرة
وسط منظري الحرب
الذين طُردوا من المعاهد العلمية بتهمة الجنون
ونشر غنائيات فاحشة على نوافذ الجمجمة”

ظهرت هذه الحركة الشبابية الثورية في ستينيات القرن الماضي في بعض الجامعات الأمريكية كحركة اجتماعية مناهضة للقيم الرأسمالية، ثم انتشرت في العالم الغربي بسرعة كبيرة بين الأوساط الشبابية خلال فترة الستينيات وبداية السبعينيات، كظاهرة احتجاج وتمرد على قيادة الكبار ومظاهر المادية وثقافة الاستهلاك وبرغماتية الدول الغربية، فقام بعض الشباب المتذمر إلى التمرد على هذه القيم والدعوة لعالم تسوده الحرية والمساواة والحب والسلام، وقد اتخذ المنخرطون في هذه الحركة مظاهر مميزة لهم، تمثلت في إطالة شعورهم ونمط هندامهم وسلوكهم العام وعشقهم للبساطة والطبيعة، تماما كما وصفتهم قصيدة العواء. ووصل بهم التمرد أن انغمسوا في المخدرات والجنس والموسيقى الصاخبة، وكان أوج “مجدها” عندما برزت فرقة الخنافس التي استطاعت بموسيقاها استقطاب ملايين الشباب في الغرب.

ورفض المنتسبون لهذه الحركة العادات والتقاليد وأنماط الحياة في مجتمعاتهم، وحاولوا إيجاد نمط للحياة مغاير لما هو معروف، وقد كان معظم منتسبي الحركة من عائلات الطبقة المتوسطة من الجنس الأبيض الميسورة الحال، وكانوا يتركون بيوت أهلهم لينضموا إلى جماعات الهيبيين، وهم يعتقدون أن كثيرا من البالغين يهتمون جدا بجمع المال فقط. وقد عاشوا مع بعضهم البعض في مجموعات صغيرة متكافلة بعد أن تركوا بيوتهم، وتقاسموا كل ما يملكون فيما بينهم، وكانوا بذلك أمناء لمعتقداتهم.

ولا شك أن أهداف هذه الحركة كانت أهدافا نبيلة، عبروا عنها في شعارهم الذي رفعوه والذي يقول “اصنع الحب وليس الحرب”، وكانوا فعلا من المناهضين للحروب، وتظاهروا ضد حكومات بلدانهم ضد حرب فيتنام، التي أحيت مآسيها بعض من الضمير العالمي في حينها.

بدأت حركة الهيبيين في الانكماش والتراجع بالسرعة التي نمت فيها، وتخلى عنها الكثيرون من منتسبيها لأسباب مختلفة، فقد تراجع العديد منهم عن تفاؤله وعن اعتقاده أن ثمة تغيرات رائعة سوف تحدث بمجرد أن يتعلم الناس التعبير عن مشاعرهم بصدق. أدرك منتسبوها أن إعادة تشكيل المجتمع عن طريق الانسلاخ منه أمر مستحيل، فانضم بعضهم إلى حركات سياسية أكثر تنظيمًا، للعمل من أجل قضايا اجتماعية محددة. وتحول الآخرون إلى القيم الروحية والدين النصراني، وترك غالبيتهم مرحلة الهيبيين في حياتهم وراء ظهورهم، محاولين التمسك على الأقل، ببعض المثاليات التي أثرت فيهم في وقت ما. لكن، ليس من الصعب البحث عن العلاقة بين المظهر وبين الفكرة، فالارتباط واضح جدا، لقد أصبح مظهر الهيبيين علما على معتقداتهم الفكرية ومضامينها.

____________________

نشر بموقع بوابة الوسط.

عن أحمد معيوف

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى