توتة عمي “بومدين”

من أعمال التشكيلية خديجة جيب الله.

من أعمال التشكيلية خديجة جيب الله.

 

وصل عمي “بومدين” وأسرته المكونة من زوجته وبناته إلى اعتاب”حي الاندلس” بعد رحلة طويلة وشاقة..

اقتلع جذوره من مزرعة قبيلته في قرية صغيرة ساكنة غرب طرابلس، ودخل عمارا إسمنتيا يمتد كشريط على أقدام البحر الذي أقلقه هديره في نومه.

حط ما حمله بمدخل البيت المقابل لبيتنا.. وترك بابه مفتوحا منذ ذلك اليوم.

كان باب بيتنا مغلقا، نفتحه للمرور منه فحسب ونحرص على إغلاقه، بل قد يطال النهي من يهمله خلفه فاغرا فاهه مفرجا عن أسنانه، لذا يثير باب بيت عمي بومدين استغرابي و يضئ فضولي.

ألمح بناته في الحديقة بزيهن المحتشم وفي تلك الثواني أحاول أن أعرف المزيد، أطل بعنقي وأفتح عينيّ، فأشاهد عمي بومدين يفترش الأرض تحت الشجرة الكبيرة التي تظلل مدخل بيته وجزءا من رصيف الشارع.

وراء مدخل البيت كما وراء كل البيوت الكثير مما تحجبه السواتر، لكن بيت عمي “بومدين” مشرع كأنه يستميل المارة ويستدعيني، وهذا في حد ذاته يغلفني بريبة الفضول ورهبته وتحفزه.

تكبرني ابنتيه وتصغرني الثالثة.. وكلما طارت “تكتكة” قفل باب بيتنا إلى أذنهن، يطللن برؤوسهن المغطاة ويحرصن على إبقاء أجسادهن بالداخل وتنفرج شفاههن عن ابتسامات واسعة وعيون يعبئها فضول لامع.

الأبواب المغلقة والمفتوحة، هي لعبة  تدور حول نفسها

بين المدن والأرياف…تتقن المدن صناعة أبوابها وتتفنن فيها وتحرص على متانتها وصلابتها وتصاميمها .. تحفظ حرارة بيوتها من الانفلات، وتحرس ما بداخلها، وتقاوم  تلصص الأغراب وتكسر أبصار الفضول وتسد أقدام الغرباء، وتصر على دفن يومياتها خلفها، وتمتهن أصول الكتمان. في حين  لا تعبأ الارياف بالأبواب، تتستر بيوتها بالأقمشة والأصوات الخفيضة والنوافذ الضيقة..تحتضن العابرين بمجرد “نحنحة ” أو الجهر بالسلام، وتطلق الستائر التي يشاغبها الريح ترسل الحكايا، تلوكها الألسن برفق لبعض الوقت ثم تهدهدها للنوم.

 

ذات يوم، أُوصد باب عمي بومدين واختفى سكانه.

وعلى مدار تلك الأيام أحاطت بي الحيرة وهاجمني الفضول حتى أعياني، افتقدت حركة الجيران الجدد خلف الباب المشرع على مدار النهار تحت ظلال الشجرة الوارفة. كان الوقت صيفا.. أتحين الظهيرة وأتعمد فتح الباب بقوة.. حتى تصيح أقفاله بتكتكاتها.. أصفقه، ثم أعيد فتحه .. وفي كل مرة انتظر.. لعل الباب يُفتح، وتظهر لي أحداهن.. أو ألمح عود عمي “بومدين” الممدود .. لكن لا أحد.

أثار قفل الباب حيرتي، ترك فضولي دون ارتواء فأحاطت بي المشاعر.. لم تظهر لي سوى تلك الشجرة من وراء الباب، بدت لي مثقلة… تذرف ثمارها خارج سور البيت..

وبعد مضي يومين قررت أن أدنو من البيت محاولة التصنت، وحين وصلت بابه.. رأيته صدئا مهملا .. تظللت بالشجرة التي رفعت يدي نحوها وما أن لمستها حتى تساقط ثمرها الاسود، رشفت رحيقه العذب.. جمعت الكثير منه وأكلت حتى شبعت.. اكتشفت يومها أن الشجرة مليئة بالثمار المختبئة بين أعرافها كعادة أهل المدن وعلى عكس طبيعة أصحابها، وأنني كنت أراها أوراقا دون ثمار، تلذذت بعذوبتها و ندمت على حرمان نفسي منها. عدت مسرعة إلى البيت أغلقت الباب خلفي.. وحرصت على نفض الغبار عني وغسل يديّ.

تكررت زياراتي كل ظهيرة.. افتح باب بيتنا بحرص وأكتم صوت تكتكته وأنا اضغط بأصابعي على موضعه.. انسل منه واواربه..اقتطف من الثمار، لم أعد اكتفي بأكلها بل بت أملأ حجر فستاني بها وأعود مسرعة.. أكتم صوت إغلاق الباب أفترش الأرض وأتلذذ بها بتؤدة..

ذات ظهيرة وفي إحدى زياراتي المختلسة، وانا أرفع مشط قدميّ منهمكة في تتبع الثمرات البعيدة بعد أن قضيت على ما كان في متناولي.. توقفت سيارة ببطء حتى أنني لم أشعر بها، وانتظر ركابها حتى أكملت مهمتي وهممت بالإنصراف، وما أن استدرت حتى رأيت سكان البيت داخل السيارة ينظرون نحوي وهم مبتسمين …

فتح عمي بومدين باب سيارته، تفاجأت حتى سقطت الثمار من فستاني وغطت الأرض.. صاح عمي بومدين

“لقطولها توت في صونية غارقة…”

“هيا خشي”

تراجعت.. حاولت التملص بينما الدائرة تضيق حولي.. وعمي بومدين يصر على دخولي، وزوجته تصدر من ثقب فراشيتها ضحكات مكتومة، وبناته يرسمن تلك الإبتسامة المضيئة بأسنان ناصعة.. يزداد صوت عمي بومدين علوا.. “هيا خشي خودي التوت…”

وجدتني أقف على أعتاب الباب المشرع.. والبنات يقطفن التوت لي حتى فاض وتدحرج من الصحن. جلس عمي بومدين تحت الشجرة وهو يتابع تفاصيل القطاف ويحثهن على تعبئة المزيد في الصحن الذي بالكاد بانت حاشيته…

“جيبو صندوق لوح”.

وسط كل هذا، شعرت بقلبي مثل ذلك الصحن الأبيض المقعر المليء.. تزاحمت الأحداث داخله وتراكمت،  التفت في كل مرة نحو الباب الموارب وأنا في خشية من أن يُكتشف خروجي وتركي له مفتوحا.

مدت لي ثلاثتهن الصحن.. فأخذته، أما عمي بومدين فحمل الصندوق ووضعه على الرصيف أمام البيت..وقال ضاحكا..

“هيا…بالهني عليكم”!

وعاد الى مكانه واستلقى تحت التوتة …

_________________________

6 أغسطس 2018

 

عن عزة المقهور

عزة كامل المقهور. من مواليد طرابلس 1964، ولدت في بيت قانوني وأدبي فوالدها المرحوم كامل حسن المقهور محام معروف ومن روائد القصة القصيرة الليبية، ووالدتها السيدة سهيرالغرياني من أوائل الخريجات الجامعيات الليبية ومن مؤسسي مجال الخدمة الإجتماعية في ليبيا. تخرجت عزة المقهور من كلية الحقوق جامعة بنغازي في عام 1985، ثم تحصلت على درجة الماجستير في القانون الدولي والمنظمات الدولية من جامعة السربون بباريس عام 1988. تدربت بمكتب دولي للمحاماة، ثم أسست مع والدها مكتب المقهور وشركاه عند إعادة مهنة المحاماة عام 1990. كاتبة قصة قصيرة، وصدرت لها مجموعتان قصصيتان الأولى بعنوان "فشلوم/ قصص فبراير"، والثانية بعنوان "30 قصة من مدينتي"، ولديها مجموعتان تحت الطبع.

3 تعليقات

  1. الأستاذ عزة في كل قصة تمتعنا وتكشف عن جانب من حياتنا البسيطة والسهلة، التي نفتقدها كثيرا الآن.
    شكراً لكل هذا الإمتاع.

  2. أشكرك واسعدني اعجابك.

إلى الأعلى