الْـعَـاقُـول يَـبْـذُر هُـوَ الآخَـر

محمد مسعود

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

من أعمال التشكيلي معتوق أبوراوي

 

دَائِـمًـا دَعْ خَـلْـفَـكَ مَـا تُـحِـبّ أنْ تَـجِـدَه خَلّف النّـاس) .دلق عبود “الزميتة” أتبعها بزيت الزيتون (الجبلي) المعتّق الذي لا ينقطع عنهم على مدار العام ، ثم راح يحتسي الشاي الأخضر مرتشفا . ثم استعجل المختار مناديا ، كي يسارع لجلب الجحشة من حواشي عين طناز ، فالذهاب لوادي السييّل يتطلب الإبكار ، والمسافة إلى هناك تحتاج ليوم وليلة دون توقف . فيما انشغلت أم الخير بتجهيز زوادة الرحيل لزوجها (إحمادي) وولدها الأوحد (المختار) ، وحاولت أن تخفي وسط أغراض الغرارة المعدة لزوادة الرحيل بعضا مما يحبه (إحمادي) دون أن ينتبه لها توفيراً لما كان سيقوله من قول ، هذا إن لم يطالبها بتنحيته من الزوادة . دائما كان يتهمها بأنها ستفسده بكثير حرصها ودلالها وتلهفها عليه ، ودائما كانت تغير دفة الحوار حينها بذكاء الحذاق ، مرة حول النخيل وأخرى حول الجحشتان حتى ، هي لن تعدم وسيلة على كل حال فقد خبرت إمبارك جيداً ، والمضحك أنه وإن كان يعي أنها تفعل ذلك إلا أنه يتغافل ويسايرها وينسى ذلك ، إنه حب المعاشرة المطلق ، فإمبارك لم يعرف امرأة غيرها وقد تركته أمه رضيعاً وارتحلت لبارئها ، وحين عقد أبوه له عليها ، كانت أم الخير صبيحة اليوم التالي عند بستان الفقار ترعى النوق في براح “البلبال” المالحة ، وتعود بها لتسقيها ، “فالبلبال” مالحا على النوق ، ثم تحصد البرسيم للماعز وتحلبها ، وتعرج على قن الدجاج تجمع البيض وتعود أدراجها للديار لتشرع في تجهيز الغداء .

لا تنسي أن تضعي بالزوادة شرائح الطماطم اليابسة ،فلا شك أن “التلمود” الراعي نفذت منه الآن. – نعم وضعتها له وبعض من الشعير المرحي وقنينة زيت جبلي وبعض من القديد المجفف وحتى بعض من النعناع المجفف ، قالت ذلك وتبسمت . فعشبة النعناع يعتبرها أهل الواحة نوع من البذخ وتقليداً لأهل المدينة . – وهل سيستخدم التلمودي التارقي النعناع وعنده عشبة الأرض كلها ليحلي بها الشاي وهو بوادي السييّل الخصيب ، الذي يكثر فيه الزعتر والشيح ؟. بتلك الأثناء جلب المختار جحشتين وترجل ليحملهما بزوادة الرحيل ، فوشوشته أمه إنها وضعت له صرة بوسط زوادة الرحيل فيها ما كانت تعده له خفية . ترجل أمبارك بعد أن سلم على أم الخير التي سارعت لتقبيل رأسه واحتضان ولدها المختار الذي كان مزهواً برؤية وادي السييّل الأغر لأول مرة ، حيث كانت سابقاً مضارب الجدود الأولى . كان المختار يحادي جحشة والده الدغماء المحملة وكان يتعمد أن لا يوازيها احتراماً ، كان دائما يترك السبق لوالده ، الذي يحادثه دون أن يلتفت له متحايلا أن يجعله محادياً له ، لكنه يأبى أن يفعل ذلك وبقي يترك السبق لوالده مطلقا محباً غير كاره.

لما التفت المختار وجد مضارب الواحة بالكاد تبين ، وكانت الشمس تتعامد ، بتلك الأثناء من العام تكون الشمس لذيذة رفيقة ، مما حذا بالمختار أن يحاذيها وهو على مرمى حجرٍ من واحة (قرباجة) غير الآهلة بالسكان ، دنا بجدعه ناحية اليمين حيث كانت جحشة المختار تسير ، وقال للمختار : هناك عند أبراج نخيل قرباجة سنتوقف، نصلي الظهر ثم نتناول ما تيسر ونواصل مسيرنا ، لا شكل أن التلمودي سينتظرنا وقد جهز العشاء على حواشي السييّل ، قبل أن يرافقنا حيث يرعى نوقه . – هل يعلم التلمودي أننا بالطريق إليه ، قال المختار ذلك وتلبس محياه بكل ملامح الغرابة لذلك اليقين الذي يجد عليه والده ! . – الناس يا ولدي لا تخلف أخلاقها ، لتخلف مواعيدها ، لأربعين عاماً وأنا أتواصل مع التلمودي بذات الآجال وما تخلّفت عنه يوماً ، فما الذي يجعله هو يخلف انتظاره لي؟ ما يجمعني بالتارقي التلمودي أكبر من كل الأعذار، لا أنسى أنه قديما قاتل عني وأنا المريض بالحمى حتى صار جسمه ينزف من كل أطرافة ، لا استكان ولا استسلم حتى فرّ اللصوص ومات أحدهم ، حين داهمونا على حين غفلة أربعتهم بأحراش وادي السييّل ، ومع أنه اهتم بطبابتي وبقي يصنع لي كمادات الماء ، ولما خفت الحمى وهدأت مني ، كفّن اللص الميت وحفر له قبراً وستره بعد أن تطهر وصلى عليه ، قال لي سترة الميت تبقى واجبة ، فعل كل ذلك والدماء تسيل من أطرافه ، التلمودي عرق نظيف وخلق عظيم تمن به السماء علينا ، ولا يليق برجل مثلي إلا أن يكون بمستوى خلق الرجل ، أني أحضرك معي للسييّل وقد صرت رجلاً يافعاً فقط لتعرف خصائل الرجل وتواضع العارفين ، وذلك قطعا لا توفره لك مدارس المدينة بطلاسمها المضحكة ، ولا رفاقك المتهكمين على نخيلنا المبارك ، وليست أتي بك هنا للخلاء بحثا عن الكلأ ، فأنت تعرف أن غابتيّ “الفقار” و “تاكرات” وحدهما تجودان علينا بالكثير من العلف ولا نحتاج لغيرهما مطلقاً ، بل إن المراعي المجاورة لتلك المضارب كانت بالقطع تغني ماشيتنا كمراعي وأزود . عندما وصلا أحد أبراج “التافسرت” الكثيفة ، ترجل إمبارك من على جحشته وتبعه ولده المختار . تناول الزوادة الصغيرة وفك وثاق قربة الماء وشرع يتوضأ فيما تبعه المختار هو الآخر ، ثم انتهج يطهر الأرض من روث الإبل يعرجون نخيل وطلب من المختار إقامة الصلاة . حينما فرغا من الصلاة تناول إمبارك الزوادة الصغيرة واغترف من صرة الزميته ما يكفيه وولده ثم راح يخلطها بزيت الزيتون الجبلي وراح يعجنها بيده حتى استقام قوامها الذي يخبره ، ثم جعلها بالمنتصف بينهما ثم راحا يتقوتان وجبة الغداء المتواضعة . – لماذا ليست لنا أبراج نخلٍ “بقرباجة” قال المختار ؟ . – ذلك لأن القوم كانت تتبسط وتترك لسواها المطارح ، فكلٌ أخذ وجهة وغرس فيها ، فالجيرة كانت تفرض عرفها حتى هنا بحطايا النخيل ، فكما ترى جيران الدور غالبا هم جيران حطايا النخيل . وكما ترى الكل يترك فراغات شاسعة لتمدد الآخر فعرف الواحة يجعل شجرة النخيل تملك ، لهذا هم يراعون حرمة التمدد والإكثار ، لكنهم لا يتباعدون كثيراً مؤازرة ووحدة ، فعرفهم لا يزال يؤكد أن الذئب لا ينقض إلا على الطرائد بالأطرف حيث تنفرد لوحدها .

هيا يجب أن نهم سريعا سنجد عشاء التلمودي بانتظارنا ، فلا يزال خلفنا الكثير . – اربط الزوادة وقرب الماء وفك رسن البهيمتين وتوكل ، فلا يزال المسافر بخير وعلى خير طالما تعجل ، فإن وصل مقصده ذهب كل عناء ، هكذا وجدت أبي يقول وهكذا وجدت . – العجلة مقتلة في كل أمر إلا في السفر ، فإنها زاد وصلاح . عندما غادرا مضارب “قرباجة” ، بدت جبال الرمال تطل من ناحية اليسار ، تحاديها جبال صخرية ليست بالطويلة ، وكانا يصنعان توازيا متناغماً فإن ارتفع جبل الرمل ارتفع معه الجبل الحجري على يمينه وإن انخفض انخفض معه هو الآخر ، وسرعان ما ينبسطان سويا عند نهاية الوادي ، ثم يتلاشيان تماماً في بسطة شديدة التساوي تخلو من كل مظاهر الحياة النباتية . – عندما نتجاوز هذه البطحاء سندخل مشارف وادي “السييّل الدوني” الذي سيطلنا بالسييّل العظيم الذي لا يزال يجري به الوادي إلى يومنا هذا ، إنه مضارب الأولين حيث ميلاد الجدود . – عندما تشاهد نبات العاقول بعد قليل اعرف أننا شرعنا بالولوج للوادي الدوني . تبسطت أسارير المختار ولاحت عليه مظاهر الابتهاج وهو يرى للمرة الأولى حكايا جدته ماثلة أمامه لكنه كان يتذمر كون الظلام سيحل قبل ذلك فيفسد علية متعة الدهشة الأولى ، لكن إمبارك والده كان يعي أن المختار كان يشعر بذلك ، وما نسي ذات المشاعر التي اختلجته وهو يكتشف ذات المضارب لأول مرة هو الآخر ، فباغت المختار قائلاً : لا تبتئس مطلقا فالليل هنا شديد الإبهار فلن تخفى عليك خافية ، حتى إنك قد تحسب الليل نهاراً ، هنا لن يفسد ضوء القمر أمراً وأنت بهذا البراح

المهيب ، حتى وإن عكّر الجو فما إن ترتقي عرق الرمل ذلك الجبل الرملي الجليل حتى تبين لك الأشياء واضحة . بالصحراء سترى حتى وإن أغمضت عينيك وستكفيك بصيرتك وصفاء سريرتك ، فقط اهتم بمطعمك الحلال ، لا يحدث عمى القلوب وذهاب البصيرة غير المطعم الحرام !. بتلك الأثناء كان كل ما يشغل بال المختار نبات العاقول الذي كان بالنسبة له بشارة الخير ، ما كان مهتما كثيراً لما كان يقول والده وكان منهمكا يشحذ النظر فالمغيب قارب قدومه . – إنه العاقول ، انظر يا سيدي إنه العاقول . تبسم إمبارك على استحياء وقد تداعت له ذات الصورة حين قال لوالده ذات العبارة يوماً وبذات الشغف والانبهار والحبور ، لكنه انشغل لشيء آخر ما ألفه بهذا الوادي وبهذا المطرح ، لكنه آثر أن يقترب أكثر ليتبين الأمر ، وإن كانت الرائحة تبين رغم التخفي . – ألا ترى معي تلك الزهرة البيضاء ، انظر جيداً .

نعم أراها يا سيدي – أليست كزهرة الديس القطنية شديدة الوهن ؟ – نعم اعتقدها هي – لكنها بأوراق خضراء زاهية وسوق طويلة فردية ؟ إذاً فهي (باليرقا) وليست ديساً ؟ – نعم فكلها علف بائس يهمله الناس تبسم إمبارك من ضآلة معارف المختار بأمور الصحراء وقال : إنه الترفاس لاشك ، كلما وجدت نبتة اليرقا فاعلم أن الترفاس بالأنحاء ، ما يشغلني أنها المرة الأولى التي يصل فيها الترفاس لهذه المضارب لم أره هنا مطلقاً مذ عرفت هذه الديار . ترجل إمبارك مستكشفاً وتبعه ولده المختار مذهولاً بتلك النظرية المحيرة ، كيف أن اليرقا تدل على الترفاس ؟.

___________________

نشر بصحيفة فسانيا.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى