الهوية الليبية بين السذاجة والوهم

في إطار الأنفتاح على كافة صنوف الإبداع الثقافي وبعد أن طرحت الجمعة الليبية للآداب والفنون ضمن أنشطتها المتتالية عديد الموضوعات المتعلقة بالمسرح والفكر والفن التشكيلي والتاريخ والشعر والنقد الأدبي واحتفت بمبدعين كبار أثروا حياتنا الثقافية , ها هي اليوم تنظم محاضرة بعنوان ” الهوية بين السذاجة والوهم ” للدكتور المُحاضر محمود ابو صوة, في سياق خطتها الموضوعة للنصف الأول من الموسم الثقافي لسنة 2019 .

الهوية , هذه المفردة وهذا المكون المعنوي الذي تناوله الفلاسفة والمفكرين منذ فجر التاريخ , ولا زال حتى اللحظة محط اهتمام ونقاش وأخذ ورد , هو ذات الموضوع الذي اختار الدكتور ابو صوة أن يناقشه كفكرة لها انعكاسات جوهرية وجذرية على الواقع التاريخي والسياسي والمستقبلي فيما يخص ليبيا تحديدا في محاضرة احتضنها فضاء دار حسن الفقيه حسن بحضور جمهور غفير من المثقفين والمهتمين من اصدقاء الجمعية فاضَ عن مساحة القاعة المخصصة لإلقاء المحاضرة .

الأستاذان؛ رضا بن موسى ومحمود أبوصوة (تصوير: سالم أبوذيب).
الأستاذان؛ رضا بن موسى ومحمود أبوصوة (تصوير: سالم أبوذيب).

أفتتاح المنشط وإعلان البدء في مراسمه وفقراته كان بالكلمة التقديمية والترحيبية المقتضبة التي تلاها علينا الأستاذ رضا بن موسى الذي عرّف بالباحث من خلالها تعريفا مختصرا عدّدَ فيه بعض دراساته القيمة في المجالات السياسية والتاريخية والفكرية واستعرض بعضا من كتبه التي ألفها في هاته المجالات , كما استعان بفقرات من مقال للكاتب أبوالقاسم الككلي للتعريف أكثر بالباحث.

وبتوسع وباستفاضة وبعمق يستند إلى منهج علمي صارم ودقيق , أو هكذا تراءى لنا , تناول المُحاضر هذه المسألة الشائكة , لناحية ارتباطها بالمكون الجغرافي الذي لا تتأسس أية هوية بدونه , ومن هذه الفكرة انطلق في تحليلاته المعمقة وطرح أسئلته التي تُسهم في مقاربة هذا المفهوم الذي يحتاج إلى بحث ودراسة من قبل المختصين ومراكز الدراسات الأستراتيجية باعتبار أن مسألة الهوية تتخطى كونها مجرد توصيف أو إطار للكيانات إلى مسألة وجود واستقرار , وبعد أن تطرق إلى مسألة الهوية في إطارها وبُعدها العام وعلاقتها بظاهرة العولمة والحداثة المرتبطة بالدول الغربية خلص إلى أن العولمة لا ترمي إلى إلغاء الدولة الوطنية وضرب مثلا بمشروع السور المزمع إنشاءه ما بين الولايات المتحدة الأمريكية والمكسيك , ليتجه إثر هذا المُحاضر إلى تضييق وتركيز نطاق بحثه ودراسته ليقتصر على الحالة الليبية في عالم متغير وفي سبيل تحقيق ذلك تناول الدكتور أبو صوة بعمق ازمة الهوية وانطلق من أسئلة مصيرية يتطلب الإجابة عنها المزيد من البحث والدراسة وخلص إلى طرح عدة مخاوف ومحاذير فيما يخص الكيان الليبي الذي يواجه اليوم وأكثر من أي وقت مضى تحديات خطيرة تتهدده في وحدته وجغرافيته خاصة في بعض المناطق الحدودية التي تضم تركيبات ديموغرافية تكتسب هويتها من أثنيتها وليس من الدول التي تتوزع فيها وضرب مثلا بقبيلة اولاد علي في الحدود الشرقية والتبو والطوارق في الحدود الجنوبية حيث الأنتماء الوجداني للكيان الأجتماعي أكثر منه لكيان الدولة .

ولا زال الدكتور ابو صوة يجوس بنا مسارب المسألة المطروحة على بساط البحث ويتعمق أكثر وأكثر في استجلاء تفاصيلها وحيثياتها حتى أوفاها حقها من التمحيص والدراسة مستعينا في ذلك بالإشارة إلى بعض المصنفات والمؤلفات التي تؤيد طرحه الفكري وتعزز ما ذهب إليه من تحليلات وأحكام واستنتاجات بشأن الهوية التي لم تكن وليدة الحاضر وإنما تشكلت عبر القرون والمراحل التاريخية المختلفة التي مرت بها ليبيا , وكل ما طرحه الباحث يصب في صالح تأسيس الدولة الحديثة التي نطمح إليها والتي يجب ان تُبنى على أُسس علمية سليمة وعلى قاعدة معرفية قوية ومتينة .

وتعود أهمية مثل هذه الدراسات المعمقة إلى انها تشخص الخلل ان وُجِد وتضع الأصبع على الداء في وقت مبكر وإلى أنها تنير الطريق للساسة والمؤرخين وصُناع القرار وتمدهم بأسباب المعرفة التي تعينهم على أداء مهامهم المنوطة بهم على أكمل وجه , كما انها تساعد عند التعاطي مع قضايا الأثنيات المختلفة في الدولة الواحدة للوصول إلى صيغة من التجانس والتناغم المنشودين , وأعتقد ان الأطلاع على هذه الدراسة وغيرها يجب أن يكون واجبا وطنيا على الساسة أن ينجزوه كجزء من الامانة التي يحملونها , وكون المحاضرة تخصصية ودقيقة قد يتعذر على المتلقي العادي ذو المعرفة المحدودة استيعاب ما طُرِحَ فيها من أفكار ورؤى , لا يعني انها لا تخصه بل أنها قد تخصه وتتعلق به كشخص وككيان أكثر من أي مسئول من الذين المحنا إليهم قبل قليل , فلكي يفكر بطريقة سليمة في ذاته وفي مستقبله ينبغي أن يحدد هويته ويؤمن بها وينحاز لها في إطار الكيان الكلي للدولة , وكون المرء غير متخصص كما أسلفنا لا يعني أنه لم يستفيد مما طرح في المحاضرة التي أرجو أن تُعمم ليستفيد منها أكبر عدد من المثقفين ويطلع عليها المهتمين نظرا لأهمية ما انتهت إليه من استنتاجات وما نبهت إليه من متغيرات قد تمس الليبيين في حياتهم اليومية وواقعهم المُعاش وكون المرء غير متخصص لا يعفيه من واجب توعية ذاته وتوسيع مداركه .

وفي الوقت الذي نحيي فيه الدكتور ابو صوة على محاضرته القيمة نشيد كذلك بالحضور النخبوي الذي كان في مستوى الطرح , وبعكس ما هو متوقعا لناحية عدم حضور جمهور كبير نظرا لبرودة الطقس , بعكس ذلك حضر الكثيرين بعد أن استشعروا أهمية المحاضرة إلى حد أن قاعة عبد المنعم بن ناجي التي اكتظت حتى آخرها ضاقت عن استيعاب كل هذا العدد الكبير من المثقفين والمهتمين ولم يضاهي دسامة المحاضرة إلا الجمهور المنفتح على كل ما هو جديد مفيد .

ولمن فاته حضور المنشط يمكنه متابعة تسجيل المحاضرة كاملة بالصوت والصورة على صفحة الجمعية الليبية للآداب والفنون وعلى صفحة حسن الفقيه وتمنياتنا بالتوفيق للجميع .
وبالإعلان عن المنشط القادم مبتدأ شهر فبراير وهو محاضرة للباحثة أمنة هدريز تتناول شعر الشاعر محمد الشلطامي أُختتم النشاط . 

عن ناصر سالم المقرحي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى