النقد الليبي .. النظرية والموضة النقدية

بوابة الوسط

يبدو المشهد النقدي الليبي الحديث حاضرًا وغائبًا، ربما لوقوعه في منطقة مربكة بين القارئ والكاتب، وهو ما يدفع بالسؤال اتجاه استجلاء كنه هذه الوضعية وكيف يمكن فهم طبيعة وجوده كممارسة.

كما يضعنا في مواجهة أسئلته الخاصة، وأوجه القصور الذي يلحق طبيعة العمل النقدي على المستويين المحلي والعربي، هذه التساؤلات كانت موضع نقاش حوار خاص بـ«الوسط» مع الناقدين عبدالحكيم المالكي والدكتور حسن الأشلم بمصراتة.

حوار حول التجربة النقدية في ليبيا.
حوار حول التجربة النقدية في ليبيا.

■هل لدينا نقاد؟
عبدالحكيم المالكي:
أعتقد أن لدينا نقادًا، بحكم التراكم المعرفي الموجود على المستوى الأكاديمي في الجامعات الليبية وخارجها، إضافة إلى عمل المختبرات النقدية بمصراتة، طبرق والبيضاء وبنغازي.. إلخ، وتبقى القضية المفصلية هنا الطباعة والنشر، هناك الكثير من بحوث الدراسات الجامعية تتناول الأدب الليبي باتجاهاته المختلفة في القصة والشعر والرواية، جميعها ما زالت حبيسة الأدراج للسبب الذي ذكرته، ونحاول في المختبر النقدي بمصراتة بمشاركة زملائنا من الكتاب والنقاد تذويب أو كسر هذا الحاجز عبر النشر الإلكتروني.

■ما الذي جعل النقد الأكاديمي معزولًا إلا في نطاق ضيق؟
د. حسن الأشلم: 
لأسباب منها عدم السماح بطرح مصطلح الأدب الليبي وفرض على الأكاديميين دراسة الأدب العربي بصفة عامة، وبهذا خسر النقد الأكاديمي حلقة مهمة في سلسلة مراحل تطوره، مع منتصف التسعينات بدأ النقد الجامعي في الإعلان عن وجوده، ومع بروز المختبرات النقدية واقترابها من القارئ عبر الفضاء الإلكتروني وغيره، أدرك الناقد الأكاديمي ضرورة التحرر من العزلة وأهمية تواصله مع الجمهور كخطوة مقابلة.

■من خلال دراستك للسرد الليبي، هل أصبح للرواية الليبية حضورها وكيانها الخاص؟
عبدالحكيم المالكي:
الرواية كانت حاضرة منذ التأسيس، ربما كان لها تناص في ستينات القرن الماضي مع التاريخ، وتناص مع الرواية المصرية كما في كتابات المرحوم القمودي، إلا أن الأجيال اللاحقة اتجهت للقضايا الليبية خصوصًا مع مرحلة الثمانينات والتسعينات، متمثلاً في النتاج الروائي لخليفة حسين مصطفى، أحمد إبراهيم الفقيه، وإبراهيم الكوني، فـ«حقول الرماد» لأحمد إبراهيم الفقيه هو عمل ليبي بامتياز، كذلك الروائي خليفة حسين مصطفى الذي عكس تكوين بيئته الطرابلسية في أعماله، وتبلورت في ثنائيته الشهيرة «ليالي نجمة»، الكوني أيضًا كتب عن جزء من البيئة الليبية وهو الصحراء وعالم الطوارق بنهكة محلية، ولو أمكنني التحديد أقول إن الرواية الليبية حققت شرط خصوصيتها منذ السبعينات في عمل «من مكة إلى هنا» للصادق النيهوم .

■هل الدراسات النقدية في ليبيا موازية لحيوية النص السردي وموضوعاته؟
د. حسن الأشلم:
على مستوى الممارسة المنهجية ما زالت متأخرة عن مواكبة درجة النضج الذي وصل إليه السرد الليبي، بسبب غياب المرجعية الثقافية في التعامل مع المناهج، وإشكالية اللغة الثانية عند بعض النقاد الليبيين، إذ ما زالنا في مرحلة المحاكاة للتجارب المجاورة، قطعنا مرحلة مع المدرسة المشرقية ومع بداية التسعينات دخلت المدرسة المغربية، وبذا فالنقد الليبي لم يحقق القفزة المطلوبة في تحويل المحاكاة إلى لغة معرفية والنفاذ إلى عمق المرجعيات النقدية المعاصرة.

■هل القصور مكمنه غياب الخلفية الفلسفية أو الصراع الفكري الذي يصل بأسئلة النقد الأدبي إلى نضجها الحقيقي؟
عبدالحكيم المالكي:
الجدل الفكري ربما يكون لدى المنظرين ونحن في أحسن الأحوال إذا أمكننا تطبيق النظريات أو تمثلها فهي خطوة جيدة، أنا أتكلم هنا على المستوى العربي، فأغلب المنتج العربي في المشرق والمغرب يرتهن إلى النظرية النقدية الغربية، مشكلة المشهد النقدي الليبي تكمن في عدم وجود تقاليد، بمعنى معلمين تستطيع الأجيال من خلالهم تمثل النظرية، مما يجعل لكل مدرسة نقدية رموزها وشخصياتها.

■ البعض يرى ضرورة إيجاد نظرية نقدية عربية بديلة؟
عبدالحكيم المالكي: 
لا فرق عندي بين نظرية قادمة من وراء البحر، أو من تحت البحر، القضية متعلقة بالأدوات المناسبة للنص الأدبي، إضافة إلى وجود خطأ آخر مرتبط باستيراد هذه النظريات، فالبون شاسع بين محاولة تحليل نص أدبي من خلال نظرية تنتمي لمرحلة تاريخية معينة وبين إمكانية إثبات نجاح نظرية نقدية معينة عن طريق نص أدبي، وهذه أشكال تعاني منها التجربة النقدية العربية، التي تمحور اشتغالها على استعراض للنظريات من خلال نصوص، بحسب الموضة النقدية، الأمر تحول إلى موضة.

■ قد يدخل الناقد في إشكالية التحليل المبهم أو الغامض ما تعليقك؟ 
د. حسن الأشلم:
هذا يذكرني بما قاله الناقد صلاح فضل معلقًا في مقابلة معه، عندما يعود لقراءة مقاله الأول في مجلة فصول بعنوان «محتوى الشكل» متأملًا تلك اللغة ويستغرب كيف كان يكتب بتلك الحدة، الأمر مرهون بالتجربة والخبرة حال تملك الأدوات، كتب أنيس منصور ذات مرة مقالًا، وقيل له إن العقاد قد امتدحه, فأجاب «إذا كان العقاد مدح المقال فلا أعتقد أن أحدًا في مصر فهم شيئًا منه»، ويقول أنيس منصور «توقفت عن الكتابة أربعة أشهر وأعدت كتابة المقال ستة وعشرين مرة حتى يفهمه كل شخص في مصر». 

■ما التابو الذي يخشاه الناقد؟
عبدالحكيم المالكي:
الناقد معني أولًا وأخيرًا بتحليل النص ولا يريد أن يقدم معرفة جاهزة تتسبب في مشكلة للكاتب، اشتغلت على العديد من النصوص وأدرك ما تحيل إليه في سياقاتها، لذلك اكتفيت بالدوران حولها، وبما لا يلغي جوهر العملية التحليلية، هناك أيضًا محاذير لها علاقة بالجانب الأخلاقي، ولك أن تتخيل إذا كان كاتب النص أنثى وفي بيئتنا الشرقية والعربية تحديدًا ما هي العواقب التي ستترتب حال ذكر هذه الجوانب، يجب ألا نضع كل الأشياء في دائرة التابو، نحن في النهاية بشر ولدينا مواقفنا في الحياة، ورؤيتنا الفلسفية والدينية والتحررية.. إلخ، شرط إلا تحاكم رؤيتي الخاصة النصوص.

د. حسن الاشلم :
المفارقة أنه بعد العام 2011 ساد الاعتقاد بان جميع التابوهات سقطت وجاءت بعض الكتابات كرد فعل او تصفية حساب مع الماضي، وهو ما وضعها في قالب التسطيح والذي قد يصل حد الفجاجة وتراجعت في المقابل المسألة القيمية في الطرح وعمق التناول، ومرد ذلك للأسف غياب التكوين الثقافي والمعرفي الساند لوجهة نظرها.

عن عبدالسلام الفقهي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى