الناقد عبدالحكيم المالكي لبلد الطيوب: رواية الصادق النيهوم (من مكة إلى هنا) هي الرواية الأولى في ليبيا

حاورته: منى بن هيبة الشريدي

اشتغل في حقل السرديات الأدبية وشكل بمفرداته الجميلة الوعي الإنساني للكون، ولقد تجلت فيها صور مفهمة السعي البشري وراء تشكيل الذات، حيث احتفى بالرواية وأخذنا عبر قراءاته إلى عوالم الدهشة وواحات الاستمتاع، هو الناقد الروائي عبدالحكيم المالكي من مواليد 1966 بمصراته، تحصل على ماجستير إدارة هندسية ويعمل حاليا كعضو هيئة تدريس بكلية العلوم التقنية بمصراته، عرفناه من خلال كتبه الستة (السرديات والقصة القصيرة الليبية: نحو مدخل للتقنيات والأنواع، آفاق جديدة في الرواية العربية، استنطاق النص، جماليات الرواية العربية، السرديات والسرد الليبي ضمن سلسلة الدراسات السردية: الجزء الأول)، ويشتغل على عديد المخطوطات لاستكمال أجزاء سلسلة الدراسات السردية، قريبا من فضاءات المالكي حلقت بلد الطيوب ورصدت لقرائها الحوار التالي:

كل دراسة نقدية تبقى في خلاصة التحليل مدفوعة بدواعي الاختيار، ترى ما هي دوافعك الكامنة للنقد؟
البحث عن سر جمال النص، أو محاولة تفسير ذلك الأثر الذي يحدثه النص فينا، من خلال رؤية علمية قابلة للتطبيق من عديد الأشخاص، هذا هو النقد الذي ازعم أنني أحاول أن أمارسه.

 -كيف يبدأ النقد لديك، وبأي مفهوم له تعمل؟
يبدأ النقد من النص، بمعنى أن أجد رواية أو قصة تشدني، وأتصور المدخل المناسب لتحليلها ومتابعة جمالياتها والسعي للوصول لعميق ما اندس فيها من اشتغالات جمالية وأبعاد رمزية، ثم  أحاول خلخلة هذا النص وإعادة تركيبه من خلال الرؤية النظرية التي انطلق منها ومفردات تلك الرؤية التحليلية، من خلال ذلك كله، أحاول أن استنطق ما حمله ذلك النص من تقنيات سردية أو أبعاد جمالية حكائية وما وجد فيه من أساليب كتابة مميزة  عبر رصد حسن بناء عناصر حكايته أو خطابه أو نصيته.

الناقد عبدالحكيم المالكي

يكون النقد منتجا عندما يستطيع الناقد تفكيك شفرات النص العميقة

نشهد ظهور كاتبات ليبيات مميزات ونتابع عبرهن خروج المرأة من قضايا الصراع الاجتماعي إلى نحت في الثقافة والفكر

تركت جيل القدامى لأن هناك الكثير من النقاد يكتبون حولهم

-شيء عن مشوارك في حقل النقد الروائي؟
ربما أبدأ بالحديث عن شيء من المشوار (القرائي). قبل أن أكون ناقدا كنت (ولا زلت ولله الحمد) قارئا نهما للإبداع. ذلك أني من جيل أدمن في طفولته وصباه قراءة القصص البوليسية، ثم تحولنا شيئا فشيئا إلى الرواية والأدب عموما. كانت القراءة عندنا نوعا من الاستكشاف، أذكر الآن طقوس وأجواء قراءة الجزء الثالث من احد سلاسل المغامرين الخمسة للكاتب المصري المميز ا. محمود سالم، كان أسمها زعيم العصابة، وكانت مكونة من الفهود السبعة وعصابة التزييف ثم زعيم العصابة كان يوما ممطرا باردا مثل هذه الأيام.
لعل المشكلة التي يعاني منها بعض الزملاء في المجال النقدي (على الرغم من حسن تكوينهم العلمي نقديا) هي في قلة مخزونهم القرائي، وعدم معرفتهم الجيدة بأساليب وطرق السرد المميزة، لهذا يظل احدهم يدور في فلك المصطلح والنظرية دون أن يغادرها لفهم أعمق للنص، ولا يستطيع أن يملك الحكم الأول المبدئي على جودة النص أو معرفة مدى تميزه من عدمه.
حاليا أعتقد أن الإضافة التي أحاول أن أقدمها هي عبر التوجه نحو المبدعين الجدد أو الأعمال التي لا زالت لم  يتم الإجماع من كثيرين على تميزها، حيث حاولت في السنوات الأخيرة متابعة الجيل القريب مني أو الأجيال القريبة ليبيا وعربيا، وتركت جيل القدامى لأن هناك كثير من النقاد يكتبون حولهم عادة مثل الكوني والفقيه في ليبيا والغيطاني والخراط في مصر وغيرهم من المشاهير.

-هل ثمة علاقة بين الهندسة والنقد؟
ربما في جانب التفكير العلمي والتجريد وإبعاد الذاتية لصالح الموضوعية. اقصد التعامل في المجال الهندسي يتم وفق نظريات ومقاييس وجداول و مخططات، شيئا من هذا يستفاد منه في النقد الأدبي من زاوية التعامل مع النص بموضوعية بعيدا عن الانطباعات الشخصية غير المفسرة علميا، وربما يتجلى أكثر في القدرة على بناء المخططات التي تحكم تركيب الحكاية في الرواية أو القصة.

-من منهما قدم الآخر:الرواية أم النقد الروائي برأيك؟
بدون شك الرواية. الإبداع عموما سابق للنقد الأدبي، وليس على الناقد المميز والنظرية النقدية المناسبة إلا أن تؤطر تلك الحدود، وتقدم المداخل المميزة؛ وذلك لغرض التعامل مع النص بشكل يجعل خفاياه الجماليه ظاهرة، وأيضا لغرض الوصول إلى المفاتيح المحركة لرمزيته وجعلها جلية من خلال منهج ينحو للعلمية في التعاطي وينهل من مخزون الناقد/ القارئ القرائي.

ريما لم أصغ سؤالي: من منهما قدم الآخر الرواية أم النقد بشكل جيد وددت الاستفهام من خلال هذا السؤال عن مكانة الرواية بين الأجناس الأدبية هل الرواية نفسها هي من قدمت نفسها وتقدمت أم الناقد هو من قدمها على بقية ضروب الأدب؟
الرواية حاليا هي العمل الأصعب والأكثر قدرة على حمل ما يوجد في نفس المبدع من جمال فني ومعنوي، ففي داخلها القصة القصيرة والقصيرة جدا والشعر بمفهومه الحديث. لهذا أعتقد أن الرواية هي التي قدت نفسها عن الأجناس الأخرى عبر خصائصها سابقة الذكر وعبر قدرتها على التحول والتنوع، فنحن اليوم لدينا رواية بوليسية ومغامرات وخيال علمي ورواية نفسية ورواية واقعية … لهذا صارت ملاذا للمبدعين وبالضرورة للنقاد لكي يجدوا في متنها ما يشتغلون.

 -أين يبدأ السرد الروائي الليبي؟
يبدو هذا السؤال بمعنى: ما هي الرواية الأولى ليبيا؟.
في اعتقادي أن رواية الصادق النيهوم (من مكة إلى هنا) هي الرواية الأولى ليبيا التي اكتمل فيها السرد وكانت متفوقة في رمزيتها عن الكثير من الكتابات العربية ناهيك عن الليبية في ذلك الزمن، هذا بالطبع لا يعني أن القيمة التي تقدمها هذه الرواية أو كثير من الروايات جيدة، ولكن نتحدث عن تضافر البعدين التقني والجمالي الرمزي واللغة لصياغة نص مميز.

-ما تقييمك للمشهد الروائي الليبي؟
يبدو أن المشهد الروائي الليبي الآن يشهد طفرة في مجال زيادة عدد الروايات المكتوبة، ربما بسبب المنعطف التاريخي والسياسي الذي تعيشه بلادنا، وربما بسبب وسائل التواصل الجديدة، ذلك أن كثير من الشعراء وكتاب القصة بل وبعض من يشتغلون في السياسة يكتبون الرواية الآن. هناك الكثير من الروايات الجديدة بعضها مميز ومتفوق يكتبها روائيون وروائيات من ليبيا.

  -يقال أن المرأة هي من أوجدت السرد الروائي، ما قراءتك لتاريخية نشأة النص الروائي؟
المرأة ساردة بطبيعتها ربما هذا يمكن أن نتصوره من قصة شهرزاد في ألف ليلة وليلة، أو من حكايات الجدات والأمهات في بيئتنا العربية، لكن في المجمل السرد الروائي (عالميا) كان في بداياته من خلال كتاب ذكور، ثم بدأت المرأة تأخذ دورها وتبع ذلك في الوطن العربي بالإضافة لظهور أديبات في تخصصات الأدب المختلفة. وأنا ازعم أننا في ليبيا الآن نشهد ظهور كاتبات مميزات في الرواية والقصة و نتابع خروج المرأة عبرهن من قضايا الصراع الاجتماعي ومشكلات حرية المرأة  إلى نحت في التاريخ والثقافة والفكر وتأمل في الحياة مع اشتغال تقني ورمزي مميز بحيث يصير من الصعب على الكاتب الذي يقرأ الرواية أن يعرف جنس كاتبها (ذكرا كان أو أنثى) دون قراءة الاسم،  ومن أمثال تلك الروايات المميزة ( على سبيل المثال وليس الحصر) رواية النص الناقص لعائشة الأصفر، ورواية حرب الغزالة لعائشة إبراهيم.

– متى يكون النقد إعادة إنتاج للسرد الروائي؟
 سأحاول أن أفهم هذا السؤال بمعنى: متى يكون النقد منتجا؟.
 ذلك عندما يستطيع الناقد أن يفكك شفرات النص العميقة، وأن يصل لأبعاده الجمالية الغائرة وأن يقدم لكاتب النص (في حد ذاته) معرفة أكبر بنصه، وأن يحاول أن يفسر سر ما كتبه ذلك الكاتب من نص جميل رائع أو عميق موجع.

– يرى البعض أن نقد سطر في رواية أصعب من تأليف رواية واحدة، كيف ترى هذا أنت؟
لا هذا غير صحيح. في تصوري كتابة الرواية فن غير سهل؛ ذلك أنها تحتاج إلى حاكمية الروائي على كل مفردات روايته وقدرته على توظيف دراما السرد مع نسق الشخصيات التي اختارها وطبيعة الأحداث التي يرصدها. ازعم أنه ليس صعبا على المشتغل بالأدب كتابة رواية سطحية فيها كم من المباشرة وربما تكون مناسبة من خلال موضوعها للفوز بجائزة من جوائز كثيرة تحكمها الأيديلوجيا في وطننا العربي، لكن من الصعب جدا كتابة رواية عميقة ترصد أوجاع المجتمعات أو الشخصيات وتمارس نحتا فكريا في قضايا عميقة وتقدم عبر كل ذلك رؤية غير مباشرة مع حضور شخصيات تكاد تكون حقيقية.
لعل مغامرة النقد تكمن في ضرورة تضافر مكونين لحدوث قراءة نقدية فاعلة مميزة: المكون الأول يكمن في ضرورة معرفة الناقد بالنظريات المتعددة لنقد الرواية ومصطلحاتها وخلفياته النظرية والوعي بكيفية تطبيقها، والمكون الثاني يكمن في معرفة الناقد بالنصوص السردية عبر كونه قارئا تشده شعرية الكلمة ويهزه جمال الكتابة. المعرفة النظرية تمكنه من توظيف نظريته بطريقة مناسبة والمعرفة الثانية بالأساليب تجعل استنطاقه للنص فاعلا ومنتجا.

– كيف تنظر لواقع وآفاق الكتابة في الرواية الليبية والعربية؟
من الصعب جدا الإجابة على هذا السؤال عربيا لتعذر الإحاطة بكل ما يتم إنتاجه من نصوص روائية، لكن في تصوري أن الإبداع ينشط مع وجود كتاب كبار يحفزون الأجيال خلفهم للكتابة، الآن هؤلاء في الساحة بالإضافة لظهور أنواع جديدة من الكتابة مختلفة، لعل المشكلة تكمن عندنا في التقديس الزائف للقديم، ففي مصر مثلا (في تصوري على الأقل) لم يلقى الروائي مميز محمد البساطي وكذلك الروائي والقاص يوسف ابورية وغيرهم من المميزين من الجيل الثالث تقريبا تقديرهم المناسب بسبب جيل نجيب محفوظ ثم جيل الغيطاني والخراط، وفي السودان أيضا هناك تجربة الطيب صالح التي ستقف عتبة في وجه التقدير المستحق لكاتب مميز مثل أمير تاج  السر المتدفق سردا جميلا وفي وجه المميز عبدالعزيز بركة ساكن.
أيضا من عوائق تقدم الرواية العربية ذلك التعميد أو لنقل التقدير غير المحدود لأعمال سطحية، مثل ما تصنعه حاليا تجربة جائزة بوكر التي تمتلك زخم دعائي كبير لكن بعض الأعمال التي تفرزها جوائزها ضعيفة ولا تمثل بأي شكل بلدانها أو الكتابة العربية، أيضا تعميد الآخر الغربي لأعمال عربية سطحية مثل ما حدث مع تجربة بنات الرياض العمل البسيط  الذي من الواضح أن كاتبته لا تفهم أبسط مفردات الكتابة الروائية ذلك العمل الذي قدمه ناقد عربي كبير ونالت عليه تكريم وزارات الثقافة في دول أوربية عديدة في الوقت الذي لا يشاد بكاتبات أخريات في بلادها بالشكل المناسب مثلها، ومنهن على سبيل المثال (أمل الفاران الدوسري) صاحبة عديد الروايات المميزة فنيا وتقنيا.

– متى يتجاوز العنوان في النص الروائي اللغة المعيارية إلى اللغة الجمالية والفنية؟
العنوان لدى الكتاب المميزين هو المدخل الأول لفهم ما انغلق من أسرار النص لهذا يتميز الكتاب الجدد أو الذين يكتبون بحرفية الحساسية الجديدة بتوظيف مميز للعنونة، فهو الخيط الجامع لما ظهر من شتات النص دلاليا ووظيفيا، أيضا يوظفون جيدا العناوين الفرعية/ الداخلية والعتبات السابقة للفصول بشكل يربطها والعنوان بمكمن حركة أحداث النص.

 -هل انحسرت القصة القصيرة وجفت ينابيعها بعد فيض الرواية؟
لا على العكس من ذلك القصة الآن تتنوع وتثرى أكثر. لازال البعض يكتب القصة القصيرة التقليدية التي ربما طولها يزيد عن (10) صفحات، كذلك القصة القصيرة بفهمها الحديث أعني حدود الصفحتين أو الثلاثة لا زالت حاضرة وموجودة. كما ظهرت القصة القصيرة جدا ولها روادها عربيا وليبيا. كما يبدو أن هناك نصوصا قصصية أكثر قصرا (من ثمان كلمات مثلا) تسمى الأقصوصة ولها روادها المدافعين عنها. في ليبيا هناك كتابات قصصية رصينة طيبة لأسماء مخضرمة وأخرى حديثة بدأت تظهر وتتشكل.

– هل جدلية العلاقة بين الرواية والتاريخ هي تقاطع أم ترابط بنيوي برأيك؟ – إلى أي مدى تتفق مع مقولة (الرواية ديوان العرب)؟.
سأتصور الجدلية بمعنى التعبير عن المكون الدينامي للظواهر التاريخية المتبدلة وهنا سأتصورها بمعنى دينامية التحول في العلاقة بين الرافد التاريخي والرواية : يمكن أن نعتبر الرافد التاريخي ببعده (الحدثي والمكاني والزمني والشخصيات والأشياء أو العناصر)  أداة تنهل منها الرواية كما تنهل من السير الشعبية ومن الأساطير ومن غيرها من روافد حكايتها الكثيرة باعتبار شرطها الأساس أنها متخيلة، عكس النص التاريخي الذي يفترض فيه انه حقيقي. بينما من ناحية أخرى قد يصبح هذا الرافد التاريخي مكونا أساسيا من مكونات الرواية من خلال ما تبرزه حكايتها فنسميها رواية تاريخية مثلا. في هذه الحالة يكون التاريخ مكونا بنيويا.  أي إنني أجد العلاقة بين الرواية والتاريخ نسبية وتتبدل من رواية لأخرى. من الممكن أن نعبر عنها (باسلوب النسبة المئوية) بكون هذه العلاقة تتأرجح بين (0%) وقد تصل إلى أن تكون قريبة من (100%) في حال النصوص الروائية التاريخية كاملة الإخلاص في متنها إلى متن تاريخي محدد.

– إذا وجه إليك الناقد الراحل غالي شكري سؤاله لنجيب محفوظ عن الخيال: هل هو مادة لاصقة لمكونات الرواية المتباعدة أم أنه أداة عقلية تعيد ترتيب الكلمات، فبماذا ستجيب؟
دائما ما يحدث خلط بخصوص مفردة الخيال، نتيجة لكثرة المعاني الحافة بكلمة الخيال والمتخيل وبين توظيفه في المدارس الفكرية والنقدية المختلفة، لكن سأعتبر الخيال هنا بمعنى القدرة على الإبداع والابتكار باعتبار أن هذا هو المنشود في الأدب، بالطبع الخيال بهذا المعنى (القدرة على تخيل الأشياء إبداعيا وتنظيمها وتقديمها ضمن إطار النوع) هو المادة الأساس لخلق هذا العالم المتباعد من الشظايا الحكائية والأشياء والشخصيات، وهو بالفعل أداة يمتلكها الإنسان (ليست بالضرورة عقلية باعتبار الجدل القائم حول هذه النقطة) لإعادة صياغة العالم الروائي أو الأدبي من خلال كلمات وضمن حدود النوع (شعر، قصة، رواية ….).

عن منى بن هيبة

الاسم: منى نصر بن هيبة الشريدي. مواليد: 1986. المؤهل العلمي/ بك. رياضيات. صحفية وتشكيلية، ورسامة كاريكاتير. لها مخطوطة بعنوان ( قوالب الطين).

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى