المناضل الذي رحل… عبدالحميد البرعصي

شكري السنكي

انتقل إِلى رحمة الله تعالى يوم الثلاثاء الموافق 1 يناير 2019م المُناضل «عبدالحميد محمود البرعصي» فِي ولايّة فلوريدا (Florida) الأمريكيّة ودفن جثمانه الطاهر بها.

المناضل عبدالحميد البرعصي.
المناضل عبدالحميد البرعصي.

لم يكن «عبدالحميد البرعصي» مُثقفاً عادياً، بل كان مناضلاً وصاحب قضيّة، وتاريخه الوطنيّ الناصع يؤكد طهارته النضاليّة ونقاءه الوطنيّ، وكل ذلك يضعه فِي سجلات شخصيّاتنا الوطنيّة الّتي يُشار إليها بالبنان.

كان محبّاً لبلاده ولأبناء وطنه، ووطنيّاً بامتياز، وقد وقف مبكراً ضدَّ دولة الجبروت والطغيان وظل على موقفه طوال سنوات حكم معمر القذّافي، لم يهادن يوماً أو يتزحزح عَن مواقفه ضدَّ الاستبداد أو يتنازل عَن مبادئه، ومات بشرف موقفه ومبدئه.

ولـد عبدالحميد البرعصي فِي مدينة بنغازي العَام 1946م وترعرع فِي «شارع المسطاري» وسط المدينة، وبدأ تعليمه فِي المساجد، ومسجد «الدراوي» تحديداً القريب مِن منزله. درس بمدارس المدينة، بمدرسة الأمير ثمَّ بّنْغازي الثّانويّة، وكان مِن رفاقه أو زملائه بالدراسة: محمود عوض شمّام، عبدالمطلوب الريشي، محمّد زايد السّوداني، يونس البرناوي، محمود رشيد الكيخيّا، حسين السّلاك، صالح المطردي. وكان مِن أوائل المنضمين إِلى الحركة الكشفيّة، وفِي الفرقة الرَّابعة مع صديقه وزميله فِي الدراسة محمود شمّام. وقد أطلق عليه زملاؤه حينما كان طالباً بالثانويّة لقب «البوليسي»، لأنه كان يرتدي فِي الشتاء بالطو صوف طويلاً كبالطو الصوف الألماني (German wool coat) الّذِي كان يرتديه جيش ألمانيا.

درس عبدالحميد البرعصي المرحلة الجامعيّة بكلية الآداب جامعة بّنْغازي، وأتم الليسانس فِي العَام 1970م، حيث تحصل على ليسانس فِي الفلسفة. واصل تعليمه العالي فِي الولايّات المتَّحدة الأمريكيّة، وعمل بعْد تخرجه أستاذاَ محاضراً للفلسفة والعلوم السّياسيّة فِي جامعة بمدينة بافلو (Buffalo) بولايّة نيويورك (New York). وتزوج فِي العَام 1978م مِن السيّدة الفاضلة جودي (Jody Cox) أمريكيّة الجنسيّة، وأنجب منها ابنه الوحيد محمـود.

اهتم بالسّياسة قدر اهتمامه بالفلسفة مجال تخصصه، وكان مِن نشطاء الحركة الطلابية، ثمّ مِن معارضي نظام القذافي، وأبرز الأقلام الّتي كتبت فِي صحف المُعارضة الِلّيبيّة فِي المنفـــى. تابع الأحداث العالميّة محاولاً معرفة أين تتجه موازين القوى وأثر سياسات القوى العظمى على منطقة الشّرق الأوسط، وتفاعل مع القضايا العربيّة وقضايا المنطقة على وجه العموم، وطرح مجموعة مِن الأفكار والرؤى والآراء والتحليلات الهامّة. وقد تعاطى مع السّياسة بفهم عميق ورؤيّة بعيدة المدى، واتخذ مواقف مُشرفة فِي الذود عَن الوطن والدّفاع عَن حُقُوق كلِّ الِلّيبيّين.

وفي العام 1976م، كان عبدالحميد البرعصي واحداً مِن بين الطلبة الّذِين اعتصموا فِي السفارة الِلّيبيّة في واشنطن، الاعتصام الّذِي حدث فِي يناير 1976م. وقد طالب المعتصمون بمحاكمة المُسلحين الّذِين دخلوا الحرم الجامعي فِي الأسبوع الأوَّل مِن يناير باعتبار الجامعة قلعة للعلم واجب تقديسها واحترامها وإعطائها مكانتها اللازمة، ومحاسبة الّذِين اعتدوا على الطلبة بالضرب المبرح وأطلقوا الرصاص فِي الهواء، وشددوا على ضرورة رفع الوصايّة عن الاتحاد العام لطلبة ليبَيا، معبرين عَن احتجاجهم على سياسات معمّر القذّافي القاضيّة بتطبيق التربيّة أو الخدمة العسكريّة فِي أوقات لا تتناسب مع ظروف القطاع الطلاّبي، وبطريقة لا تخدم الهدف السّامي. وأكَّد الطلبة المعتصمون – فِي الوقت نفسه – على إيمانهم بالتدريب والخدمة العسكريّة باعتبارها واجباً مقدساً على كل طالب قادر على أدائها، شرط أن تتماشى مع ظروف القطاع الطّلاّبي وتتصف بالمرونة الّتي تخدم الهدف السّامي. وأعلنوا تمسكهم بحريّة العمل النقابي وضرورة قيام اتحاد عام طلبة ليبيا وتشكيله بحريّة تامّة فِي أجواء ديمقراطيّة بعيدة كل البعد عَن إملاءات السّلطة وتدخلاتها السافرة.

كان عبدالحميد محمود البرعصي أحد المُعتصمين فِي السفارة الِلّيبيّة بواشنطن وإِلى جانبه: الرَّاحل حسن عبدالعزيز الأشهب، وفتحي محَمّد البعجة وعلي عبْدالسّلام الترهوني وفيصل عبْدالعزيز الزقلّعي وفريدة بلقاسم العلاقي ونجيب المحجوب الحصادي وزاهي بشير المغيربي وإبراهيم سعد بوقعيقيص وصلاح البكوش ورُبّما آخرون. وكان مِن أوائل الِلّيبيّين الّذِين انضموا إِلى «الجبهة الوطنيّة لإنقاذ ليبَيا»، والّتي أُعلن عَن تأسيسها فِي 7 أكتوبر 1981م، وقد استقال منها فِي أوائل التسعينات.

نشر عبدالحميد البرعصي مقالاته فِي مجلة «الإنقاذ» الناطقة باسم الجبهة الوطنية لإنقاذ ليبيا، حيث كان يرسل فِي مقالاته وبعض ترجماته لما يصدر باللغة الإنجليزية عَن ليبَيا، إِلى «الإنقاذ» عَن طريق البريد مِن مدينة بافلو (Buffalo) بولايّة نيويورك (New York) إِلى كانتون (Canton) بولايّة ميتشجان (Michigan) وقتما كان المركز الإعلامي الرئيسي لجبهة الإنقاذ المعروف باسم (القلعة) موجوداً بمنطقة كانتون فِي ميتشجان، ومِن العَام 1981م إِلى العَام 1987م.

وبعد سنة مِن انتقال مقر مجلّة «الإنقاذ» مِن ولايّة ميتشجان إِلى مدينة لكسنغتون (Lexington) بولايّة كنتاكي (Kentucky)، انضم عبدالحميد البرعصي إِلى أسرة تحرير مجلّة الإنقاذ، حيث انتقل للإقامة فِي لكسنغتون فِي العام 1988م. كتب العديد مِن التقارير والمقالات والترجمات، وكانت سلسلته: (سواء اتجه إِلى الغرب أو الشّرق) من أشهر كتاباته، وقد نشرها تحت اسم مستعار هُو: (يحيى المًهْدِي المقروني).

استقال مِن جبهة الإنقاذ فِي مطلع التسعينات، وانتقل للعيش فِي ولايّة فلوريدا، وفضَّل أن يكون مستقلاً ولا ينضم إِلى تنظيم آخر أو يشرع فِي تأسيس حزب، وظل شعلة متوهجة مِن النشاط، وصادقاً متمسكاً بمبادئه ووفياً لقناعاته حتَّى لّحظة رحيله.

أصيب بمرض السرطان منذ فترة بسيطة مضت، ولم يمهله المرض أكثر مِن ثلاثة أشهر، ورحل عنّا فجأة تاركاً كتاباتٍ ستخلد اسمه أبد الدهر، وسلّةً مِن الأفكار والرؤى السّياسيّة، لن تتوارى شموسها، وستكون لها أثرها وتأثيرها بلا شكّ.

رحم الله «عبدالحميد البرعصي» الّذِي مضى إِلى رحاب ربه، يرجو رحمته وغفرانه، وأن يجزيه جلَّ وعَلَا على مَا قدَّم لوطنـه خيــــر الجزاء.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى