المعطف الأزرق

من أعمال التشكيلي يوسف معتوق

من أعمال التشكيلي يوسف معتوق

 

استدار المفتاح في القفل .. والباب أصدر صريراً خافتاً حين انفتاحه .. امتد في الظلمة إصبع ليضغط زر المفتاح الكهربائي .. نظراتها تصطدم بمحتويات الحجرة .. تسمرت واقفة للحظات تتأمل الجدران الساكنة .. والأشياء التي ظلت على حالها وقد سرت في أوصالها لفحة من هواء مختزن .. الحجرة التي ظلت مغلقة لا يتردد عليها أحد .. وحده السكون مقيم فيها .. وإذا كان ثمة من يزورها فهو شبح من مات وترك حنيناً وذكرى .. يطل بين الفينة والأخرى من خلال الهواء بطيفه الأثيري .. دون أن يمس شيئاً بأصابعه الشبحية .

في ثنايا هذه الحجرة يكمن شيء حبيب إلى نفسها .. شيء يترسب في قاع الذاكرة .. يختبئ تحت الوسادة حين يلامس الفراش جسدها .. ويتحسس مواطن الجرح الغائر في قلبها ..

استغرقتها لحظات تأمل تتفحص محتويات الحجرة .. الشماعة الخشبية التي تحضن معطفه الأزرق .. الملفات المائلة والمستندة على حافة الكتب فوق أرفف المكتبة .. الساعة الحائطية التي توقفت دقاتها مثلما توقف نبضه .. الطاولة ذات الأوراق المتناثرة .. ثمة زجاجة من عطر فرنسي قد استقرت في قاعها بضع قطرات .. كانت عطره المفضل .. أقراص من الأسبرين .. نفايات من التبغ متبقية في المنفضة .. وإلى جانبها نظارته الطبية .. صورة تلتصق بالجدار تذكرها بليلة الزفاف .

كان التغيير الوحيد الذي طرأ على الحجرة هو تراكم ذرات الغبار فوق محتوياتها .. وتكون شبكة من خيوط واهنة في زوايا السقف .

وإذ يجرفها سيل التأمل .. يستوقف نظراتها المعطف الأزرق المعلق فوق الشماعة الخشبية .

(في عاصمة الضباب كان المساء شتوياً .. الصقيع يطل بوجهه على الشوارع المكتظة .. ينفث فيها زفيراً بارداً يلفح الوجوه .. ويتسلل إلى العظام كوخز الإبر .. كانت تسير بمحاذاته متأبطة ذراعه في طريقهما إلى العيادة .. في واجهات المحلات ملابس رجالية مختلف   أشكالها .. اقترحت أن تنتقي له معطفاً يقيه برودة الطقس .. في داخل المحل مسحت بنظراتها الملابس المعروضة لتختار له معطفاً أزرق اللون ..

قالت بعد أن احتواه المعطف :

  • تبدو أكثر أناقة وأنت ترتديه .
  • شكراً .. والفضل يعود لذوقك الرائع في انتقائه

في قاعة الانتظار بالعيادة يتكوم فوق أحد الكراسي .. وهي تجلس بجانبه .. القلق يشع من عينيه .. يشرد بذهنه بعيداً ليصحو على صوت الممرضة ذات الشعر الذهبي المسترسل فوق كتفيها .. يتأمل الطبيب نتيجة التحاليل .. يقول بلهجة متفائلة :

  • لا شيء يدعو للقلق .. النتيجة مطمئنة جداً .. هناك أمل كبير في الإنجاب..) .

انفجرت شفتاها بزفرة كبيرة .. فيما نظراتها معلقة بالمعطف الأزرق .. قالت تخاطب نفسها :

  • ما أقصر الأيام .. تحملنا على كفها .. تركض مسرعة نحو الفناء .. حيث تتحد ذرات التراب ببقايا الجسد .. ويعود الطين إلى أصله .

امتد إصبع ليضغط زر المفتاح الكهربائي .. والباب أصدر صريراً خافتاً حين انغلاقه .. استدار المفتاح في القفل .. فيما ظل المعطف الأزرق فوق الشماعة الخشبية يلفه الظلام.

عن محمد العنيزي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى