القاص والروائي الليبي سالم الهنداوي: الرواية هي ديوان العرب

أخبار الأدب

حاوره: عذاب الركابي

الكاتب: سالم الهنداوي
الكاتب والروائي سالم الهنداوي.

سالم الهنداوي يكتبُ لأنّ الكتابة لديه حلمٌ متلوٌّ بيقظة، بهِ يُجمّل الحياة، ويهزمُ الموت، ..لا يكتب بأصابعهِ بلْ بكلّ جسدهِ،.. كاتبٌ لا يتسلي، ولهذا يربضُ في إيقاع كلّ كلمةٍ،.. يتماهي مع كونها الفردوسيّ، وأنغامها الملائكية، ويجدُ نفسّهُ متجدّدا .. مُتفجّرا، والصانع الأمهر عند بريق كلّ حرفٍ فسفوري من حروفها.. وعند كلّ لحظة صخبِ ضروري تحدثها جملته القصّصية الرشيقة ..
يكتبُ لأنّ الكتابة َ لديه أداة ربيعية من أدوات تجميل الحياة وترتيبها.. وموسقة الكون، والاطمئنان علي هندسةِ ألوانهِ..، والاقتراب من أنين إنسانه.. مواطنه .. وبطله الحقيقيّ وهوَ يحلمُ.. ويعشقُ.. ويبدعُ علاقاتٍ صباحية ًجديدة .. ويسخر من التحيات التقليدية الصدئة. كاتبٌ مثابرٌ مؤمنٌ حتّي النخاع بأنّ الكتابة مصنع الحياة بلْ (هي دورة الحياة الكاملة في الوجود) .. وهي صانعة الإنسان .. وحاملة بشائر الأمل والحلم في اللامكان واللازمان.. وأنّ الشمس.. والربيع.. والمطر.. والورود تستمدُ كيمياءَ وجودها من الحروف..، وتزداد نفوذا ً.. وقوة ً في مملكة الإيحاء .. والإبداع، ويعترف بنبوتها.. ووهجها القدسي حينَ تمسّها أصابعُ المبدع .. لديه الكثير ممّا هو مثير وجديد إبداعياً .. وإنسانياً.

 يقول الروائيّ حنا مينا (لا أكتب إلاَّ ما عشته.. وما رأيته.. وعانيته) قل لي لماذا تكتب؟ وما طقوسها المقدَّسة لديك؟
الكتابة فعل وجود، وليست فعلاً في الوجود. الكتابة هي دورة الحياة الكاملة في الوجود. لقد تعرَّف الإنسان علي الوجود لأول مرَّة فحاول ملامسة الأشياء من حوله ولم يندم، تلك الأشياء التي لامسها قادته إلي المعرفة بأسرارها. فهو لم يكتشف النار صدفة، ولم يكتشف اللذة صدفة. النار كانت موجودة أصلاً في خياله فبحث عنها واكتشفها. المرأة التي بجواره لم تكن كائناً غريباً، ولم تكن في خياله غزالاً ليفترسها، وهي لم تهرب بأنوثتها منه، وعندما تعرَّف إليها لأول مرة حول النار، أدرك أهمية وجودها بقربه فخاف عليها واحتضنها يحميها من الفرائس. 
لقد اكتشف الإنسان الأول النار وعرف أنها مقدَّسة لأنها غيَّرت شكل حياته، كما أنه اكتشف اللذة وعرف أن المرأة مقدَّسة أيضاً لأنها غيَّرت شكل حياته. فالنار والمرأة قبل أي شئ آخر كانا مقدَّسين من الإنسان الأول، فمن خلالهما اكتشف الله، ومن خلالهما تأسست الفطرة لديه والمعرفة باكتشاف الوجود.
تلك المعرفة بالوجود كانت من فعل الإنسان، ولذا فالكتابة هي تدوين ما يكتشفه العقل ويدركه الخيال. في الفكر وفي النقد وفي فلسفة الجمال والأدب، هي صانعة قيمة هذا الاكتشاف بعوالم الوجود منذ بدء الخليقة.
لقد اختلفنا في تعريف الكتابة والحاجة إليها والحاجة منها وفيها، لكننا سنظل نبحث في فلسفة هذا الوجود عن مكاننا فيه وعن قدرتنا علي الاصطياد في الخيال. فنحن أبناء تلك الخليقة التي اكتشفت النار، وأبناء تلك المرأة التي ذوَّقتنا اللذة، نعرف الله ونعرف أن الكون فسيح في الخيال.
هذا هو سرُّ تدوين الذات في الحياة البشرية. بعضنا يجد نفسه فيها، وبعضنا يضيع، وبعضنا لا ينفع. وتظل الكتابة نحت في الحياة، يقرأه العابرون، يتأملونه وينصرفون، وهو باق في ذاكرة الحياة والوجود.
الكتابة هي الأنا الكاتبة، بكل لحظاتها المتأملة في الحياة، وهي مصدر من مصادر الحياة، مثل الماء والهواء. والإنسان الذي لا يتأمل لا يستطيع أن يقرأ. والقراءة توحُّد مع النصّ، فيه تقرأ الكاتب وتصل معه إلي تلك الأنا التي بعثها فيك.

سالم الهنداوي وسط صخب إبداعي مثير!! من القصة.. إلي الرواية.. إلي السيرة.. إلي المقال الصحفي. كيف وجدت نفسك في خضم هذا البحر الثائر؟ أيهما الأقرب إليك؟ ولماذا؟
أنا مع السرد في القصة والرواية والسيرة. كتبتُ القصة القصيرة فسردتُ فيها لحظة حياة، ومع الرواية تفاصيل حياة، ومع السيرة بوح الذات عن أقرب المسافات لي. لقد كانت القصة القصيرة المهد الذي تربَّت عليه تأملاتي، ومنها جاءت الرواية من خيال تلك التأملات، وكنتُ بعد ذلك مع السيرة في صدارة تلك التأملات. لقد كنتُ صادقاً في تجربتي فلم تخني لحظة الكتابة بكل أشكالها، ولقد كانت ذاتي في التجربة هي رصيدي في حياتي ككاتب أتعامل دائماً مع الأشياء كأدوات صالحة للكاتبة. الكتابة بهذا المعني ارتبطت بوجودي، وعند الموت، عند الموت فقط ينتهي سر هذا الوجود ولن يكون هناك معني للموت من بعدي لأنني انتصرت علي الموت بتلك اللحظة الفاعلة في الحياة. لتدرك أن الإنسان عليه أن يعيش ليتأمل في الحياة، وهذا وحده يكفيني لأنه من صناعتي كإنسان.
ولذلك أنا مع الكتابة الإبداعية التي تعنيني مع الذات، مع القصة، ومع الرواية، ومع السيرة.. ومع المقال حين يكون من مواقف الرجال وينصفني مع الحرية قبل أن يضعني في موقف مع الآخرين.  

في كتابه الخيميائي يقولُ باولو كويليو (.. وأفضّل أن أكتفي بالحلم).. هل تكتفي بالحلم؟ وهل محطاتك القصصية والروائية ثمرة هذا الحلم؟ أتري أننا لولاه لشخنا منذ زمن.. ولم نعد قادرين علي تجميل الحياة والعالم؟؟
لقد اكتسبنا القدر الكافي  من الحلم لنحيا كيفما نحلم، وبالتالي لنكتب بأحلام تراودنا كثيراً في الحياة. الحُلم هو تلك القيمة الجميلة في حياتنا لفرز القبح عن الجمال.. ويوم تتعطل فينا هذه الخاصية الجميلة في الوجود، نكون قد تركنا الحياة ومضينا إلي الموت بمحض إرادتنا.. وهزيمة الموت في الحياة كانت دائماً تنبع من إصرارنا علي الحُلم، ومن قدرتنا علي استعادة ثوراته الوردية في وعينا الاجتماعي. 
والحُلم في النتيجة هو لازمة سفر في الحياة. فلا معني لمسافر بلا حقيبة في الخيال تحمل رؤاه، وتحمل حاجاته من التبغ والنبيذ والمواعيد. 

بعض القصاصين والروائيين يقولون إنّهم يعيشون مع شخصياتهم.. يتكلمون معهم. ومن خلال قراءتي لأعمالك القصصية والروائية وجدتُ أنّ أبطالك حقيقيون.. وواقعيون. ما مدي ارتباطك بأبطالك؟ هل رأيتهم.. وتحدثت معهم؟ من منهم الأقرب إليك؟؟
إنهم كثيرون تعرفت إليهم في طفولتي وصباي وشبابي، بعضهم التقيتهم مرات، وبعضهم التقيتهم لمرة واحدة، وبعضهم لم التقهم بعد لكني أعرفهم واحداً واحداً. لقد نشأنا علي أرض واحدة تدور بي وبهم، تعرفت مبكراً علي بؤسهم ووجعهم وجوعهم، وتعرفت علي طموحاتهم ورغباتهم، بكيت معهم وفرحت معهم، وضحكنا معاً علي الزمن الذي خذلنا وغادرنا مقاعدنا غير آسفين علي جبروت السلطة التي أوقفتنا عن الضحك دون مبرر، ولم نغادر المقاعد فقط لترضي السلطة عنَّا، بل تركنا لها المكان كله لتنعم السلطة بالفراغ.
نحن أجيال الوجع الذي تقاسم الويلات، فمنهم من يكبرني كثيراً من مواليد الثلاثينيات ويعيش علي الذكريات الأخيرة من احتلال الطليان، ومنهم من يكبرني من مواليد الأربعينيات ويعيش علي ذكريات النكبة، ومنهم من يكبرني من مواليد الخمسينيات ويعيش علي ذكريات العدوان الثلاثي، ومنهم من جيلي ولا يكبرني من مواليد الستينيات ونعيش معاً ذكريات النكسة، ومنهم من الجيل الذي تلانا ويعيش علي الكذبة الكبري من انتصارات السلام. 
أنا يا صاحبي أعرف كل هؤلاء المهزومين العرب، وأنا منهم. ولكني لم أعرف حاكماً عربياً واحداً يشبهني أو يشبه أحداً من أبطالي الحقيقيين الذين يمشون مثلي علي الرصيف ويمرون في الليل علي المخبز المقفل وعلي مركز الشرطة وعَلَم البلاد في الظلام.
أنا أبطالي حقيقيون وبعضهم لم يظهر بعد في أعمالي لأنهم ناموا قليلاً يحلمون بالوطن كي يعود من بورصة البنوك.

شهد فن الرواية في ليبيا ازدهاراً.. وأخذ مكانه وسط المنجز الروائي العربي.. كتبت عنه.. وهناك من يكتب دراسات هامة؟ كيف تقرأ مستقبل هذا الفن الجميل؟؟
الرواية هي ديوان العرب قبل الشعر، فالرواية هي مفتاح النثر الأول الذي سبق السرد وسبق الشعر. فأول جملة عربية خاطبت العقل والوجدان كانت نثراُ تماهي قولاً تلبية للفكرة، وهو القول المأثور الذي حمل اللغة إلي مصافها من التعبير. ولذلك يعتمد الشعر علي القول كما تعتمد البصريات علي لغة التعبير بالقول كنتيجة للشكل البصري الذي يكتمل في اللوحة التشكيلية ليقول كلاماً في العقل والوجدان. 
والرواية في السرد العربي هي أول قيمة نثرية أبدعها العرب قبل الشعر. فقبل النظم الشعري كانت الحكاية الشعبية هي التراث الذي اعتمد علي المتخيَّل كما اعتمد علي الرؤية والفكرة والحكمة والمثال والقول الجميل، وعلي العبارة التي نحتت في فضاء المتخيَّل لتنتج الشعر والنثر. لذلك فالشعر قد ينتهي لأنه من تفاصيل ومزاج الشاعر ومجازه، لكن الرواية لن تنتهي لأنها تفاصيل كل شئ، أضف إلي أن أهم ما قالته العرب في الشعر كان في الملاحم والمعلقات، وهذا الشعر التاريخي كان من أهم تفاصيل المحكي في الحياة العربية، ومن هنا كان السرد من هذا المحكي الذي أنتج الشعر، فكانا نثر العرب الذي صنعته الرواية الشفوية قبل التدوين.
ما يميِّز الرواية العربية اليوم عن بقية فنون التعبير، من شعر وقصة ونثر، هي قدرتها علي استيعاب كل فنون التعبير وانفتاحها المستمر علي التجريب والإضافة دونما إخلال بقيمة السرد وجمالية المحكي، علي خلاف الشعر الذي يحمل معه دائماً صوت الشاعر وصفاته فقط وإن صار عظيماً كالمتنبي. ومهما كانت مستويات التجريب في الرواية فلا صفات أخري غير سيرة الرواية إلي منتهاها وإن كتبها نجيب محفوظ أو عبدالرحمن منيف. ويظل المُنجَز العربي في الرواية من صميم حركة تاريخية تشبه جيلها فقط، وتحمل صفات هذا الجيل في التاريخ.

حققت روايتك (الطاحونة) نجاحاً كبيراً.. الناشر المصري يكتب علي غلافها، وهو يصدرها بطبعة جديدة 2008 (كانت ضمن إنجازات روائية عربية مهمة تميزت في تلك الفترة بالجرأة الفنية العالية).. ما مدي تأثير هذا النجاح عليك؟ قل لي كيف استطعت أن تتواصل عربياً؟
كتبتُ الطاحونة بين عامي 82 و83 وصدرت في كتاب عام 1985. وقبل ذلك نُشرت علي حلقات بمجلة (الموقف العربي) التي كانت تصدر في قبرص، ولقد رسم لوحاتها الفنان العربي الكبير يوسف عبدالكي الذي كان يقيم في باريس ويرسم للموقف العربي في نيقوسيا. ربما كان لنشرها في هذه المجلة التي كانت واسعة الانتشار في البلاد العربية والأوروبية بالغ الأثر في انتشار الرواية عربياً، فقد تناولها العديد من الكتاب في عدد من الصحف والمجلات العربية، في سوريا ولبنان والعراق واليمن وتونس والمغرب والبحرين، فكانت محل اهتمام العديد من النقاد العرب. في العام 1988 حين استقبلتني القاهرة بعد زمن كتبوا عنها في مصر باعتزاز بشهادة نجيب محفوظ الذي أهداني (قشتمر) آخر أعماله وقتذاك، وأهديته (الطاحونة) أولي رواياتي وقتذاك. وفي العام 1993 عندما كنت عائداً من بيروت التقيت الحاج مدبولي رحمه الله ودار الحوار لأول مرة لإعادة طبع الرواية عن مكتبته. وكان لكسلي السبب في تأجيل الطبعة الثانية حتي العام 2008 أي بعد خمسة عشر عاماً من الاتفاق مع مدبولي، وبعد قرابة ربع قرن من طبعتها الأولي. 

أنتم والراحل الصادق النيهوم والروائيان أحمد إبراهيم الفقيه وإبراهيم الكوني الأوفر حظاً في الانتشار عربياً. كيف تري ذلك إزاء حالة غياب لافتة للمشهد الثقافي الليبي الذي يمثله اليوم مبدعون مهمِّون..؟
المسألة ليست حظا ً وإنما ظروف مواتية. هناك أسماء مهمة أخري حققت انتشارها عربياً ولا تقل أهمية عن هؤلاء مثل الروائي صالح السنوسي مثلاً، ولكن يظل الصادق النيهوم علامة ثقافية ليبية مهمة جسَّدت حركة الوعي النقدي العربي من خلال أسئلة الفكر التنويري الذي خاب بعد حركة التنوير. علي الصعيد الروائي ربما كنت والصديقان أحمد الفقيه وإبراهيم الكوني قد كتبنا أولي رواياتنا في وقت واحد، فعندما نشرت (الطاحونة) في مجلة الموقف العربي، نشر الفقيه (حقول الرماد) في مجلة الكفاح العربي، وتلاه الكوني ونشر روايته الأولي (الخسوف).. فكان لذلك الأثر الايجابي في التعريف غير المسبوق بالرواية الليبية التي سبقنا إليها عدد من الأدباء منهم علي سبيل المثال محمد عبدالرازق مناع ومحمد صالح القمودي وأحمد نصر وخليفة حسين مصطفي.. وإذا كان للحظ مكان هنا فإنه كان في حظوة فرص العمل بالخارج وفي العلاقات الخارجية التي رفعت من شأن البعض إعلامياً، وهو السبب الأساس في الانتشار الإعلامي علي حساب كم من المبدعين المهمِّين القاطنين في الداخل وفي إهمال صريح من المؤسسات الثقافية.  
– قال “بورخس” طوال حياتي وأنا أجرِّب.. هل كتابك الأخير (عودة الولد الصغير) جزء من هذا التجريب؟ كيف قابل النقاد هذا الكتاب الجميل؟ احكِ لي شيئاً عن الولد الصغير!
إنه حكايتي، روايتي التي استوعبتني. إنه الملامسة الحقيقية للذاكرة حين تفصح عن مكنوزاتها في حياة لا أقول طال أمدها، ولكن في حياة صغيرة لا تكبر ظل ذلك الجسد الصغير الذي طاف شوارع بنغازي حافياً علي تراب القيلولة الدافئ. إنه كتابي الذي حكاني في طفولتي وصباي، فكانت في العمر عشرة أعوام هي ستينيات القرن الماضي من عمر مدينة بنغازي الخالدة. لم أتأخر كثيراً في كتابة (عودة الولد الصغير) فجاء كما وصف بعض الأصدقاء لينقذ ذاكرة المدينة من الضياع، فكان في سرده التاريخي رواية المدينة بتفاصيلها التي غابت عن المشهد، وكان بلغته المكان الذي غاب في التفاصيل وترك الأثر بعد عين في قلب كل قارئ فتح ذات مساء سيرة الولد الصغير وتألقت ذاكرته في سيرة بنغازي الستينيات.
إنها رواية بنغازي كما عاشها ابنها الصغير الذي عاد إليها بعد أربعين عاماً ليجدها في الذاكرة وحواسها وقد غابت في الواقع عن المكان وزمانه كما غاب ذلك الغُبار علي أعتاب البيوت ملهاة تلك السنونو التي لم تفارق ذاكرتنا..!

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى