الفن التشكيلي الليبي في مواجهة سؤال التجريب

بوابة الوسط

تناوب إيقاع الفن التشكيلي الليبي عبر أكثر من أربعة عقود بين نمطي حراك المجموعة والتجارب الفردية، وكلتا الصورتين ظلتا تنشد آفاق التجدد، ومما يطرح العديد من الأسئلة منها، هل تجاوز الفن التشكيلي الليبي مرحلة التجريب أم ما زال يراوح في مكانه؟، وإذا ما تجاوزها فما هي ملامح الإضافة ؟، وإذا كان العكس فما هي مواطن القصور وأسباب الجمود؟

من أعمال الفنان التشكيلي علي الزويك

يتحدث التشكيلي رمضان نصر لـ«بوابة الوسط» من وجهة نظر متفائلة فيقول «التجريب يبقى أولاً وأخيرًا أداة من أدوات اكتشاف الفنان لذاته ولأدواته، وهو ما يجعله قادرًا على قراءة أفكاره وفق هذه الرؤية، وتمكنه من تجاوز الراهن منه، ويصلني ذلك باستنتاج ينحو إلى الجزم بأن الخطاب التشكيلي الليبي يكاد يتخطى مرحلة التجريب».

وأضاف «نلامس شواهده على سبيل المثال في أعمال الفنانين عوض عبيدة والطاهر المغربي والمرحوم البارودي وصولاً إلى علي الزويك، ثم جيل الثمانينات والتسعينات متمثلاً في تجربة الفنان فوزي الصويعي ومحمد بن لامين وعفاف الصومالي، ولا ننسى تجاورها مع أعمال التشكيليين الليبيين في بعض البلدان العربية والأوروبية مثل ريم جبريل وهادية قانا بمصر ومحمد أبوميس في أستراليا ومعتوق أبوراوي في إسبانيا، وعمر أرميص ببريطانيا، وعبر عن هذه الأعمال معرض استعادة المشهد المفقود ببريطانيا مؤخرًا كأهم منجز تشكيلي ليبي يعلن عن تجاوزه مرحلة التجريب ووصوله إلى ما بعد الحداثة إن صح التعبير».

ويلمح رمضان نصر إلى أن التشكيل الليبي، وهو ينطلق من سؤال الهوية في هذه التجربة، حاول وما زال عبر مسيرته بعد الحرب العالمية الثانية التخلص من إرث الرسوم التوثيقية الإيطالية لإبراز ملامح البيئة المحلية بتخطيطات الأسود والأبيض في شواطئ وشوارع طرابلس وبنغازي وطقوس الحياة فيها، وكذا اشتغالهم على استخدام رموز العمارة المحلية وإيحاءات الزخارف ونماذج المشغولات التقليدية والحرف العربي، مرورًا بمشهدية الجبال والهضاب في الجنوب الليبي بمدن غدامس وغات وحالات الأفراح والاحتفالات الدينية.

وتابع رمضان نصر قائلًا «هذا الخطاب لم يهدأ في مشهديته، إذ قفز بإيقاعه اللوني إلى ما يعرف بالفوتورزم عند الفنانين أحمد الغماري وفوزي الصويعي، في حين تبقى أعمال صلاح الشاردة والحاسي في خصوصيتها المحلية قريبة من أجواء فناني عصر النهضة ليمارس آخرون لعبة التلخيص والتجريد ثم لعبة الخفاء والتجلي». 

إيقاع ثابت

من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي
من أعمال التشكيلي.. معتوق البوراوي

وعلى العكس من التشكيلي رمضان نصر، يؤكد الفنان أحمد الغماري أن الحراك التشكيلي الليبي ما زال في طور التجريب، فبالرغم من الاجتهادات التي قام بها بعض الفنانين، إلا أنه يخضع لظروف موضوعية وذاتية تتعلق بالفنان ومحيطه تجعله لا يستطيع الخروج من طور التجريب الدائم. 

ويرجع الغماري أسباب ثبات إيقاع التشكيل في خانة التجريب إلى غياب نقاد مختصين في مجال فنون الرسم والتصوير، وهو بحسب تعبيره نادر الوجود حتى في دول الجوار، إذ يتطلب بالإضافة إلى دراسة تاريخ الفن قديمه وحديثه خبرة معرفية أو عملية بالمواد الفنية المستخدمة، علاوة عن إحاطة بالتيارات الفلسفية، هذا من جهة ومن جهة أخرى يرتكز مجال النقد التشكيلي على وجود بيئة لحراك فن تشكيلي حقيقي، يقوم على التجدد لا السكون الذي بدا سمة واضحة في المشهد التشكيلي الليبي خصوصًا في السنوات العشر الأخيرة.

«ما هو موجود نقد فني انطباعي يقوم به بعض الصحفيين والأدباء غير ذوي الاختصاص، ولا يرتكز على منهج علمي فني على الإطلاق، يمكننا أن نجد كثيرًا من الكتابات تنطبق على جل الفنانين، ولا سيما إذا ما قمنا بنزع اسم الفنان المذكور في إحدى المقالات ووضعنا في مكانه اسم فنان آخر».

ومن جهته يصف الناقد التشكيلي عدنان معيتيق الإطار العام لهذه التجارب في مرحلة أولى كأعمال منفلتة من قيد الأكاديمية وما تمليه قوانينها الصارمة، يمثل نماذجها الطاهر المغربي وعلي العباني وبشير حمودة بعض الأسماء الأخرى من نفس الجيل، وبرغم أنه استطاع تكوين حراك تشكيلي، إلا أنه بقي خجولاً رهين الطابع الرسمي لمبادرة الدولة فالفنان لم يكن له الدور الكبير في تحقيق إنجاز ما على مستوى بيع اللوحة بسعر يرتقى إلى أن يلفت الانتباه إلى تلك التجربة أو غيرها، وحتى من الجيل الثاني ظهرت أسماء مهمة ولكن ظلت تحلق منفردة أيضًا ولم تصنع تيارًا أو ترسخ لحركة تشكيلية جادة كما في مصر والعراق والمغرب ومنها كمثال الفنان القذافي الفاخري وسالم التميمي.

وإن كان لهذه التجربة في جيل لاحق محاولة تذويب هذا الحاجز وربما نجحت في ذلك لكنها تحوم في نطاق المبادرات الشخصية التي لم تعتمد على المؤسسة الرسمية بشكل كامل ومن هذه الأسماء الفنان يوسف فطيس والفنان محمد بن لامين والفنان محمد الخروبي.

ويوضح معيتيق معلقًا على نموذج التجريب في المقاربة التشكيلية للتراث بقوله «التشكيلي الليبي أدرك ثراء المكون التراثي في البيئة لكنه لم يتمكن من استنطاق مدلولات هذا الموروث في صورته العميقة تحديدًا في الأعمال ذات النفس الفلكلوري الشعبي والتي شابها التسطيح كصناعة السجاد والمفروشات وغيرها من الحرف التقليدية، حيث تم تناولها في قالب يغلب عليه الطابع التجاري التسويقي ويبتعد كثيرًا عن الإبداع الفني، وهذا لا ينطبق عمومًا على كل التجارب».

من أعمال التشكيلي محمد بن لامين

الفنان اسكندر السوكني يجد «ربما تظل هواجس الفنان وهو يقتفي أثر نصه اللوني مستمدة من إحساسه بعدم الوصول إلى لوحته المفقودة، وهو ما قد ينقله إلى حالة من التشظي أو الدوران في حلقة مفرغة من القفزات السريعة وغير المدروسة أحيانًا، لذا تبدو الحالة التشكيلية في جزء من إيقاعاتها العامة خاضعة لهذا اللون من التجارب، لكن بالنظر من زاوية أخرى يبرز لون مختلف من القدرة على إظهار المهارات الباحثة عن مجارات الآخر دون إغفال المضمون التأصيلي العامل الأساسي في نهوضها إبداعيًا» .
من ذلك يشير إسكندر السوكني أن تجربته في الاشتغال على الحرف العربي هي إحدى هذه المحطات والتي ما زالت متواضعة بحسب تعبيره، إلا أن الاستمرار يبقى مشروطًا في توظيف جماليات الحرف العربي بمدلول اضافي وعكس جل الاحتمالات الممكنة للنص الحروفي، مشبعًا بمضامين فلسفية وتراثية ضاجة بالأسئلة قبل أن تكون معنية بالإجابة.

ويخلص السوكني إلى القول إن «التجربة يمكن تسميتها بالسهل الممتنع، فالحرف العربي هو النص القرآني وبيت الشعر والحكمة والأقوال المأثورة، وهنا تتبلور هذه الخطوط في رسم نص تشكيلي يجب ألا يقع في منظوره التجريبي تحت عقدة التكرار التي يحاذر السقوط فيها».

تجربة مختلفة

تراكم وحشد - من أعمال التشكيلي الليبي رمضان أبوراس.
تراكم وحشد – من أعمال التشكيلي الليبي رمضان أبوراس.

الناقد التشكيلي ناصر المقرحي يقف في تحليله لمضمون التجريب عند بعض الأعمال لفنانين ليبيين ربما قدموا من وجهة نظره تجربة تستحق التمعن، فيقول عن التشكيلي موسى بوسبيحة أن «أسلوبه الكلاسيكي يشبه أسلوب فان جوخ وبول سيزان خاصة فيما يتصل باللون وتجلياته في العمل الفني، فلوحة أبو سبيحة مزدحمة بالألوان ومشبعة إلى حد كبير، ولا تقتصر على الألوان الطبيعية الصريحة كما هي بل يحور فيها، ويبدل ويضيف دون تردد وبجرأة وهذا برأيي ما يميز لوحته، إضافة لإعطائه اللون الأهمية الكبرى على حساب العناصر الأخرى كالشكل والرسم أحيانًا فيخلط ويخلط إلى ما لا نهاية ومع كل خلطة يحصل على ألوان تُعطي لوحته طابعًا خاصًا بها وبخلاف الفنانين الذين يتعاملون بحذر وتردد مع اللون ولا يذهبون بعيدًا في عملية التجريب العفوي ويكتفون بالمتاح منه، يذهب موسى أبو سبيحة قصيًا في عملية مزج الألوان ويسرف في طرحها على سطح اللوحة كما لو أنه مطالبًا باكتشاف إمكاناتها المخبوءة مرة واحدة». 

ثم ينتقل إلى تجربة الفنان محمد الحاراتي التي يقول عنها إنها «تتبنى شكلاً فسيفسائيًا مغايرًا للصبغة الحروفية في أعمال إسكندر السوكني، فبالرغم أنهما يتقاطعان في اشتغالهما على الحرف العربي، إلا أن اللافت في تجربة الحاراتي هو الألوان الصارخة التي يُخيل للمتلقي أنها ستقفز بين لحظة وأُخرى من الإطار لشدة حيويتها وتعدد درجاتها، ومن الرموز الدالة التي تتكرر بانتظام في منجز الفنان نجد إلى جانب المآذن والقِباب الحمائم والجياد العربية التي كثيرًا ما رسمها في حالة حركة، فكأنما أراد في كل مرة مقابلة الجمود بالحركة أو تحليقة حمامة بجموح جواد».

عن عبدالسلام الفقهي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

إلى الأعلى