الفراشة

من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني

من أعمال التشكيلية الليبية .. مريم العباني

هل تموت الحياة ..؟! كان دائماً يكرر على نفسه هذا السؤال .. وهو يشاهد ذلك الجمع من الناس وهي تواري ذلك الجسد في التراب .. كان يردد على نفسه وهو يراقب عملية الدفن .. أين ذهب كل ذلك الحسن والإشراق ؟. هل يعقل أن تكون له نهاية .. كان يقف على مسافة ليست بقريبة من مراسم الدفن .. فهو لا يرغب أن يرى ذلك الوجه الذي عشقه وهو يوارى التراب .. إنه يشعر بقشعريرة وهي تسرى في جسده أراد أن يجهش بالبكاء ولكنه امتنع عن ذلك حتى لا يرى من حوله ضعفه كإنسان أراد أن يعبر عما يجيش في نفسه .. فالتعبير عن الذات يعتبر نوعاً من العيب في مدنيتنا .. فالحب يظل بلا لسان في مدنيتنا .. فعندما تقول .. أنا يكرهك الناس .. فالتعبير عن الذات يعتبر نوعاً من اللا سلوكيات .. فالرجل الصامت يظل الأفضل ؟!! فالتعبير عن الحب نوع من الجرم الذي لا يغتفر في مدنيتنا .. فالآنا مفقود في بلادنا .. وحتى في الحديث لا يمكنك أن تنطق إلا بلسان غيرك ..؟!! كأن تقول عن فلان ابن فلان جتى يصدقك الحديث ..

حتى الحب والزواج يأتي عبر وسائط .. الشيء الوحيد الذي لازال ملتصقا بها هو تلك  الذاكرة التي ظلت صورتها ملتصقة بجدارها إنه يذكر وجهها وكل ملامحها عندما تستنطق الذاكرة للوجود .. فهو لازال يذكر وجهها الصبوح وابتسامتها الغراء .. فالذاكرة روح الوجود .. ولعل الصورة قد تكون هي الحياة ذاتها .. إنه يرى الحياة من حوله تنبثق من العدم ..الشئ الذى أدهش ذاكرتى  تلك الفراشة التي خرجت توا من باطن الأرض الجرداء لتعلن عن نفسها وهي تعدو جيئة وذهاباً وهو يرمقها لتحط فوق قبرها .. إنه يشعر بوجودها حتى وهي تحت التراب والأحجار .. فالفراشة ثنبأنا بأن الحياة سرمدية لا تنتهي بنهاية الموت ..فنحن لا نعرف فكرة الموت الا من خلال الحياة لذا أوعزت تلك الحادثة بأن الوجود سابق العدم و أن فكرة العدم تولدت من الوجود و يظهر أن الحياة سرمدية و أنها أصل الوجود..فالوجود سابق للعدم و محدد له ..الموت قد يكون صورة و ليست نهاية أبدية فالحياة تنفى ذاتها لتخرج مرة ثانية فى صورة قد تتمايز عن الأولى لكنها لا تفقد ذاتها  .. تماماً كما لتلك الفراشة التي لا تهدأ عن الوجود وهي تطفق بجناحيها جيئة وذهاباً .. فالعدم بالأصطلاح اللغوى هو نفى للوجود ..فالحياة من حولنا صور وجودية تتشكل من حولنا ..فالعدم ليس نفى مطلق..

كان يذكر جيداً أنه في أحد الأيام قرر رفع المعاناة وأراد أن يتقدم لخطبة فتاته وكان العرف السائد في مدنيتنا أن يندفع الراغب إلى والد الفتاة المطلوب خطبتها في بلادنا لا يمكنك عبور الطريق إلا بواسطة .. حتى في معاملتك اليومية إلا عبر واسطة لقد كان جواب والدها كالصاعقة عليه قال : إن ابنتي مخطوبة لابن عمها ..؟!! كان يعلم جيداً أنه ليس لها ابن عم لكنها صحبة للرفض على من هو متقدم .. كان يشعر بالغثيان ليقول لنفسه .. لماذا هذا التدخل ؟!!.. كان يشعر دائماً بأن القدر الموضوع هو الذي يقف في طريقه .. كانت والدته تردد على مسامعه : يا بني .. الزواج قسمة ونصيب .. لكن كان لديه شعور بأن لا سبيل لتدخل الأقدار في هذا الموضوع بل هو قدر من صنع الإنسان لا دخل للوجود في تشكيله .. لكن الأقدار تدخلت فعلياً عندما تناهى إلى مسامعه بأن فتاته تعانى مرضاً عضالا وهى على فراش الموت ..؟! لقد سمع بأنها أدخلت إلى إحدى مستشفيات المدينة وأنها في الرمق الأخير من حياتها .. لقدهم بزيارته ولكنه في اللحظة الأخيرة تراجع .. لأنه كان يشعر أنه ليس من المستحب رؤيتها وهى على فراش الموت تعانى السكرات الأخيرة .. إنه يكره الموت عندما يتسرب إلى شخص عزيز عليه ..

كان يراها بكل ملامحها عندما تقفز إلى الذاكرة كان يذكر دائماً بأنه كان يقف على ناحية الشارع في انتظار مرورها عبره .. كان يرى فيها صورة ليس لها ميثل عند الفتيات الأخريات .. كان كل شيء فيها ينبض بالحب .. عيناها تبثان بريقاً لا يهدأ عن اللمعان .. حب ينبض بالحياة وكأنها ملائكة ضبطت على الأرض من علٍ لا يدرى تماماً هل الجمال هو الحب .. أو شيء آخر .. كان دائماً يذكر أنه يريد أن يقترب منها ليقول لها شيئا .. ولكن كل محاولاته باتت بالفشل لأنه يخشى أن تصده عندما يفطن بالحب لها .. لكن ظلت عيناه هى اللغة الوحيدة التي تشعرها بحبه لها .. فهي لا تفارق النظر إليها ..

توقفت الذاكرة عن الرد .. عندما هم بمغادرة المكان .. فقد كان يرى تلك الفراشة وهي تطير وتحط على المكان وكأنها في وداع لفتاته .. وهي تنطق بأن الحياة لا تموت بل تتجدد دوماً وإن اختلفت الصورة .. فلا أحد يمكنه أن يصدق أن الحياة تموت ؟!!.

________________________

نشر بموقع بوابة أفريقيا الإخبارية.

عن سعد الأريل

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى