العراك

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

من أعمال التشكيلي عادل الفورتية

 

هزّ فراشه دويُ انفجار أسقط قشورِ الطلاءِ المعلقة منذ زمن تنتظر هزة أرضية تسقطها، سقطت القشور على وجه الحاج صالح، سقطت صورته التي تثبت خلفه أنه زار البيت المقدس مرتدياً ملابس الإحرام ينظر بشموخ اللونين الأسود والأبيض إلى الكاميرا، سقطت الصورة فانكسر الزجاج وتمزقت. كان كل ذلك، كفيل بأن يجعل الحاج يستيقظ هلعاً يتعوذ بالله من بؤس الرسائل التي اعتنى اعتناءً شديداً بترجمتها: تكسر الزجاج، صهيل الأحصنة والمرأة. نذور شؤم. تزحزح من فراشه،حاول أن يوقظ زوجته إلا أنّه تذكر أنه قد دفنها منذ زمن طويل حاول فيه أبناءه وبناته أن يزوجوه فيه من الحاجة خيرية التي تقطن البيت المقابل لبيته دون فائدة، فتح النافذة فرأى خيط دخان فاحم يعانق عباب السماء، كان الدخان يكاد يخرج من شجرة الزيتون المباركة التي تتوسط الحيْ – كانت تفصل بين الجزء الشرقيْ والغربيْ من الحيْ-. خرج يدفعه الفضول الذي بدأ يخفت في سنينه الأخيرة قبل أن يحدث العِراك فاشتعل رأسه فضولاً وأحس بالحياة تجري في عروقه من جديد كأنّه زار البيت المقدس من جديد حيث يعود الانسان كما ولدته أمه. هذا هو الانفجار الثاني في الحيْ، اليوم الماضي انفجرت عبوة غازٍ زرقاء أمام منزل الجينرال. اختفت العبوة عند انفجارها فظل الناس يبحثون عنها، انشغل الحاج صالح في البحث عن بقاياها في كل مكان ليوم كامل في القمامة، الأحراش والزوايا التي لا يزورها أحد إلى أن عرف تفاصيلاً دقيقة لم يعرفها منذ زمن من سكناه في الحي.

كان الناس قد تعبوا من العراك لكنهم لم يتمكنوا من أن يعلنوا ذلك للجينرال، كانوا يخافونه رغم أنّ خطبه الحماسية فيهم كل يوم لم تصل لواحدٍ منهم، كان الجينرال منزوع الحنجرة التي طالها السرطان فحولها لقطعة لحم متفحمة من السجائر والكحول لم يترك له الخيار سوى لاستئصالها. ظل الناس مذاك يأولون حديثه، فبعضهم ظنّ العراك سببه أنّ الشنابو كان يتاجر بالكحول والمخدرات في الحيْ، البعض ظن أنّ الجينرال يحارب الشنابو لأنّ الأخير لطالما أحب أن تشيع الفاحشة بين المؤمنين داخل الحيْ، وبالطبع كان دائماً هنالك أولئك الذين يلقون بأحاديث عن كون الجينرال يسعى للسيطرة على الحيْ فوجد الشنابو عائقاً أمامه، بالإضافة فإنّ التأويلات لم تخلو من المشاكسين الذين أحبوا تبسيط حوادث الزمان وتتفيهها قائلين أنّ العراك لم يكن ليحدث لو لم يقم الشنابو ببيع بوخة مغشوشة للجينرال، تأويلات أخرى كانت دائماً تظهر على السطح: وقوع أحد أبناء الجينرال في حب بنت الشنابو، كون الشنابو لم يبدِ الاحترام أبداً للجينرال أو حتى بسبب البقعة المميزة من الظل التي تهبها شجرة الزيتون لسيارة واحدة كيْ ترصف تحتها.

شهدت عينا ربيع الحادثة – وربيع هذا أذكى شباب الحيْ، كان الوحيد الذي واصل دراسته للمرحلة الجامعية داخله-، رأى أحد أبناء الشنابو يجرجر بإحدى يديْه عبوة غازية قد ملأها الصدأ وغطى جسدها ببقايا الطعام الدبقة والصمغ، ظل يراقب الحدث وهو يمر بفتى الشنابو، حثّ خطاه لما اقترب الفتى من وضع العبوّة الاسطوانية التي تسرّب الغاز تحت جدار منزل الجينرال، ولما رآه يشعل قداحته بدأ في الجريْ مرتبكاً، قام بإشعال النار في العبوة، جرى الاثنان في طريقين متعاكسيْن؛ وانفجرت بعد ذلك بثوانٍ لتخرب جزءاً من الجدار، سقط الغزال الأبيض الذي كان يزين أعلاه. صُنِعَت فجوة داخله وتلوّنت الأحجار المخلفة من أثر الانفجار بالأسود، اشتعل حريق صغير في أكياس قشْ مليئة بالقمامة والفضلات كان يحضرها الجينرال لهجوم أراد به أن ينهي العراك، عشرين كيساً مليئاً بفضلات الطعام، الورق المقوى، البلاستيك، نشارة الخشب، وكل ما استطاعوا إيجاده احترقت خمسٌ منها كان المفترض أن تحرق بيت الشنابو بأكمله، بخطة محكمة وضعها الجينرال.

راقبت السيدة سعاد، معلمة الرياضيات في المدرسة الإعدادية ما حدث. كانت تنشر الغسيل في سطحِ منزلها، تبحث لنفسها عن موقع مميز للرؤية وهي تشبك ملابس زوجها الداخلية في حبل الملابس، النار تأكل الأكياس وأبناء الجينرال يجرون هلعين محاولين إطفاءها، بينما يقف هو من سقف منزله خلف ثكنة المراقبة التي اصطنعها يراقب بمنظاره العسكريْ بيت جاره الذي خفتت داخله كل حركة. تمنّت السيدة سعاد أن تمتلك مثل منظاره، إذ لطالما استهوتها تلك الفكرة في مشاهدة ما يحدث داخل النوافذ الخشبية من حركات الشفاه، منظر الجارات وهنّ في ملابس البيت، أزواجهم، أثاثهم، والحركات التي تحدث داخلها. ركزت نظرها في جسد الجينرال الذي ارتدى قميصاً مفتوح الأزرار، طاقيته العسكرية وسرواله العسكريْ، حول رقبته يلتف شالٌ أحمرٌ ليخفي المكان الذي هربت منه حنجرته. في عينيه كان يمكنها أن تتبين ما يجول داخله.

ابتدأ العراك بأن أضاءت سماءٌ الحي في الليل بنارٍ تحترق في خيش، الخيشُ في زجاجات المشروب الغازي، النارُ تعتلي الخيش بمساعدة زيت زيتونٍ بلديٍ من غريان، تراقصت زجاجات المولوتوف في الليل من أعلى بيت الجينرال تحت ظلمة لا يضيئها إلا النجوم البعيدة، وحطت في كل مكان داخل باحة بيت الشنابو. كان شباب الحيْ يجلسون في الليل في ساحة يدخنون السجائر ويمضون وقتهم في لعبِ الكروت والضحك والأحاديث الجنسية لما شاهد أحدهم روعة زجاجات المولوتوف وهي تتراقص في السماء واحدةً تلو أخرى، فأوقفوا اللعب والكلمات وأشعلوا سجائرهم وشاهدوا النظر معلقين بين تارة وأخرى، قال أحدهم:

  • أجزم أنّ الجينرال لم يلقِ أياً من زجاجات مشروب التبر.
  • كيف سيتلقى الشنابو الحادثة؟. قال آخر، وهو يمرر سيجارة الرياضي لآخر.
  • أراهن بسيجارتيْن رياضيْ أن الشنابو لن يفر. قال الذي يدخن السيجارة الآن متحدياً بزهو.
  • الرهان حرام. قال آخر وهو يعتذر عن التدخين.
  • أراهن بسيجارتيْن إضافيتين أن الرهان ليس حراماً. أعاد المتحدي تحديه.
  • لا يمكن لأحد أن يتخلى عن الطعم اللاذع واللون الأحمر الذي تصنعه التبر على الشفاه بعد وجبة غذاء جيدة. قال الأول ليعيد نسق الحديث لنقطة البداية.

أحرقت شجرة النخل الوحيدة في باحة بيت الشنابو، اشتعلت أعراشها وظنّ الشباب أنّ النخلة ستجري لتبحث  عن مكان تطفئ به شعرها المشتعل ناراً، وارتفعت رائحة كاحتراق الكحول من بيت الشنابو؛ كان هدف الجينرال واضحاً: النخلة تحتها مصنع الشنابو للكحول، أراد أن يشل حركته وأن يحصره في الزاوية ويقطع عنه مصادر دخله الواحدة تلو الأخرى. سقطت أعراش النخل الواحدة تلو الأخرى تبكي وجع الأشجار عند احتراقها، خرج الشنابو وأبناءه للباحة يلقون بالحجارة حيث عدوّهم يشاهد احتراق مصنعهم. كانت السيدة سعاد تراقب من نافذتها في شقتها الشنابو، وشم في يده اليمنى يتوهج في النار وهو يدخل في عراك بالتحديق مع الجينرال ثم يناديه دون أن تسمع ما يقوله. كان يمكن لشباب الحيْ سماع الكلمات التي كان يلقي بها الشنابو في أذن الجينرال: نزال رجال بينهما. لكن السيدة سعاد وهي تبدل ناظريْها بين العدوّين، شاهدت الجينرال لا يلقِ اعتباراً للشنابو مولياً داخل بيته. منذ ذاك اليوم، تصاعدت الأحداث. غُلّقت نوافذ البيتيْن ولم يرى أهلهما ضوء الشمس داخلهما، أراد الجينرال أن يستنزف قوى الشنابو، وأراد الشنابو أن يكسر ذراع الجينرال.

ألقيت القمامة أمام بيت الشنابو لتحرمه من الخروج، أحرقت عجلات سيارة الجينرال وكُسِّر زجاجها وصُبَّ الماء في مخزن البنزين فأصبحت منذ ذلك اليوم متكأ للمتسكعين تحت شجرة الزيتون، طعن الشريف الابن الأوسط للشنابو  مهند ابن الجينرال صاحب الإثنيْ عشر عاماً بالسكين في بطنه عندما كان يلقي بالقمامة أمام بيتهم، ناك عيسى -ابن الجينرال الأكبر- فطّوم بنت الشنابو، لم يكن أحد ليخبر هل فعلها غصباً عنها أم برضىً منها، لكن عيسى وحده الذي كان يتباهى أنها أرادت ذلك. توالت الأحداث، يزداد عنف الجينرال، فيزداد تعنت الشنابو. كان الجينرال يشغّل أبناءه كل في مهمة: عيسى لمراقبة بيت الشنابو ليلاً، مهند يلقي بالقمامة أمام بوابة العدو، الحسن والحسين التوأميْن للحراسة وافتعال المشاكل مع أبناء العدو والعدو نفسه.

كان الشباب يتذاكرون أخبار العراك كل ليلة، يراهنون بسجائرهم وكؤوس الشاي خاصتهم ودورهم في اللعب في التوقعات، التأويلات والتخمينات حول الأحداث، كان العراك وسيلةً لهم ليرفهوا عن أنفسهم قليلاً من عناء تقلب صفحات الليل والنهار على ذات المشاهد؛ لذلك فقد أحبوا الحديث عنه، عن آراء رجال ونساء الحي وما شاهدوه وما يتوقعونه. شغلهم الأمر أشهراً ثلاثةً هي عمره قبل انفجار الاسطوانة الغازية في بيت الشنابو. في تيك الليلة أخبر أحدهم:

  • أراهن أنّ عيسى ينيك فطّوم كل ليلة. أراهن بعلبة سجائر كاملة!
  • وكيف ستثبت ذلك؟ سأله أحد المتحذلقين.
  • بيتنا يقابل البيتين، ليلة الغد. أنتم مدعوون على مأدبة عشاء ومشاهدة المباراة. قال.
  • مباراة؟ سأل أحدهم. كان أغباهم.
  • زبر عيسى ضد كس فطّوم. أجابه وهو يمرر سيجارة الرياضي التي لا تنتهي من الاحتراق، ثابتة لا تسقط من الهباء شيئاً.
  • سمعتُ أنّ عيسى قد وقع في غرامها منذ أولى لياليه في الحراسة، شاهدها ترقص بنهدها اللذيذ مرتديةً تنّورتها الوردية وقميصاً أبيضاً يظهر كتفها وذراعها البيضاء الناعمة، لا شبه لها بأمها أو أبيها. قال أحدهم.
  • حدثنا المزيد. أخبره المُراهِن.
  • نعم حدثنا. قال آخر.
  • نعم. قال ثالث.
  • حسناً، سأنقل الكلام عن أحد أصدقاء عيسى لتعرفوا أنّ ما حدث هو الحقيقة بأذنها: في ليلة، كان عيسى يجلس في الثكنة يدخن سجائره بعيداً عن أبيه الجينرال. أنتم تعرفون أن الجينرال يكره السجائر صحيح؟ إنه رجل متناقض برأيي، فيحكى عنه أنّه كان يدخن ثلاثاً وأربعاً من العلب قبل أن تليّل الدنيا. وفي ضربة حظ، وهو يراقب التحركات داخل بيت الشنابو رآها. في غرفتها، تفتح النافذة التي ملت من إغلاقها، مرتديةً ما أخبرتكم أنه ترتديه، يمكنه من مكانه أن يرى نفور حلمتيْها في غشاء القميص الكتّان. مصّ لعابه الممزوج بالقهوة والسجائر يشاهدها ترقص في غرفتها مزهوةً. تحرك يديها للأعلى فيتحرك نهداها أكثر. تنزل بهما حيث صدرها فتلامسه بغنجٍ كأنها تدرك أنّه، وفي هذا الوقت التأخر من الليل. حتماً هناك من يراقبها.
  • الله يراقبها. قال ذاك الذي يعطي المواعظ الدينية دائماً محرماً الرهان عليهم.
  • نعم الله والرقيبُ والليل والبدر والنجوم وعيسى، كانوا يراقبونها جميعاً. قال له، وأضاف: تلامس صدرها بلطافة، تعصره. عيسى يبحث عن لعابٍ يمتصه فيجد الصحراء في فمه وتتلون هي كالسراب بين عينيه، يحكمها جيداً. تنزلُ فطّوم بيديها إلى خصرها. تدور، كان يمكنه أن يرى مؤخرتها ترتاح في التنّورة كزهرة النوّار، ترمي به حباً بحركة مفاجئة تعلو فيه التنّورة قليلاً ليرى تقوّس الفخذين والتقاءهما. يتوه عيسى. أخبرني صديقي أنّه لم يستطع المقاومة فرمى بحجرٍ إليها، حربٌ جديدة تقوم داخل حرب الجينرال والشنابو. حرب بين عيسى وفطّوم.
  • أتعلمون؟ أرجو أن يربح الشنابو العراك، إنّ الجينرال بعد أن ذاق ملذات الحياة كلها يريد أن يحرمنا إياها. قال أحدهم وهو يحك سرواله بين فخذيه يدق قلبه.
  • الجينرال لا يريد حرماننا من أي شيء، إنّ الأمر فقط تسوية حسابات بينه وبين الشنابو، تعرفون لسان الشنابو. إنّه يقطع لحم الجمل كأنّه قطعة جُبن. قال ثانٍ.
  • فطّوم… آه يا فطّوم. قال أخير.
  • لنعود لقصتنا. قال القاص.
  • أنت وقصصك، لا أعلم من أين تجد هذه القدرة على قصها؟ هل في كتب أبيك؟. أراهن أنّك وجدتها في كتب أبيك. قال له المراهن الذي لطالما أحب التذاكي والرهان.
  • بل أخبرتك أنني أقول لك أذن الحقيقة. قال القاص وأراد أن يستأنِف حديثه: قال لي صديق عيسى أنّها عندما عرفته، أنزلت الخيط الذي يحمل قميصها الأبيض من على كتفها، وجعلته يرى نهدها الأيمن.
  • أستغفر الله. سأعود للبيت، تصبحون على خير. قال الواعظ فيهم.
  • تصبح على خير يا شيخ، حسناً. تعلمون ماذا حدث بعد ذلك بأيام؟ لكم أن تتخيلوا كل شيء، لهذا… أضيف على الرهان علبة سجائر أخرى. أنهى القاص حديثه.
  • لكنني لا أصدق كلامكم، لا يمكن أن يفعل عيسى شيئاً كهذا. قال أغباهم.
  • أنا أعرف أنّ فطّوم يمكنها أن تفعل أكثر من ذلك، وهل تحسبون الجينرال يبتلي على الشنابو؛ إنّ الرجل يبيع بناته. قال المراهن.

انزاح الحوار إلى جدل عن العراك ومن سينتصر، مرّ إذاك في ظلمات الليل الفتى مهند ابن الجينرال يحمل أكياس القمامة ليضعها أمام بيت الشنابو، يلقي بالقمامة فوق الجبل الذي يعيق حركة الشنابو وأبناءه وبناته كل صباح. لم يكن الشنابو الطرف المستضعف رغم أنّ الجينرال قد حاصره، فقد اختطف في سواد الليل أبناءه الثلاثة عيسى ابن الجينرال وأوجعوه ضرباً ورموه فوق جبل القمامة، كما ملأ الدلاء التي كان يصب فيها شراب البوخة ببوله وعائلته لمدة أسابيع ثلاثة ليصبها على جدار بيت الجينرال. الأمر الذي دعى الحاجة مبروكة التي اشتهرت بأنها خصصت جدولاً تزور فيه بيوت الحيْ يومياً للإطلاع على أخبار ساكنيها برفقة عكازها وقطتها البيضاء عن شطب اسم الجينرال من قائمتها بعد أن اشتمت الرائحة النافذة على الجدار.

هذا وقد دوى اليوم انفجارٌ ثانٍ. اسطوانة غازية فجرت ذلك الجدار وألصقت رائحة الحريق فيه بدلاً من رائحة البوْل. الانفجار الذي استفز صوف أغنام الحاجة خيرية ليهتز في اللحظة ذاتها التي ارتفعت فيه الاسطوانة للأعلى لتختفي، سقطت بعض أوراق شجرة الزيتون وانفتحت نوافذ المنزل المهترئ للحاجة، سقط كوب شراب النعناع الذي لطالما أحبت احتساءه بعد أن تهتم بإفطار أغنامها،انكسر كوبها المحبوب فانهار قلبها حزناً عليه، ذلك النوع من الحزن الذي يجعلها تغضب. خرجت إلى عتبة بيتها ترفع يدها إلى الأعلى وتنهال بأدعية عصى شرح معانيها عن أهل الحيْ. صوتها يأكله الهواء الذي تحاول إدخاله إلى رئتيها، يلاحظها الحاج صالح وهو يراقب الحريق الناشب بعد أن سقطت صورته، يرى جرمها الصغير كفأر داخل رداءها الرفيع لافةً إياه على رأسها تثبته بكمٍ هائلٍ من الدبابيس على صدرها، عادت في مخيلته صورة أبناءه وبناته الذين أصروا على أن يتزوج لما كانت هي في الستين وهو في السبعين من العمر. يحاول استنباط ما تقوله، كانت تدعي على الفريقيْن: اللهم هزّ جلدهم كما هزوا صوف أغنامي. اكسر عظمهم كما كسروا كوب نعناعي. يضحك الحاج صالح، ويتحرك باتجاه بيت الجينرال.

عندما ولج البيت، كان الحريق قد شارف على الخبوْ تحت رذاذ الماء، وكان الجينرال قد نزل من برجه جالساً مقابلاً للفتحةِ التي أنشئت في جداره سارحاً بذهنه في خططٍ يرسمها، سلم الحاج وجلس بجانبه يشرب الشايْ. في صمتهما راقبا الحريق تخبو ناره، كان الحاج يعيد بعضاً من كلمات إلى بطنه بعد أراد أن يطلقها تجري للهواء، ينصت للجينرال يتحدث بغضب عن العدوان الغاشم يحاول أن يستلب من كلماته كلمة واحدة يمكنه أن يفهمها دون تأويل. كان الحاج يراقب ملامح الجينرال والهيئة التي تصنعها في قلبه ليفهم ما يجول داخل الحشرجة التي يتحدث بها. إنّه لازال مصمم على طرد عدوّه من الحيْ. قال الحاج بتردد:

  • ربما، علينا أن ندعو للصلح. دعنا ندخل للرجل أنا والحاج مصباح وموسى المحروق ونحادث العقل داخله ليرحل.
  • إنّ المحروق خائن. هذا ما يؤمن به أبي. قال له عيسى.
  • كيف؟ وجه الحاج سؤاله للجينرال.
  • لقد اكتشفت أنّه يهرب الطعام وما يحتاجه النذل في ظلمة الليلة. قال عيسى. حتى أنه صنع لهم حفرة من بيته الملاصق لهم ليخرجوا منه بعد أن سددنا الطريق عليهم. أضاف.
  • وكيف اكتشفت ذلك؟ وجه الحاج السؤال الآن لعيسى.
  • رأيت ظله بالأمس داخل باحة الشنابو.
  • ظله؟
  • نعم ظله…كان محروقاً مثله. قال عيسى.

حدق الحاج صالح في شجرة صنوبر فتيّة في بيت الجينرال، كان الحريق قد طالها فأحرق نصفها ليبقى نصفها الآخر وحده أخضراً، محروقة كنصف وجه موسى. أفلح موسى المحروق في أن يتولى أمانة الجمعية الاستهلاكية للحي بعد أن كان يمضي ليالي شبابه كلها في سهرات طويلة مع رفيقه الشنابو، سماه الناس المحروق تبعاً لليلة  التي أحرق فيها حساء المعكرونة وجهه السكران بشراب النعناع المسكر الذي أبدع الشنابو في صنعه، كان من المفروض على موسى أن ينتظر الطبيخ أن يغلي قبل أن يصب المعكرونة إلا أنه أراد أن يستكشف الأمر بأن غطس رأسه داخل الطنجرة. قرر منذ ذلك اليوم أن يتوقف عن الشراب لكنه استمر في السهر مع رفيقه. تذكر الحاج أن المحروق لم يأكل منذ ذلك اليوم المعكرونة ولم يشرب البوخة، بل قطع مؤونة المعكرونة على جميع أهل الحي الذين كانوا يشترونها من الجمعية، موزعهم الوحيد. عانى الأهالي الأمريْن من انقطاع المعكرونة عنهم وترجوه أن يعيدها. ذلك اليوم جعلهم يقسمون جميعاً أن لا يقضى أمر في الحي إلا بمشورته، فتمكن من التحكم فيه حتى جاء الجينرال للحيْ. فكر الحاج أنّ موسى لديه سبب مقنع في مساعدة رفيقه، فمنذ أن جاء الجينرال تخلوا عنه وانقلبت موازين القوى ولم يأخذوا بمشورته أبداً.

  • لكن موسى يمثل الطرف الذي قد يسمع الشنابو كلامه. قال الحاج مبرراً اختياره ناظراً للجينرال.

العراك غيّر كل شيء في الحيْ، كانت بوخة النعناع التي يبيعها الشنابو لشباب الحيْ ملجأهم وسكرهم الوحيد، أحرق الجينرال مصنعها فاهتاج الشباب وبحثوا عن أشياء جديدة يمضوا بها أيامهم، بعضهم كالواعظ وجد في الصلاة داخل المسجد سكره، الآخرون بحثوا عن مسكرات جديدة، حشيش، ملمعات الأحذية، البنزين،  أما مشروب السعال والكحول الطبي فقد فرغت الصيدلية منهما بسبب الطلب المتزايد عليهما.

نهض الحاج صالح يحمل همّ الحي على كتفيه، ترك رجليه للطريق تأخذه كما تشاءا، مرّ بجانب أنور الحوتة بائع السمك وهو ينادي ” حوت…حوت”، ” سردينا…كوالي” ليضيع الحرف الأخير من كل كلمة في صدره، يقف على صندوق سيارته “البيجو” المصاب بانبعاجات في هيكله، البيجو…السيارة التي زادت من سعار العراك بين العائلتين؛ إذ كان أنور في أحد أيامه في ذات المكان والوقت يجري وراء سيارته الأطفال وتناديه النساء ويغذيه الناس بإحساس بأهمية ما يصنعه، ينزل من سيارته ليقف تحت الشمس ورائحة البحر وملحه تقشر وجهه، تبرق سحنته الشبيهة بدلاء النحاس ن تحت قبعة من القش، اعتاد دائماً أن يقف بالقرب من شجرة الزيتون، يحدث ضجة في الحي. ويبدأ عملية البيع خاصته، يبيع أولى سمكاته للسيدة سعاد، يبتسم ابتسامة تحمل نواياً لا تعلمها إلا هي، وهو يلهو حدثت ضجة بالقرب. كان عيسى ابن الجينرال قد دخل في مشادة كلامية مع أحد أبناء الشنابو، هيثم. كان هيثم أكثر أبناء الشنابو شبهاً بأبيه، خرج من البيت ونظف جبل القمامة وجلس في ذاك النهار ينتظر أبناء الجينرال يحتسي القهوة ويدخن سجائره. مر به عيسى فقال له:

  • ما الذي أخرجك من حضن أمك أيها الفتى؟
  • الذي أخرج أبناء الفاسدة.
  • ادخل وارضع من ثديْ أمك الفاسدة.

ذلك العراك قد اشتبكت فيه الأيادي، وانغرست السكاكين في الأجساد، وتمدد ليصل إلى أنور الحوّات وسيارته فيفسد المتعاركان سمكه يلقي كل واحد منهما صندوق سمكٍ على الآخر فتقع السمكات على التراب، يدخل العراك أخوة الفريقيْن فتلكم الوجوه وترتفع العصيْ الخشبية والحديدية وتتفادى الضربات لتقع على هيكل البيجو، يغضب أنور فيدخل العراك ويسب آلهة الفريقيْن كل على حدى، يتطاير الدم البشري على السمك على التراب، تحلق المسبات والكلمات في الهواء لتدخل آذان أهل الحيْ نساءً ورجالاً، تحاول النساء إلا السيدة سعاد أن تغلق آذانها عنها؛ يخرج أنور هراوته فيضرب كل من يراه من الفريقيْن، يتحول العراك إلى عراك أطرافٍ ثلاثة، ينضم له. يتشباك سمك السردين مع أقدام المتعاركين، وزجاج البيجو مع سواعدهم، ووجه أنور الحوات مع لكماتهم ورذاذ اللعاب المندفع كرصاص مع مسباتهم، وأجساد أهل الحيْ تدور حولهم يحاول بعضهم إيقاف العراك والبعض الآخر يدفع بالأجساد إلى داخل حلبة العراك مجدداً، يتوقف كل شيء بعد أن تنطلق رصاصة من مسدس الجينرال في السماء ليحل السكون المكان. يركب أنور ساباً الرجل وأبناءه ويتجه إلى مركز الشرطة، يجد رئيس المركز جالساً على كرسيْه تعلو الحائط الذي يتكئ عليه صورة القائد يبتسم من قبعته العسكرية. يخبره بالقصة كاملة، كم استمر العراك، وكيف صار الحي ميداناً يتحدى مكانة الدولة وهيبتها بعد أن تقلد جينرال متقاعد الحكم فيه. قال له رئيس الشرطة:

  • الشعب يحكم نفسه بنفسه.
  • والسلطة والثروة والسلاح في يد الشعب، نعم…على عيني ورأسي ولكن. قال أنور.
  • ولكن ماذا؟ قال رئيس المركز وهو يشرب الشاي وينصت للمذياع.
  • ولكن ماذا سيقول القائد إذا سمعك تتهكم عليه ولا تؤدب الخارجين عن سلطة الشعب؟ قال أنور.
  • ماذا تقول أيها الـ؟ قال الرئيس غاضباً.
  • أقول، أنّ لدي اتصال بمكتب اللجان الثورية. يهدده أنور.
  • أريد أن أفتح محضراً. أخبره.

ذلك اليوم، أدبت الشرطة فيه أبناء الجينرال والشنابو، وضعتهم في زنزانة لثماني ليالٍ، أدبوهم بالعصيْ والكهرباء والماء. ذلك اليوم، شعر أنور بالرضى اتجاه نفسه وانتقم لسيارته المغتصبة. خرج الفتيان المتعاركون من السجن قبل أن يفجر عيسى بيت الشنابو باسطوانة غازية تخترق غرفة فطّوم لترديها جريحةً في المستشفى، وقبل أن يفجر هيثم الاسطوانة الأخرى ليحرق شجرة الصنوبر ويشعل الحريق في بيت الجينرال.

كان الرجال يجلسون في مضافة الشنابو، الحاج صالح بهيبته الدينية، الحاج مصباح بهيبته الليبية وموسى المحروق بهيبته الاقتصادية. لنصف ساعة، كانوا يجولون بأنظارهم في المضافة ينتظرون أن يتحدث أي شخص كانتظاره للشايْ، لم يكن الحاج مصباح ليبدأ الحديث إلا بعد أن يرتشف الشاي، أخبره الحاج صالح أنه عليهما أن يحلوا المسألة بشاي أو من دونه إلا أنه كان مستعداً لينشب عراك آخر لولا لم يتذوق مرارة السائل الأسود. كان الشنابو يتوسط المكان يدخن سجائره المهربة يحدق في باب المضافة ويتغنى بأهزوجة، الحاج مصباح يقول في همس للحاج صالح:

  • إذا لم يأتِ الشايْ بعد خمس دقائق، سنخرج.
  • ما الفائدة في انتظار الشايْ؟ قال له الحاج صالح.
  • الشاي مهم، لم أحضر مصالحة في حياتي دون شاي. قال الحاج مصباح.
  • سأدعوك لجلسة شاي في منزلي بعد أن ننتهي من الأمر. قال له الحاج صالح.
  • لا! الشاي قبل المصالحة ليس نفسه بعدها. أصر الحاج مصباح.
  • حسناً. دعني أحادث موسى. قال الحاج صالح.

كان موسى المحروق رغم كونه فرداً من أفراد البعثة إلا أنه يجلس بالقرب من رفيقه يدخن صحبته السجائر، ينساب الدخان فوق وجهه المحروق بهدوء. قال الحاج صالح بصوتٍ عالٍ:

  • يا موسى، بكم الشاي في الجمعية؟
  • ربع الكيلو بديناريْن لكن لا أعتقد أن الشهر القادم سيكون هنالك شاي في الجمعية يا حاج، لذا فأنصحك بأن تقتصد. قال موسى المحروق.
  • إننا نقتصد كفاية في كل شيء كما تعلم، لكن… لا أستطيع التخلي عن المذاق المُر للشاي. أستطيع أن أتنازل على كل شيء الآن من أجل رشفة واحدة…رشفة واحدة فقط، أليس كذلك يا حاج مصباح؟ قال الحاج.
  • رشفة واحدة؟ هل جننت؟ أنا أرتشف كأسيْن قبل كل عقدٍ للمصالحة. قال الحاج مصباح مباشراً وأسنانه الصفراء من أثر الشاي تلمع في الغرفة.
  • ليس عندنا شاي يا حاج مصباح، صديقك حرمنا كل شيء. قال له الشنابو بصوته الغليظ، يرفع يده للأعلى ليتضح الوشم في الساعد كُتِب عليه ” خدّوجة” اسم عشيقةٍ قديمة له.
  • صديقي؟ أنا الحاج مصباح…وإن كان الجميع يدعون صداقتي إلا أنني لست صديقاً لأحد، أنا دائماً في الحياد. وإن كنت تريد رأيي أريدك أنت والرجل خارج الحي الآن. قال الحاج مصباح وهو يتذكر حاجته الرهيبة لكأس شايْ. كان كالمخذر.
  • على رسلك يا حاج. نحن نريد الصلح، لا نريد صناعة مشكلة أخرى، خصوصاً أن يكون سببها كأس شايْ. قال الحاج صالح.

” سأقتل من أجل كأس شايْ”، تمتم الحاج مصباح بالكلمات في فمه دون أن يسمعها أحد. استمر الاجتماع نصف ساعة أخرى كان أهل الحي ينتظرون فيها القرار الذي سيخرج من عتبات الباب، انتظروا وحملوا تأخر أعضاء الوفد كل محمل، الجينرال يقف في عتبة منزله، السيدة سعاد تلاحق الجينرال بنظراته من سقف منزلها، الشباب في الساحة يدخنون السجائر بعيداً يحاولون الرهان بنجاح الصلح من عدمه، الحاجة المبروكة تمر من جانب بيت الجينرال واضعةً إصبعها على أنفها، الحاجة نجيّة تدعو الله وهي تلملم أجزاء الكوب المتكسر، أنور الحوّات وقد انفض عن بيعه ليدخل ضمن الجمع المحلقين تحت شجرة الزيتون ينتظر مثلهم. ربيع قد عاد للتو من الجامعة، يمر بجانب الجمع مخفضاً رأسه، الجميع يترقبون.

خرجت هاماتهم. قال الحاج مصباح للناس:

  • الرجل قال أنّ ليس لديه شاي.
  • الرجل لا يريد الخروج من منزله. أضاف الحاج صالح.
  • هل أجد شاياً عند أحدكم؟ قال الحاج مصباح متناسياً أمر الصلح.

استقبل الجينرال الخبر بقبضة يد تضغط أظافره فيها على جلده، مرت في رأسه أفكار عدة. قال موسى المحروق الذي خرج بعد الرجلين ليقول:

  • إنّ الشنابو يقول بأن الأمل الوحيد لتوقف هذا العراك هو بأن يغادر الجينرال الحي. إنه يراه الدخيل، كما أنه يرى بأن الحي كان يعيش في رغد وراحة قبل أن يستوطنه هو. ” الجميع كانوا سعداء”. قال.

وظل موسى المحروق يخطب في الناس بلسان الشنابو، يضيف رأيه الشخصي وينسبه له. هب أحد أبناء الجينرال لإسكاته إلا أنّ الحاج مصباح الذي لازال غاضباً بسبب الشاي أوقفه. ولج الجينرال منزله. لحق به أبناءه، لم تذب سوى دقائق قليلة في الوقت حتى خرج من جديد يحمل مسدسه وخلفه أبناءه الثلاثة: عيسى والحسن والحسين يحملون الهراوات، عازمين على اقتحام بيت الشنابو. وإذ ذاك حدث ما حدث، أدخل الحاج صالح الحاج مصباح منزله وأعد له كأس شاي، ربح المُراهن علبتي سجائر من شباب الحيْ، وقص لهم القاص عن سبب شغف الحاج مصباح بالشاي، بكى ربيع في غرفته لأنه أخفق في امتحان الرياضيات الذي لم يستطع الدراسة له بسبب العراك الناشب، امتصت السيدة سعاد رائحة الحوت عن شفةِ أنور الحوات الذي اختلس فرصته ليلج بيتها بعيداً عن زوجها المهموم بمشاغل العمل، ومضغت الحاجة خيرية النفّة لتهدأ أعصابها بدلاً من شراب النعناع الذي حلفت أن لا تشرب منه بعد أن تكسر كوبها. وأخرج الجينرال الشنابو من الحيْ محمولاً على نعش.

_______________

نشر بخارج التغطية.

عن المشرف العام

مشرف عام الموقع: رامز رمضان النويصري// المحرر العام: كريمة الفاسي

التعليقات مغلقة

إلى الأعلى